الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

من 11 سبتمبر إلى 1 يونيو الحرب على الإرهاب تستنفر اليمين المتطرف

كيوبوست- ترجمات

سينثيا ميلر- إدريس♦

لطالما عانى المجتمع الأمريكي منذ نشأته طيفاً واسعاً من أشكال التطرف، تركت جراحاً لا تزال ندوبها واضحةً إلى يومنا هذا في معالم الثقافة والمجتمع والتقاليد، وحتى القوانين والسياسة الأمريكية. ومع مرور عقدَين على هجمات 11 سبتمبر، نشر موقع “فورين أفيرز” مقالاً لمديرة مركز بحوث الاستقطاب والتطرف في الجامعة الأمريكية؛ سينثيا ميلر، تتناول فيه أوجه التطرف الأبرز التي عانتها الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة.

تبدأ ميلر مقالها بالإشارة إلى الأفكار الراديكالية التي تُعرف اليوم باليمين المتطرف، والتي تتجلى في الاعتقاد بتفوق العرق الأبيض والليبرالية العنيفة المناهضة للحكومة والتطرف المسيحي، وإلى الدور الذي لعبته في القصة الأمريكية، على الرغم من أن هذا التطرف كان على هامش المجتمع الأمريكي، خلال العقود الأخيرة، إلى أن دفعت سلسلة من المواجهات الحكومة الأمريكية إلى مواجهة الحركات المتطرفة في مرحلةٍ بلغت ذروتها مع التفجير الإرهابي لمبنى فيدرالي في أوكلاهوما عام 1995، نفذه رجل أبيض متطرف مناهض للحكومة، وأسفر عن مقتل 168 شخصاً. إلا أن العنف الذي بلغ ذروته في هجوم أوكلاهوما قد أدى على ما يبدو إلى تهميش اليمين المتطرف، ونفور المجتمع الأمريكي منه.

اقرأ أيضاً: نجاح بن لادن الكارثي

ترى ميلر أنه منذ عقدَين من الزمن تغيَّر المشهد تماماً؛ فقد شهدت السنوات القليلة الماضية انفجاراً في عنف اليمين المتطرف وتطبيعاً للأفكار المتطرفة التي تقف وراء هذا العنف. ففي عام 2019 قُتل 48 شخصاً في هجماتٍ نفذها متطرفون أمريكيون كان 39 منهم من البيض. وسجل عام 2020 رقماً قياسياً في عدد المخططات والهجمات الإرهابية المحلية منذ عام 1994، ومرة أخرى كان البيض وراء ثلثي هذه المخططات. وتضاعف عدد مَن اعتقلتهم السلطات من المتطرفين البيض ثلاث مرات في عام 2020 بالمقارنة مع عام 2017. وتضاعف عدد المنشورات والملصقات العنصرية في الحدائق وحرم الجامعات بالمقارنة مع العام السابق. ولا يقتصر هذا الاتجاه على الولايات المتحدة وحدها، فعلى الرغم من أن الجهاديين يشكلون التهديد الأكبر في أوروبا؛ فإن تنامي عنف اليمين المتطرف آخذ في الازدياد، وارتفع عدد جرائمه بمعدل 10% بين عامَي 2019 و2020.

اقرأ أيضاً: القاعدة في الذكرى التاسعة عشرة لهجمات 11 سبتمبر: جردة حساب

ومع صعود العنف انتشرت الأفكار المتطرفة وتم تطبيعها؛ ففي أوروبا حصلت الأحزاب اليمينية المتطرفة على تمثيل في أكثر من 36 برلماناً وطنياً. وفي الولايات المتحدة كان وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض نتيجة وسبباً لهذا الاتجاه؛ فقد كانت حملته الانتخابية وفترة ولايته غارقتَين في الخطاب الشعبوي والوطني الذي رأى فيه اليمين المتطرف أنه يضفي شرعية على أفكاره وتحركاته التي بلغت ذروتها في هجوم 6 يناير على مبنى الكابيتول.

بلغت تحركات اليمين المتطرف ذروتها في هجوم 6 يناير على مبنى الكابيتول- أرشيف

ثم تنتقل ميلر إلى البحث في أسباب عودة اليمين المتطرف التي ترى أنها تتلخص في عوامل عديدة؛ منها رد الفعل الرجعي على التغير الديموغرافي، وزيادة الاعتقاد بنظرية المؤامرة، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في نشر دعاية اليمين المتطرف، وتسربه إلى وسائل الإعلام الكبرى. إلا أن العامل الأكبر وراء صعود التطرف اليميني كان شكلاً آخر من أشكال التطرف -ورد فعل واشنطن عليه- ففي أعقاب هجمات 11 سبتمبر، أدى ظهور العنف الجهادي إلى إعادة تشكيل السياسة الأمريكية بطريقةٍ خلقت أرضاً خصبة للجناح اليميني المتطرف. وبين عشية وضحاها، امتلأت الولايات المتحدة وأوروبا بالمخاوف التي كان اليمين المتطرف يحاول تأجيجها لعقود خَلَت. ولكنَّ الإرهابيين لم يكونوا وحدهم مَن أعطى هذه الدفعة لليمين؛ بل فعلت كذلك الحرب التي قادتها الولايات المتحدة على الإرهاب والتي ركزت بشكل كامل على التطرف الإسلامي وتركت التطرف اليميني ينمو بلا رقيب ولا حسيب.

اقرأ أيضاً: 10 سنوات على مقتل بن لادن.. فما الحالة الراهنة لتنظيم القاعدة؟

ينطوي اليمين المتطرف على طيف واسع من المجموعات المتنوعة؛ منها النازيون الجدد والمتفوقون البيض والميليشيات المعارضة للحكومة والجماعات الشوفينية المتطرفة، وهي في معظمها تؤيد استخدام العنف ضد الحكومة وتجمعها نظرة تآمرية للعالم والتزامها المشترك بالأفكار المناهضة للديمقراطية وغير الليبرالية. وقد تجذرت هذه الحركات بقوة في التطورات الأخيرة في أوروبا وأمريكا، وضرب الإرهاب اليميني المتطرف إيطاليا وألمانيا في أوائل الثمانينيات، واجتاح أوروبا الشرقية إبان فترة التغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في التسعينيات.

متطرفون يمينيون في بورتلاند- أوريغون.. سبتمبر 2020

وفي الوقت نفسه تقريباً، بدأت مجموعات حليقي الرؤوس المتطرفة بالظهور في أمريكا الشمالية، وأسهم في انتشارها في الولايات المتحدة مجموعة من قدامى المحاربين في فيتنام الذين تولوا إقامة معسكرات لتدريب الفتيان على استعمال السلاح وتأسيس ميليشيات تهدف إلى إقامة وطن انفصالي للبيض. ومع توفر الأسلحة والمعدات التكتيكية في الولايات المتحدة، تمكَّنت هذه المجموعات من بناء ترساناتٍ ضخمة، وازدادت جرأتها على مواجهة السلطات. وجاءت هجمات روبي ريدج عام 1992 وهجوم واكو في تكساس في العام التالي، لتلفت الانتباه إلى حجم هذا التهديد. ثم جاء تفجير أوكلاهوما الذي جعل من اليمين المتطرف يخسر كثيراً من شعبيته، ويتلاشى من الوعي العام، وساعد على ذلك فترة من الازدهار الاقتصادي، والتقدم التكنولوجي، والسلام النسبي في أواخر التسعينيات.

تصل الباحثة سينثيا ميلر إلى هجمات 11 سبتمبر التي ترى أنها كانت بمثابة هدية بالنسبة إلى مروجي كراهية الأجانب والتعصب الأبيض، والقومية المسيحية؛ حيث غيَّرت المشهد كلياً. فبينما كانت البلاد تترنح من تأثير الضربة، رأت الجماعات اليمينية فرصة فاغتنمتها. انطلقت صناعة رهاب الإسلام لخلق هستيريا بشأن تهديد مرعب يلوح في الأفق، واستحوذت نظرية المؤامرة على خيال اليمين المتطرف. وجاء كتاب “عوروبا” (نسبة إلى مصطلح عورابيا الذي يعني عوربة أوروبا، والذي أوجده اليمينيون المتطرفون للتعبير عن نظرية مؤامرة كارهة للعرب- المترجم) للكاتبة البريطانية بات ييؤور، عام 2005، ليحذر من أن التغييرات الديموغرافية في أوروبا لم تكن مصادفة؛ بل نتيجة لعملٍ منظم يقوم به المسلمون لإحياء الخلافة، وتحويل أوروبا إلى حضارة إسلامية تطبق فيها الشريعة.

وفي هذه البيئة انتشرت مشاعر العداء للمسلمين. وشبهت زعيمة اليمين الفرنسي مارين لوبين، المسلمين الذين يصلون على الأرصفة خارج المساجد، بالمحتلين النازيين، ووصف زعيم اليمين الهولندي المتطرف خيرت فيلدرز، اللاجئين بأنهم غزو إسلامي. وبحلول عام 2005 كان عشرات الآلاف يتظاهرون في أوروبا تحت راية مجموعة تسمى “الأوروبيون الوطنيون ضد أسلمة الغرب”، ويحذرون من تحول أوروبا إلى “عورابيا”.

وفي الولايات المتحدة تعالت الأصوات المعادية للمسلمين، وظهرت جلية في حركة نجحت في منع بناء مسجد بالقرب من موقع هجمات 11 سبتمبر، وفي تشريع تم تمريره في عشرات الولايات يهدف إلى إحباط جهود -غير موجودة في الواقع- لإخضاع الأمريكيين للشريعة. ومع انتخاب أول رئيس أسود للبلاد عام 2008 ظهرت أعداد قياسية من جماعات الكراهية، وعادت الحركات التي تضاءلت بعد تفجير أوكلاهوما إلى الظهور بقوة.

اقرأ أيضاً: قصة حمزة بن لادن (الجزء الأول)

وتلفت ميلر النظر إلى أنه على الرغم من هذا الانفجار النشط لليمين المتطرف، ظلَّت الحكومات الوطنية والمنظمات الدولية تركز اهتمامها على الإرهاب الجهادي، وتجاهلت التطرف اليميني، واعتبرته مشكلة محلية يمكن للحكومات أن تتعامل معها بشكل منفرد.

تقول ميلر: لا شك أن الإرهاب الجهادي شكَّل تهديداً حقيقياً، ولا يزال، لكن الاستجابة العالمية له كانت مبالغاً فيها لدرجة أنها أعمت أبصار صانعي السياسة والمسؤولين الأمنيين عن النمو المتسارع لتهديد اليمين المتطرف الذي أصبح التهديد الأول في الولايات المتحدة على وجه التحديد. ونتيجة لذلك، تم التعامل مع الهجمات الإرهابية اليمينية على أنها حوادث هامشية معزولة وليس باعتبارها خطراً يفوق الإرهاب الجهادي.

حتى أكثر الهجمات اليمينية المتطرفة فظاعة لم تحفز وكالات مكافحة الإرهاب في الغرب؛ ففي النرويج على سبيل المثال، عندما قتل متطرف يميني 77 شخصاً معظمهم من المراهقين الذين كانوا يحضرون معسكراً صيفياً لحزب العمال خارج أوسلو، لقي الهجوم اهتماماً واسعاً من الإعلام؛ لكنه غالباً ما كان يصور على أنه تصرف فردي شاذ قام به قاتل جماعي مختل عقلياً وليس إرهابياً، على الرغم من أن جريمته كانت سياسية بامتياز.

الحكم بالسجن 21 عاماً على منفذ الهجوم الإرهابي في النرويج الذي قتل 77 شخصاً- “نيويورك تايمز”

ومرة أخرى، تؤكد ميلر أن كل المؤشرات ذات الصلة -عدد الاعتقالات والإدانات، والمخططات الإرهابية، وكمية الدعاية المتداولة، وعدد الهجمات- تشر إلى تزايد التطرف اليميني بشكلٍ كبير. فعلى الصعيد العالمي، تراجع عدد الوفيات الناجمة عن الإرهاب للعام الخامس على التوالي؛ لكن هذا العدد ارتفع في أمريكا الشمالية وأوروبا ونيوزيلندا وأستراليا بمعدل 709% خلال نفس الفترة، وازداد عدد الهجمات الإرهابية اليمينية بمعدل 250%.

وربما يجادل البعض بأن تراجع الإرهاب الجهادي يعكس فقط نجاح الجهود المبذولة لمحاربته؛ لكن الاختلال الهائل في توزيع الموارد المخصصة لمحاربة الإرهاب بشكل عام كانت له من دون شك عواقب تمثلت في صعود اليمين المتطرف. وفي شهادة لهم أمام الكونغرس، أفاد مسؤولون في مكتب التحقيقات الفيدرالي، بأنه على الرغم من التحول الكبير في طبيعة التهديد؛ فإنه لا يزال 80% من عملائهم الميدانيين يركزون على قضايا الإرهاب الدولي.

اقرأ أيضاً: قيادة القاعدة.. الوفيات والتداعيات!

بعد هذا الاستعراض للوقائع والأسباب، تدخل ميلر في التحليل السياسي للكراهية اليمينية، وتوضح أن عودة العنف اليميني المتطرف بعد أحداث 11 سبتمبر تعكس ردود الفعل على الظروف الاجتماعية المتغيرة، وصعود الجهادية، وانتهازية المحرضين السياسيين، وقصر النظر في الحرب على الإرهاب، ولكن، وعلى الرغم من كل ذلك؛ فإن جذور هذا العنف اليميني ترجع إلى مشروع فكري أطلقته في أواخر الستينيات مجموعة من المفكرين الفرنسيين تُعرف باسم “اليمين الجديد”.

وقد تبنت هذه المجموعة رأي المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، في تحفيز الثورة ليس بالقوة المادية؛ بل بالسيطرة على طريقة تفكير الناس من خلال التعليم، والتغيير الثقافي. وقاموا بتكييف هذا النهج في مفهوم يُسمى “ميتابوليتيكس” أو ما وراء السياسة، وقد تبنى اليمين المتطرف هذا النهج في تعزيز أفكاره المناهضة للمهاجرين، ومن ثمَّ إدخالها في الفكر السائد بطريقة من شأنها أن تؤدي إلى إحداث التغيير السياسي والاجتماعي.

في ذكرى ضحايا إطلاق النار في متجر وولمارت في إل باسو- تكساس عام 2019- “رويترز”

وبعد ما يقارب الخمسين عاماً من العمل الدؤوب والصبر، أثمر هذا النهج أخيراً. وتسربت الأفكار التي كانت على هامش المجتمع إلى الخطاب العام؛ مما ساعد على تبرير السياسات المتشددة المناهضة للهجرة. وتمكنت الأحزاب اليمينية المتطرفة في مطلع هذا القرن من تحقيق مكاسب كبيرة في الانتخابات البرلمانية الوطنية في جميع أنحاء أوروبا.

وبمرور الوقت، شكلت “الميتابوليتيكس” اليمينية، مجموعة من ردود الفعل، وتسللت أفكارها السياسية إلى الثقافة. وظهرت، على سبيل المثال، شعارات العنصرية، وتفوق العرق الأبيض على تصاميم الملابس العصرية التي ارتداها الشباب للظهور بمظهر المتمرد القوي على وسائل التواصل الاجتماعي.

وبعد نجاحها في تفعيل “الميتابوليتيكس” خلال الفترة الماضية أصبحت المجموعات اليمينية المتطرفة في العقد الأخير قادرة على تبني أشكال أكثر تقليدية من السياسة، فأطلقت الأحزاب السياسية، وطرحت ما يشبه السرد الكبير؛ بهدف توحيد مختلف الحركات اليمينية، وقد تمثل هذا السرد بنظرية مؤامرة حول وجود “بديل كبير” للحضارة الأوروبية البيضاء تعمل من خلاله قوى عالمية ووطنية للاستبدال بالسكان البيض المسيحيين في أوروبا، آخرين ملونين وغير مسيحيين.

وتشكل هذه الفكرة واحدة من أهم أسلحة اليمين المتطرف الفكرية، فهي تجمع بين الأفكار المعادية للمسلمين في “عورابيا” والقومية البيضاء على الطريقة الأمريكية، والروايات المعادية للسامية حول سيطرة اليهود على العالم. وتكتسب نظرية المؤامرة قوتها من مرونتها الفائقة، إذ يمكن للمتطرف اليميني أن يتبنى إطار العمل ضد أي تهديد مفترض، سواء أكان قادماً من يهود أم مسلمين أم مهاجرين أم حتى من البيض التقدميين.

اقرأ أيضاً: موسوعة الجماعات والتنظيمات والحركات والفرق “الإسلامية”

وجاء في المقال، الذي نشره موقع “فورين أفيرز”، أن الدعاية المعادية للمسلمين ونظرية المؤامرة اندمجتا في نهاية المطاف مع رواية الاستبدال العظيم، وشكلت جميعها نهجاً تلقَّى دعماً غير مقصود من سياسات مكافحة الإرهاب التي جعلت من الصعب التمييز بين الإرهاب الإسلاموي والإسلام. ففي أعقاب هجمات سبتمبر، استهدفت حملات مكافحة الإرهاب -مثل برنامج “بريفنت” (Prevent) في المملكة المتحدة أو برنامج شرطة مدينة نيويورك لمراقبة المسلمين- المجتمعات المسلمة بشكل عام.

وبعد عشر سنوات من هجمات سبتمبر، كان مكتب التحقيقات الفيدرالي يستخدم مواد تدريبية معادية للمسلمين، ويصفهم بأنهم متعاطفون مع الإرهاب، ويقول إن تبرعاتهم كانت تذهب لتمويل المقاتلين؛ مثل هذه الممارسات جعلت الإسلام نفسه يبدو وكأنه تهديد وجودي بالنسبة إلى نشطاء اليمين المتطرف، ومهدت الطريق أمام سياساتٍ تمييزية أكثر صراحة؛ مثل طروحات ترامب أثناء حملته الانتخابية حول بناء قاعدة بيانات للمسلمين، ووعوده بأن يمنع دخولهم إلى الولايات المتحدة.

شرطة نيويورك تواجه دعاوى قضائية بسبب تجسسها على مسلمين- “الغارديان”

وفي الوقت نفسه، أدت الحرب العالمية على الإرهاب إلى أعمالٍ عسكرية في عددٍ من دول الشرق الأوسط، أدت إلى موجات هجرة غير مسبوقة إلى أوروبا، وكذلك أدى الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق إلى هجرة الملايين من اللاجئين المسلمين إلى أوروبا، نتج عنها رد فعل عنيف ومسيرات مناهضة للهجرة، ومئات الهجمات على اللاجئين وطالبي اللجوء. وأصبح اليمينيون المتطرفون نسخة عن الجهاديين الذين كانوا يحتقرونهم.

كما أدت العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط إلى إثارة المشاعر المعادية للمسلمين بين الجنود العاملين، وفي مجتمعات قدامى المحاربين. وساعدت المنتجات المعروضة للبيع عبر الإنترنت والموجهة للمقاتلين السابقين، على نقل المشاعر المعادية من خطوط القتال إلى المجتمع المدني، فظهرت ملصقات السيارات والقمصان المطبوعة التي تحمل عبارات معادية للمسلمين؛ مثل قميص يحمل عبارة باللغة العربية تقول: “ابقَ بعيداً لمسافة 100 متر، وإلا سأطلق عليك النار”.

وفي الجزء الأخير من مقالها، تقدم ميلر بعض الأخبار السارة، فقد استحوذ التطرف اليميني أخيراً على اهتمام المسؤولين عن مكافحة الإرهاب. وبدأ الاندفاع نحو إعادة توزيع الموارد وتجميع الخبرات. وانتشرت من مجلس الأمن الدولي إلى البرلمانات الوطنية إلى الوكالات الأمنية، والجيوش، عشرات اللجان، وفرق العمل الخاصة، وجلسات الاستماع والتحقيقات؛ لاستكشاف طرق لمواجهة التهديد الجديد.

اقرأ أيضاً: ماذا بعد اعتقال زعيم تنظيم القاعدة في اليمن؟

وفي الولايات المتحدة جاء في تقييم التهديد السنوي لوزارة الأمن الداخلي أن التطرف العنيف المحلي هو التهديد الأكثر خطورة الذي يواجه البلاد. وبعد بضعة أشهر، جاء هجوم المتطرفين البيض في 6 يناير على مبنى الكابيتول، ليؤكد صحة هذا التقرير. وفي يونيو الماضي، أصدرت إدارة بايدن أول استراتيجية وطنية في البلاد لمكافحة الإرهاب المحلي.

وعلى الرغم من هذه النفحة المتفائلة؛ فإن ميلر تخشى من أن محاربة اليمين المتطرف تستدعي من القادة التخلي عن المنطق الذي قامت عليه الحرب على الإرهاب الجهادي. وهذا الأمر يتطلب سياساتٍ جديدة، وتقف أمامه تحديات كبيرة؛ فالآليات التقليدية المستخدمة في مكافحة الإرهاب الجهادي غير مناسبة لطبيعة التطرف اليميني الذي يعتمد بشكلٍ كبير على العمليات الفردية الموجهة ذاتياً، وعلى التجنيد عبر الإنترنت، بالاعتماد على المعلومات المضللة والدعاية الكاذبة.

وتنوه ميلر بأن الدوافع الأيديولوجية للجماعات اليمينية المتطرفة مشوشة أكثر من تلك الخاصة بالجماعات الجهادية التي اعتاد عليها معظم خبراء الإرهاب. ويشمل طيفُ المجموعات اليمينية النازيين الجدد، ومناهضي اللقاحات، ومجموعات كيو أنون، والآلاف من المتطرفين غير المصنفين من متابعي الدعاية اليمينية المتطرفة، والكثير غيرهم. وترى أن مكافحة تهديدات هذه المجموعات تعتمد على بناء قدرة المجتمعات على الصمود في وجه الدعاية المضللة أكثر مما يعتمد على تكتيكات المراقبة التي تستخدم في مواجهة الإرهاب الجهادي.

دعاة تفوق العرق الأبيض يقفون وراء معظم عمليات الإرهاب المحلي في عام 2020- “الغارديان”

لا شك أن سياسة الخوف التي مارسها العديد من القادة الغربيين في أعقاب هجمات سبتمبر قد أسهمت في تطرف اليمين؛ لذلك فإن مواجهة هذا التطرف تعني أيضاً التخلي بشكلٍ كامل عن المنطق الحضاري الذي شجع الحرب على الإرهاب الجهادي عمداً أو عن غير قصد. يجب على سلطات مكافحة الإرهاب أن تتخلى عن السياسات والرسائل المبنية على فكرة أن الإسلام يشكل تهديداً للحضارة الغربية، والتي ساعدت على وضع الأسس التي بنى عليها اليمين المتطرف حركاته.

وتضيء ميلر على الدرس الأكثر أهمية الذي يمكن تعلمه من تعبئة اليمين المتطرف على مدى أكثر من عشرين عاماً؛ وهو أن حماية الديمقراطية، ورعاية الأفكار والمؤسسات الليبرالية، لا تكون من خلال القوة فقط، بل من خلال التعليم. والطريقة الأفضل لمواجهة الفكر المتطرف المنتشر في كل مكان ليست القمع وحده؛ بل في جعل المجتمع أكثر مرونة وقوة في مواجهة نداءات اليمين المتطرف. وهذه هي مقاربة “الديمقراطية الدفاعية” التي اتبعتها ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تضمنت استثمارات فيدرالية مستدامة لمحو الأمية الإعلامية؛ لتعزيز دعم المواطنين للديمقراطية متعددة الثقافات وقيمها الأساسية.

وهذا الأمر يتطلب إعطاء المواطنين الأدوات اللازمة للتعرف على الدعاية والمعلومات المضللة المتطرفة ورفضها. والوكالات الفيدرالية لا تستطيع القيام بهذه المهمة وحدها؛ بل تحتاج إلى بناء شراكات مع المبادرات المحلية، حيث يتمتع قادة هذه المبادرات بثقة مجتمعاتهم ومعرفة أفضل لاحتياجات هذه المجتمعات.

اقرأ أيضاً: نحن والآخرون..كيف سمحت الولايات المتحدة لأعدائها باختطاف سياساتها الخارجية؟

وبالطبع لا يزال أمام وكالات الأمن وإنفاذ القانون دور مهم لتلعبه؛ ولكن يجب على السلطات أن توسع مجموعة الخبراء الذين يقدمون لها المشورة حول الإرهاب؛ فقد عانت هذه الوكالات المتخمة بالخبراء المدربين على معالجة المصادر الإسلاموية للإرهاب، صعوبات كبيرة في تعقب التهديد اليميني المتطرف، والاستجابة له.

يجب على الحكومات أن تشكل فرق عمل من الخبراء، في مختلف الوكالات، في مجالات العمل الاجتماعي، وعلم النفس، والتعليم، والخبراء في موضوعاتٍ مثل الطوائف والعصابات، والعنف القائم على الجنس والعنصرية والصدمات. ويجب عليهم أيضاً إقامة علاقات أوثق مع الأكاديميين، ومراكز الأبحاث؛ حيث يوجد الباحثون الشباب الذين يستشعرون نبض التهديدات الناشئة في وقتٍ مبكر.

وتنهي سينثيا ميلر مقالها بقولها إنه لا توجد كرة بلورية يمكن من خلالها التكهن بما سيكون عليه مستقبل الإرهاب؛ ولكن إذا كان هنالك من أمر مؤكد فهو أن تطرف الغد سيكون مختلفاً عن تطرف اليوم. ومن المرجح أن تشهد الولايات المتحدة المزيد من أعمال العنف من قِبل دعاة حماية البيئة المتطرفين، ومن تحالف المجموعات المناهضة للقاحات والمناهضة للحكومة، ومن أتباع نظرية المؤامرة، ومن الجماعات التي تسعى لانهيار الأنظمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لمصلحة مجموعة من الأهداف الأيديولوجية التي يصعب حصرها.

ومع تطور الخطر، فإن أسوأ ما يمكن أن تفعله الدولة هو التركيز مرة أخرى بشكل شديد وحصري على التهديد الذي نواجهه اليوم.

♦مديرة مركز بحوث الاستقطاب والتطرف في الجامعة الأمريكية، ومؤلفة كتاب «الكراهية في الوطن.. اليمين المتطرف العالمي الجديد».

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة