الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

مهاتير الثعلب العجوز.. مناورة أخرى للبقاء في السلطة!

كيوبوست – عماد المديفر

تسببت استقالة مهاتير محمد من جميع المناصب الحكومية والحزبية في دخول البلاد في حالة من “الفوضى السياسية” و”الجدل الدستوري”([1]ستستغرق ربما وقتًا طويلًا للخروج منها([2]) . ففي تطورات دراماتيكية متسارعة؛ انسحب([3]) مساء الأحد الماضي حزب مهاتير “بيرساتو” (26 نائبًا) من الائتلاف الحاكم، بالإضافة إلى انشقاق (11 نائبًا) من حزب “عدالة الشعب” موالين لنائب رئيس الحزب وزير الاقتصاد أزمين علي، وتركهم “تحالف الأمل”([4]) الذي كان قد أسَّسه تحالف “أنور- مهاتير”؛ بغرض الفوز في الانتخابات العامة 2018م والانتصار على حزب “المنظمة الوطنية المتحدة للملايو UMNO”، وزعيمه الرئيس السابق نجيب رزاق.

اقرأ أيضًا: قمة كوالالمبور الإسلامية تعكس حجم الطموحات التركية والماليزية

بيد أن هذا التحالف -الذي ما كان ليتشكَّل إلا بوعد قد قطعه مهاتير قبيل الانتخابات إلى زعيم حزب “عدالة الشعب” المثير للجدل والمفضل لدى التنظيم الدولي للإخوان المسلمين أنور إبراهيم، مقتضاه أن يتنازل له مهاتير عن رئاسة الوزراء قبيل انتهاء فترة ولايته- في طريقه للانهيار!

شكل يوضح توزيع النواب والكتل في البرلمان الماليزي

غموض يحف مستقبل ماليزيا

ويرى محللون أن هذه الفوضى التي تعيشها ماليزيا دليل آخر على فشل “الإسلاميين” وأحزاب “الإسلام السياسي” في قيادة البلاد. وبعكس ما يعتقد البعض، فإن استقالة مهاتير -والتي تبدو كما لو كانت قفزًا من سفينة “تحالف الأمل” الغارقة- لم تكن مفاجئة؛ إذ بدأت إرهاصاتها في الفترة ما بين سبتمبر ونوفمبر 2019، مع الانخفاض الشديد والملحوظ في شعبيته وشعبية الائتلاف الحاكم الذي يقوده، بعد مضي عام ونصف العام على تسلمهم إدارة البلاد، لأسباب عديدة؛ يأتي في مقدمتها العامل الاقتصادي المتردي في البلاد، والذي ازداد سوءًا في الأشهر القليلة الماضية، مع ارتفاع تكاليف المعيشة ومعدلات البطالة وازدياد نسب التضخم واستمرار نزيف الأسواق المالية الماليزية وانسحاب المستثمرين الأجانب([5]) -وهي مسائل وعد “تحالف الأمل: مهاتير- أنور” بمعالجتها- والشعور المتنامي لدى الشارع الماليزي بحالة من العزلة السياسية لبلادهم؛ خصوصًا بعد فشل أعمال “القمة الإسلامية” التي دعا إليها مهاتير، والتي لم يحضرها سوى قادة ثلاث دول منبوذة على المستويات الإقليمية والدولية؛ هي: إيران وتركيا وقطر، بالإضافة إلى تصاعد النفس الطائفي والتعصب العرقي والانقسام الإثني في البلاد([6]) والتأثر بحالة من الشك والغموض حول مستقبل ماليزيا، وما إن كان مهاتير سيفِي بوعده الذي قطعه إبان الانتخابات الماضية عام 2018م بشأن خلافة إبراهيم لقيادته العليا([7])؛ الأمر الذي حدا بأنور إبراهيم، المقرب من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى الحديث عن “خيانة” يتعرَّض إليها من داخل حزبه([8])، ومن حزب “بيرساتو” الذي يتزعمه مهاتير ([9]وهو ما انعكس على نتائج الانتخابات البرلمانية الفرعية؛ حيث خسر ائتلاف “أنور- مهاتير” الحاكم في ماليزيا، عدة جولات انتخابية متتالية منذ وصوله إلى السلطة في شهر مايو الماضي؛ ليكشف عن تصدعات عميقة في التحالف الناشئ بين الاثنين، ومن ذلك أن حصلت المعارضة بقيادة الحزب الوطني “المنظمة الوطنية المتحدة للملايو UMNO” -والذي يخشى تحالف “مهاتير- أنور” من عودته بقوة في الانتخابات القادمة- على أكثر من 15000 صوت، ولتنتزع بذلك المقعد البرلماني لـ”تانجونج بياي”، وهي دائرة ريفية في ولاية جوهور الجنوبية([10]).

اقرأ أيضًا: ما لا تعرفه عن مهاتير محمد: أصبح ابناه الأغنى في ماليزيا خلال 3 سنوات!

كما كشفت مؤخرًا استطلاعات الرأي عن هبوط شعبية “تحالف الأمل: مهاتير- أنور” إلى 41٪ في يوليو، وهي أقل بكثير من معدل 64٪ المسجلة عندما تولَّى مهاتير السلطة قبل أكثر من عام. يقول سيد حسين علي، وهو قيادي كبير سابق في حزب “عدالة الشعب”: “هذا استفتاء على تحالف الأمل الذي يقوده مهاتير”، مستطردًا: “القرار واضح. الناس يشعرون بخيبة أمل ويريدون إعلام تحالف الأمل؛ خصوصًا الدكتور مهاتير.. يجب أن يعرف ما يجب القيام به على الفور. لا مزيد من التأخير!”، في إشارة إلى نقل السلطة إلى أنور إبراهيم.

تحالف الأمل فاز في الانتخابات الأخيرة – وكالات

ماذا حدث بالضبط؟

مع اقتراب الذكرى السنوية الثانية لتأسيس “تحالف الأمل PH” وخسارة مقعده لولاية “Tanjung Piai”؛ وهو المقعد الثاني الذي فقده الائتلاف الحاكم منذ توليه السلطة، لكنه الأول الذي فقده بهامش كبير. أصبح سياسيو حزب “عدالة الشعب PKR” المتحالفون مع السيد أنور، أكثر صخبًا في طلب التحالف وتحديد موعد يتم بوجبه نقل رئاسة الوزراء من مهاتير إلى أنور. لكن في الوقت ذاته، دعم السيد أزمين علي، نائب رئيس الحزب، ​​الدكتور مهاتير، مطالبًا بقضاء فترة ولايته كاملةً. وكان هذا الموضوع هو الأجندة الرئيسية لاجتماع المجلس الرئاسي لـ”تحالف الأمل PH”، يوم الجمعة الماضي، والذي انتهى إلى القول إن على الدكتور مهاتير أن يقرر عاجلًا متى سيتنحَّى. لكن التحول المفاجئ حدث يوم الأحد الماضي، حين قلب مهاتير وأزمين الطاولة في وجه حزب “عدالة الشعب” وأنور إبراهيم؛ حيث انشق السيد أزمين وفريقه من حزب “عدالة الشعب PKR” وتوجه بمعية نواب من حزب مهاتير “بيرساتو”؛ للالتقاء بالملك الماليزي مع أربعة أحزاب سياسية أخرى ليست في تحالف الأمل “PH”، ومن أبرزها الحزب الإسلامي الماليزي “PAS” وحزب “المنظمة الوطنية المتحدة للملايو UMNO”، في تحرك وصفه أنور بأنه “خيانة” و”محاولة انقلاب”([11]).

وفي صباح يوم الإثنين الماضي، أجرى السيد أنور، مع الأمين العام لحزب العمل الديمقراطي (ليم)، ورئيس حزب أمانة نيجارا (أمانة)، محادثات مع الدكتور مهاتير؛ في محاولة لإبقاء التحالف، لكن محاولتهم باءت بالفشل. ففي فترة ما بعد الظهر، صدر بيان عن مكتب رئيس الوزراء مهاتير محمد، يقول إن خطاب الاستقالة قد تم تسليمه إلى الملك، بينما أعلن “بيرساتو” الانسحاب من “تحالف الأمل PH”؛ وهو ما فعله أيضًا السيد أزمين علي و10 نواب آخرون، وإنهم يتطلعون إلى تشكيل ائتلاف حاكم جديد. وهذا يعني فعليًّا أن مَن بقي ضمن “تحالف الأمل PH” لن تكون له أغلبية في البرلمان المؤلف من 222 مقعدًا([12]).

مهاتير لا يزال ممسكًا بخيوط اللعبة!

ورغم تقديم مهاتير استقالته؛ فإنه حظي بموافقة ملك ماليزيا على طلبه ليبقى رئيسًا لحكومة تصريف الأعمال، ريثما يتم تشكيل حكومة جديدة تحظى بثقة غالبية أعضاء البرلمان([13]). أما حزبه “بيرساتو” فقد رفض هو الآخر استقالة مهاتير من الحزب([14] وقام بتحركات جادة خلف الكواليس؛ للتواصل مع نواب المعارضة، وعلى رأسهم أعضاء في الحزب الوطني “المنظمة الوطنية المتحدة للملايو UMNO”، والحزب الإسلامي الماليزي “PAS”. وبذلك، ورغم تقديم مهاتير الاستقالتَين؛ فإن “الثعلب العجوز” ظل ممسكًا بزمام السلطة، قائدًا لحزبه وحكومة تصريف الأعمال، وأقوى من أي وقت مضى!.

اقرأ أيضًا: هل سيُحلّل مهاتير محمد “أخونة” ماليزيا ويقضي على التعددية فيها؟

ويعلق أحد المواطنين الماليزيين من أنصار حزب عدالة الشعب على ذلك، قائلًا: “نعم، لقد عاد الرجل العجوز إلى لعبته القذرة. إنه الآن مهتم أكثر بزيادة الأرقام في حزبه (بيرساتو)؛ حتى يتمكن من البقاء لفترة أطول. حتى أزمين علي الملوث بالفضائح الجنسية مرحَّب به للانضمام إلى (بيرساتو). نأمل أن يغادر الرجل العجوز قريبًا. الناس سئموا. آمل أن يتنبه رئيس حزب (PKR) (عدالة الشعب) أنور إبراهيم، إلى اللعبة القذرة لهذا الرجل العجوز. مهاتير لا يمكن الوثوق به بعد الآن”([15]).

هل يعني ذلك انحسار سيطرة “الأحزاب الإسلاموية” على الشؤون السياسية في البلاد؟

الواقع أن الفاحص لخريطة الأحزاب الإسلامية السياسية في ماليزيا يجدها موزعةً وموجودةً بين صفوف الائتلاف الحاكم “تحالف الأمل”، والمعارضة في الوقت ذاته. إذ ليس “حزب عدالة الشعب PKR” الذي يقوده أنور إبراهيم وزوجته عزيزة، هو الحزب الوحيد المقرب من التنظيم الدولي للإخوان المسلمين؛ فـ”الحزب الإسلامي الماليزي PAS” الموجود في المعارضة، هو الآخر حزب إسلاموي أكثر تشددًا وقربًا من الإخوان المسلمين؛ بل يعتبره بعض المراقبين الفرع الأساسي للتنظيم في ماليزيا، والذي انشقت عنه أفرع وأحزاب أخرى، كما هي الحال مع حزب “أمانة” المنضوي في تحالف من أنور إبراهيم وحزبه. كما أن حزب مهاتير “بيرساتو”، المنشق عن “المنظمة الوطنية المتحدة للملايو UMNO”، هو الآخر يصنَّف كحزب إسلاموي -أي “بيرساتو”- ومواقفه الداعمة لتنظيم الإخوان المسلمين، والنظام الإيراني، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وقطر، والمنتقدة للعقوبات الدولية، ومقاطعة هذه الأنظمة([16])، معلومة ومثبتة، ولا يزال أعضاء الحزب بقيادة مهاتير يعلنونها بوضوح([17]). وعليه فلا تزال هذه “الأحزاب الإسلامية” تحظى بشعبية وقوة فاعلة على المسرح السياسي الماليزي رغم إخفاقاتها في الملفات الاقتصادية وفي ملفات السياسة الخارجية للبلاد([18])، وقد يعود ذلك أيضًا إلى النفس العرقي الذي ينتشر في مجتمع الملايو في ماليزيا، كون هذه الأحزاب تستخدم “الدين” لتعزيز سيطرة “الملايو” ونبذ غيرها. بيد أن المتتبع لمسيرة مهاتير محمد السياسية، يكتشف أنه أيضًا صاحب مناورات كبيرة، وبارع في قفز الحبال، والتنقل من سفينة سياسية إلى أخرى، ومن جناح إلى آخر، ليصفه أنصاره بـ”البراغماتي”، بينما يصفه آخرون بأنه “لا يحترم الوعود”.

المراجع

[1] https://www.channelnewsasia.com/news/asia/malaysia-mahathir-mohamad-pakatan-harapan-anwar-ibrahim-12466598

[2] https://edition.cnn.com/2020/02/25/asia/malaysia-mahathir-anwar-politics-intl-hnk/index.html

[3] https://foreignpolicy.com/2020/02/25/malaysia-prime-minister-mahathir-mohamad-resign-politics-anwar-ibrahim-kuala-lumpur/

[4] https://www.malaymail.com/news/malaysia/2020/02/25/bersatu-rejects-dr-ms-resignation-as-chairman-affirms-decision-to-quit-paka/1840550

[5] https://www.channelnewsasia.com/news/commentary/malaysia-politics-mahathir-resign-anwar-pm-pakatan-harapan-umno-12468708

[6] https://www.channelnewsasia.com/news/asia/malaysia-anwar-mahathir-pakatan-harapan-umno-pas-meeting-12463162

[7] https://asia.nikkei.com/Politics/Malaysia-s-Mahathir-suffers-fourth-election-defeat-for-ruling-party

[8] https://www.channelnewsasia.com/news/asia/malaysia-azmin-ali-deny-traitors-anwar-mahathir-12466374

[9] https://www.channelnewsasia.com/news/asia/malaysia-anwar-pkr-patience-has-limits-azmin-12150728

[10] https://www.thestar.com.my/news/nation/2019/11/18/dr-m-to-blame-for-tg-piai-loss-and-should-quit-say-several-pakatan-lawmakers

[11] https://www.channelnewsasia.com/news/asia/malaysia-azmin-ali-deny-traitors-anwar-mahathir-12466374

[12] https://www.channelnewsasia.com/news/asia/malaysia-mahathir-resignation-pakatan-harapan-political-upheaval-12468986?cid=h3_referral_inarticlelinks_24082018_cna

[13] https://www.malaymail.com/news/malaysia/2020/02/25/bersatu-rejects-dr-ms-resignation-as-chairman-affirms-decision-to-quit-paka/1840550

[14] https://www.malaymail.com/news/malaysia/2020/02/25/bersatu-rejects-dr-ms-resignation-as-chairman-affirms-decision-to-quit-paka/1840550

[15] https://www.malaysiakini.com/news/492326

[16] https://www.nst.com.my/news/nation/2019/12/549757/pm-calls-muslim-nations-be-self-reliant

[17] https://www.reuters.com/article/us-iraq-security-malaysia/muslims-should-unite-after-iran-commanders-killing-malaysian-pm-idUSKBN1Z60HX

[18] https://www.iseas.edu.sg/images/pdf/ISEAS_Perspective_2016_53.pdf

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة