الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

مهرجان فاس الصوفي يرسي الجسور بين المعرفة والوجد

يراهن مهرجان الثقافة الصوفية في دورته الخامسة عشرة على رحلة تضم ثقافات مختلفة وخلفيات صوفية متعددة

المغرب- حسن الأشرف

اتخذ مهرجان الثقافة الصوفية لهذه السنة في دورته الخامسة عشرة شعار “الوجد والمعرفة”، من خلال إرساء الجسور بينهما عبر أمسيات “روحية” أحياها منشدون وعازفون مشهورون قدِموا من الهند وأذربيجان وتركيا وكوسوفو وفرنسا والمغرب أيضاً، وذلك في الفترة بين 22 و29 أكتوبر 2022.

اقرأ أيضاً: المغرب يجذب صوفيي العالم ويراهن على “الدبلوماسية الروحية”

ولم يخلُ مهرجان الثقافة الصوفية من دعاماته الرئيسية المتمثلة في اللقاء بين باحثين وفلاسفة ومتصوفين من العديد من البلدان؛ حيث حاولوا في هذا الموعد ربط الصلة بين الوجد والمعرفة، وعلاقة العلوم بالأخلاق، والعلم بالإيمان.. وغيرها من الموضوعات ذات الصلة.

الوجد والمعرفة

في الدورة الخامسة عشرة من مهرجان الثقافة الصوفية بفاس المغربية، والتي تُعرف بلقب “العاصمة العلمية” أو العاصمة الروحية للمملكة؛ لاحتضانها مسجد القرويين الشهير والعديد من العلماء والأضرحة، تمازجت الأشكال الموسيقية السماعية بالندوات والنقاشات العلمية والفلسفية.

جانب من المهرجان

وفي الجانب الموسيقي الصوفي، شهد مهرجان الثقافة الصوفية أداء فنياً لعدد من المجموعات؛ من قبيل فن موغام من أذربيجان، وهو عبارة عن عزف يستلهم أداءه من الشعر الصوفي لنيزامي، والموسيقى الهندوستانية الهندية، وورقة الكاتاك الشابة الموهوبة.

وفي الجانب المقابل، ناقش باحثون ومتخصصون العديد من الموضوعات ذات العلاقة بالصوفية؛ من قبيل “الفلسفة والتصوف”، و”العلوم والنص المقدس”، و”العلوم والأخلاق”، و”علاقة العلوم والأديان”؛ حيث نال هذا الموضوع الأخير نقاشات مستفيضة من الحاضرين.

اقرأ أيضاً: المؤرخ بوتشيش: هذه حقيقة الزوايا الصوفية في المغرب

واتسم مهرجان الثقافة الصوفية في دورته الجديدة بتكريم أحد كبار أعلام التصوف المغربي العربي الأندلسي، وهو الشيخ محمد الحراق، من خلال استحضار سيرته الصوفية وقراءة بعض قصائده الصوفية.

عامان من الغياب

وفي هذا الصدد، يقول فوزي الصقلي، رئيس مهرجان فاس للثقافة الصوفية، إن هذه الدورة الجديدة للمهرجان كانت متميزة؛ أولاً لأنها انعقدت بشكل حضوري بعد سنتَين من الغياب، بسبب تداعيات جائحة كورونا وما تسببت فيه من إغلاقات وإلغاء للمهرجانات واللقاءات.

فوزي الصقلي

وأما ثانية الميزات التي عرفها المهرجان في نسخة 2022، فهي كونه جاء متنوعاً بشكل أكبر من الدورات السابقة، كما شهد حضوراً كثيفاً ووفوداً من أزيد من 15 دولة، تجمعت على مائدة الصوفية وتجلياتها الروحية التي تُسهم في إشاعة سلوك التسامح ونبذ التطرف والغلو والتشدد الفكري والسلوكي.

ووَفق المتحدث ذاته، فإن الثقافة الصوفية نجحت في الجمع بين الوجد والمعرفة (شعار دورة المهرجان)، وبين العقل والإيمان، وبين الروح والجسد، مضيفاً: “إذا كان الوجد يعني الشعور الروحي والتذوق الصوفي؛ فإن المعرفة ترتكز على العقلانية والشعور الحسي، وهما معاً يكمل أحدهما الآخر”.

خالد التوزاني

هوية روحية

من جانبه، يقول الأكاديمي الدكتور خالد التوزاني، رئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي (مساق)، إن التصوف في المملكة المغربية لم يكن مجرد نمط من التدين وفق طرق محددة أو ضمن فضاءات معينة كالزوايا والأضرحة، كما لم يكن المتصوف بالضرورة مُريداً لشيخ صوفي أو زعيم ديني وُصِف بالوِلاية والصَّلاح، والتصوف أيضاً ليس موسيقى أو تراثاً؛ بل شكَّلَ التصوف مكوناً أساسياً ضمن مكونات الدين الثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان، ومثَّلَ جزءاً من الهوية الروحية للمغاربة على مر العصور.

وأكمل التوزاني بأن التصوف مقام الإحسان بإجماع علماء الإسلام؛ فقد طبع الممارسة الدينية للمغاربة بكثير من المفاهيم والتصورات التي جعلت التصوف رافِداً مهماً من روافد الثقافة المغربية ورأسمالاً رمزياً، تتجاوز قيمته الوظائف الدينية أو التاريخية أو الاجتماعية أو النفسية، إلى النظر إليه باعتباره مقوماً أساسياً من مقومات الهوية المغربية الأصيلة؛ خصوصاً في بُعدَيها الديني والرمزي.

اقرأ أيضاً: الحالة الدينية في المغرب.. صعوبات تواجه الإسلاميين وتحديات تهدد التصوف

وزاد المتحدث بأن التصوف في المغرب لم يكن لينتعش ويزدهر لولا تلك السِّمة البارزة التي طبعت الشخصية المغربية؛ والتي تتمثَّل في الحنين إلى كل ما هو روحي ورقائقي وزُهدي، يقرِّبها من الله، ويؤنس وحشتها، ويمحو بُعدَ المسافة عن أرض الرسالات، ومهبط الوحي، فكان الإبداع في التصوف فكراً وسلوكاً، تعويضاً عن ذلك البعد الجغرافي، الذي طُوِيَ بأنواع الذكر وقصائد مدح النبي، صلى الله عليه وسلم، ورحلات الحج…

وبذلك، يردف الأكاديمي المغربي ذاته: “لم يكن التصوف أمراً مفاجئاً في سيرورة التاريخ الديني والاجتماعي للمغاربة، بقدر ما كان نتيجة طبيعية لسمات الإنسان المغربي وبنيته النفسية العميقة، ولذلك الثقافة المغربية في جوهرها هي ثقافة صوفية بالأساس”.

ملصق الدورة الجديدة من المهرجان

علم الأذواق

وسجل التوزاني أن كل مهرجان أو ملتقى صوفي يُقام في المغرب يكون له ذلك القبول العفوي من لدن عموم المغاربة؛ بسبب الارتباط الوجداني بالتصوف، وكون المغاربة يمتلكون نصيباً هائلاً من الثقافة الصوفية التي تؤهلهم لقبول الاختلاف، ولذلك يأتي لمثل هذه المهرجانات الصوفية العديد من أتباع باقي الديانات.

وأفاد المتحدث بأن الدورة الخامسة عشـرة لمهرجان فاس للثقافة الصوفية تميزت بتعميق التراث الروحي في بعده الكوني؛ ليسهم بجلساته الموسيقية والثقافية في تعميق هذا الانتماء الراسخ ضمن دائرة واسعة من الأخلاق العليا التي تطلب التصوف بشكل عام.

اقرأ أيضاً: المغرب يحارب التطرف بالتصوف لمواجهة الإسلام الراديكالي

وتابع التوزاني “يرفع المهرجان شعار (الوجد والمعرفة)؛ للدلالة على الارتباط الوثيق بين القلب والعقل، وأن الوصول إلى الحق يقع عبر مسارَين متوازيَين، ويخرقان القاعدة المعروفة في الرياضيات: (مستقيمان متوازيان؛ لا يلتقيان)؛ حيث يلتقي العقل والقلب في التجربة الصوفية، وتتماهى الأضداد، وتختفي الحواجز وترتفع الحدود، ليعبر الجميع نحو النهر العظيم؛ شلال الوَجد وفيض المعرفة”.

ووفق المتحدث: “هكذا يحتاج الصوفي إلى استعداد لتلقي ثقافة مغايرة، ليست بديلة؛ ولكنها مكملة لمعنى الحياة، أي استقرار الروح، ذلك الاطمئنان المـأمول الذي لا يتحقق إلا بذكر الله، ذكراً كثيراً، ولذلك استعان الصوفية بالموسيقى لطرد الملل وجلب الآخر البعيد كي يسمع كلمات الصوفية، فيقترب ويشرب وينتشي وينهل المزيد ليبلغ ذروة اللقاء الروحي بعوالم رحبة لا تتحقق إلا بالرموز والإشارات، أو علم الأذواق مقابل علم الأوراق”.

واعتبر التوازني أن “تلك هي التنشئة الروحية التي يُحقِّق هذا المهرجان بعضاً من جمالياتها، في عمق مدينة صوفية أشرقت فيها شمس القرويين ليبلغ شعاعها العالم بأسره؛ حيث حضر الملتقى 200 فنان من جميع أنحاء العالم. وهذا حدث عالمي جدير بالاهتمام ويحقق للمغرب ذلك الإشعاع الروحي المتميز، ويستعيد ذاكرة الأولياء كما عبروا هذا البلد وتركوا الأثر”؛ ليخلص إلى أن “الاحتفاء بالثقافة الصوفية هو رحلة البحث عن معنى جديد للتصوف في السياق المعاصر، بوسائل العصر، وعبر الصوفية الجدد ممن حضروا وأثْروا هذه الثقافة بأعمالهم الفنية والفكرية والإبداعية”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة