الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

من يوقف نزيف الانتحار في تونس؟

تونس تسجل خلال العام الحالي قرابة 101 عملية انتحار ومحاولة انتحار مقارنة بالعام 2020 الذي سجل 176 حالة

تونس- فاطمة بدري 

قضى رجل في الـ35 من العمر متأثراً بحروقٍ خطيرة، أصيب بها منذ أيام، بعد أن أضرم النار في جسده في الشارع الرئيسي الحبيب بورقيبة وسط العاصمة؛ احتجاجاً على أوضاعه المعيشية. مشهد أحدث حالة من الذهول والصدمة لدى المارة الذين حاول بعضهم نجدته قبل أن تتدخل الحماية المدنية، وكشف أن حالة الإحباط لدى شريحة واسعة من التونسيين بلغت حدودها القصوى في ظلِّ أزمة اقتصادية واجتماعية تراوح مكانها، يتحمل وزرها وثقلها الكبير الطبقات الفقيرة والعاطلين عن العمل الذين ضاقت بهم السبل.

وتناقل شهود عيان صورَ الضحية على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد التهمت النيران جزءاً كبيراً من جسده، بينما أحاطت به قوات الأمن في محاولة لنجدته. ثم نُقل إلى المستشفى بحروقٍ من الدرجة الثالثة، أدت لوفاته سريعاً فيما لم تتضح على الفور أسباب إقدامه على حرق نفسه، لكن جملة من الشهادات أكدت أن الظروف المعيشية الصعبة هي التي حملته للقيام بهذه الخطوة.

 اقرأ أيضًا: إلى أين وصلت تونس بعد 8 سنوات من حادثة البوعزيزي؟

نسبة مرتفعة

وبعد ثورة الـ14 من يناير 2011 ارتفعت نسبة حالات الانتحار حرقا في تونس تحت “تأثير البوعزيزي” كما أسماها خبراء في علم النفس والاجتماع، حيث أصبح محمد البوعزيزي مفجر الثورة ملهما لليائسين الذين سار الكثير منهم على خطاه معتقدين أن وقع الصدمة سيكون مدويا كما حدث مع البوعزيزي وأنه سيحرك بلدا بأكمله. وظل الكثير من المنتحرين ‏لسنوات يحاكون البوعزيزي على أمل أن يحظوا بذات الاهتمام الذي لقيه الرجل بعد عملية انتحاره البشعة داخليا وخارجيا.

الانتحار على طريقة البوعزيزي بحثاً عن الاهتمام حتى بعد الموت- (صورة وكالات)

وكان بائع الخضر محمد البوعزيزي قد انتحر حرقا وفي 17 ديسمبر 2010، نتيجة شعوره باليأس والإحباط في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها محافظة سيدي بوزيد بالوسط الغربي للبلاد. وتسببت هذه الحادثة في اندلاع احتجاجات شعبية في كامل تراب البلاد وانتهت بتغيير النظام السياسي وفرار الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي إلى السعودية تحت ضغط المحتجين.

وعندما احتج المتظاهرون ضد بن علي كان يحدوهم الأمل بأن المرحلة القادمة ستحمل إليهم انفراجة اجتماعية واقتصادية، ويتحقق لهم الحرية والكرامة الاجتماعية، وستمنحهم فرص العمل التي انتظروها، لكن خيبت سنوات ما بعد الثورة آمالهم حيث تفاقمت البطالة، وزاد الفقر، وبلغت تونس أزمة اقتصادية، لم تسجلها منذ الاستقلال.

 اقرأ أيضًا:  مركز أبحاث أمريكي: هكذا ستنقذ السعودية الاقتصاد التونسي

أحبط الشباب التونسي الذي عاند بوليس بن علي ليقول نعم للتغيير ولحياة أفضل، وترجم إحباطه بأشكالٍ مختلفة تراوحت بين الهجرة غير الشرعية التي تنتهي بهم في كثيرٍ من الأحيان في قعر البحر، وقد سجلت تونس خاصة في السنوات الأخيرة أعداداً قياسية في صفوف الشباب الذين اختاروا هذا الطريق، والاحتجاج في وجه الحكام الجدد عسى أن يجد صوتهم صدى، وهو ما يفسر استمرار الاحتجاجات التي تشهدها تونس، خاصة فترة الشتاء، وتحديداً شهري ديسمبر ويناير اللذين شهدا تفاصيل الثورة التونسية، وثالثاً الانتحار بطرقٍ مختلفة بما في ذلك الانتحار حرقاً الذي تكرر بشكلٍ لافت بعد 2011 في شوارع مختلفة من البلاد.

عوامل اقتصادية

ورغم تعدد القراءات للمأساة التي جدَّت في تونس السبت الـ11 من سبتمبر الجاري، فإن أغلب الدراسات والمختصين في علم الاجتماع يؤكدون أن محاولات الانتحار حرقاً ‏مرتبطة بتضافر العوامل الاقتصادية والاجتماعية مع الهشاشة النفسية لدى فئة ‏مهمة من التونسيين معظمهم تحت سن 45، ضاقت بهم السبل ولم يعد بإمكانهم مواجهة ضغوط الحياة اليومية.

الاحتجاج أيضاً تعبير عن الغضب واليأس- (صورة وكالات)

وتفاقمت ظاهرة الانتحار في تونس منذ سنة 2011 رغم أنها لم تكن سابقاً ضمن طرق الاحتجاج في البلاد، حتى أن أغلب العمليات التي جدَّت قبل هذا التاريخ كانت تصدر عن أشخاصٍ يعانون من اضطرابات نفسية وعقلية أكثر من كونها عملية احتجاجية على وضع اجتماعي، ولهذا عندما أقدم البوعزيزي على حرق نفسه احتجاجاً على وضعه المعيشي اهتزت البلاد للحادثة، وكان أثرها مدوياً. ولكن أمام تتالي عمليات الانتحار بعد 2011 أصبح التعاطي معها لا يتجاوز حدود الصدمة لبشاعة المشهد ثم تنسى.

 اقرأ أيضًا: تعافي السياحة في تونس، فما هي الأسباب؟

وبيَّنتِ الأرقام الصادرة عن تقرير المرصد الاجتماعي التابع للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (منظمة غير حكومية)، أن تونس سجلت خلال العام الحالي قرابة 101 عملية انتحار ومحاولة انتحار، مقارنة بالعام 2020 الذي سجل 176 حالة، بفارق 76 حالة عن العام الحالي، حيث كانت ولاية القيروان الأكثر ارتفاعاً.

وحسب ذات المصدر، فإن نسبة الانتحار في صفوف الذكور كانت أكثر ارتفاعاً منها عند النساء في تونس، خاصة في الفئة العمرية بين (20-35 عاماً)، في الفترة الواقعة ما بين بداية العام حتى 31 أغسطس. وكشف التقرير الصادر عن المرصد أن شهر أغسطس سجل 12 عملية انتحار ومحاولة انتحار في تونس، 6 منها في ولاية تونس الكبرى.

رمضان بن عمر

ويرى الناطق الرسمي باسم المنتدى؛ رمضان بن عمر، أن تنامي ظاهرة الانتحار في صفوف الشباب مرده ثقل الأعباء الاجتماعية والأسرية الملقاة على عاتقهم، موضحاً أن هذه الفئة أصبحت تواجه صعوبات أكبر بعد جائحة كورونا أدت لمضاعفة ضغوطهم النفسية التي يعجز البعض عن تحملها فيتجه للانتحار، على حد تعبيره.

وقال بن عمر لـ”كيوبوست” إن “الفئات المهددة بالانتحار الناجم عن الأزمات النفسية هي الأكثر مواجهة للتحديات الاجتماعية، والمثقلة بالالتزامات العائلية التي زادت بسبب فقدان كثيرين الشغل بسبب جائحة كورونا، وأنا أستطيع الجزم أن الأعداد أكبر من التي يتسنى لنا الحصول عليها؛ لأنه رغم كل الجهود التي نبذلها هناك الكثير من حوادث الانتحار التي تجري بسبب ضغط الظروف المعيشية، ولا يكون في مقدورنا إحصاؤها”.

تفاقم الفقر في فترة حكم “النهضة” لمستويات قياسية- (صورة وكالات)

أضاف بن عمر “إن تجاهل الدولة وعجزها عن تحقيق المطالب الاجتماعية العادلة المتعلقة خاصة بالتشغيل والتنمية تدفع خاصة شريحة الشباب للاحتجاج والانتحار. لقد تضرر التونسيون من ضعف النمو الاقتصادي، وطول أمد أزمات البلاد باختلافها وزاد معدل اليأس بشكلٍ ملحوظ لدى شرائح واسعة من المجتمع، وهذا يؤدي بالكثيرين للانتحار. على الدولة أن تسرع في وضع برامج تنموية تعيد إلى التونسيين، وخاصة الشباب الذي طالت بطالته وفقره، الثقة في الدولة، وفي غدهم ومستقبلهم”.

اقرأ أيضاً: التونسيون لا يأسفون على رحيل “النهضة” من الحكم

وفي 2018 احتلت تونس المركز الثاني في منطقة المغرب العربي والمركز 134 على المستوى الدولي بـ 5.5 حالات انتحار بين كل 100 ألف نسمة، بحسب تقرير أعدته منظمة الصحة العالمية.

وتعد حادثة الانتحار الأخيرة رسالة مباشرة إلى الرئيس قيس سعيّد كي يسرع في طرح برنامج قادر على ترميم مخلفات العشر سنوات الماضية، وإلا فإن الأطراف السياسية التي تتربص به، على غرار حركة النهضة وأخواتها، ستتجه لتوظيف مثل هذه الحوادث وترويجها على أنها تحدث بسبب اليأس والإحباط من غموضه الذي طال دون أن يعلن برامجه وأهدافه الكبرى.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة