شؤون عربية

من يقف خلف قتل النساء المؤثرات في العراق؟

تارة فارس أزالت الغيمة عن الجريمة المرتكبة بحق المرأة العراقية

كيو بوست – 

أعطت جرائم القتل الأخيرة التي استهدفت نساء بارزات في العراق صورة سوداوية لحال البلد الذي يصارع للاستقرار والأمن، بعد عقد ونيف من الصراعات والتقلبات التي أخذت نصيبًا من دماء العراقيين. 

الفاجعة التي تخيم على المجتمع هناك بمقتل عارضة الأزياء، وصيفة ملكة جمال البلاد، تارة فارس، سلطت الأضواء بشدة على واقع المرأة العراقية؛ إذ لم تكن فارس الوحيدة، إنما وقعت سلسلة جرائم قتل طالت عراقيات قبلها وفي فترة قصيرة. 

التساؤلات كبيرة حول حاجة البلاد إلى سنوات طويلة لتخطي مرحلة ما بعد الحروب، وصولًا إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني. 

اقرأ أيضًا: تونس عاصمة المرأة العربية: هل تتحول التونسيات إلى تجربة ملهمة؟

 

المرأة تحت الاستهداف

كانت تارة فارس الشرارة التي فجرت الغيمة المحيطة باستهداف ممنهج لنساء عراقيات خلال فترة قصيرة لا تتعدى أسابيع. 

في شهر آب/أغسطس الفائت، انشغل الشارع العراقي بفاجعة وفاة اثنتين من خبيرات التجميل هما رفيف الياسري ورانيا الحسن في «ظروف غامضة». تلاها اغتيال ثلاث نساء هن الدكتورة سعاد العلي، عضو منظمة الود لحقوق الإنسان -وكانت ناشطة بشكل خاص أثناء انتفاضة البصرة، على مدى شهور- وسحر الإبراهيمي مديرة مركز مساج، وأخيرًا عارضة الأزياء تارة فارس التي تحظى بشعبية ومتابعة واسعتين على شبكات التواصل الاجتماعي. 

وقبل ذلك شهدت البلاد عمليات قتل متفرقة لنساء في جرائم ظل أغلبها مجهول التفاصيل.

 

لماذا النساء؟

تقول الكاتبة العراقية هيفاء زنكنة إن “ما يجمع النساء المستهدفات هو العمل في المجال العام، على اختلاف طبيعته، تم تسليط الضوء على اغتيالهن أكثر من عمليات الاغتيال الأخرى، سواء كانت سياسية أو بفعل الانتقام الشخصي، سواء من قبل أفراد أو ميليشيات أو جهات حكومية. ومع انتشار التفاصيل، بدون إلقاء القبض على الجناة أو تقديم توضيح من الجهات المسؤولة، امتد تأثير اغتيالهن ليرسخ حالة الخوف بين النساء، خصوصًا بين الناشطات من جهة، والنساء العاملات في مجال التجميل من جهة أخرى”. 

وتلفت الكاتبة إلى أن الإحصائيات والتقارير الحقوقية المحلية والدولية تثبت أن المرأة استهدفت، لمنعها من ممارسة أي نشاط عام أو غير عام، بشكل مستمر، ومستويات مختلفة، وبأشكال متعددة من الصعب حصرها، تراوح ما بين الاختطاف والقصف والتهجير والإعدام.

 

تداخل العوامل

عوامل كثيرة استخلصها الشارع العراقي من وراء الحالة المخيفة المحيطة بالنساء، لعل أبرزها الصراعات السياسية والطائفية، والتشدد الديني، سيما أن العراق كان البلد الأول لظهور تنظيم داعش الإرهابي.

بينما يرى كتاب عراقيون آخرون أن الاحتلال الأمريكي وإفرازاته آلت بالبلاد إلى هذا التردي.

عضو اللجنة الأمنية في مجلس بغداد، سعد المطلبي، قال في سياق حديث صحفي، إن “هناك صراعًا بين التحضر والتخلف، إضافة إلى الصراع السياسي الواضح”.

ووصف المطلبي الحالة، بـ”صراع بين التمدّن والتخلف. هناك جهات تسعى إلى جعل الطابع العام في بغداد دينيًا. يريدون جعل بغداد قندهار”.

ولفت المطلبي إلى وجود احتمال غير مستبعد بوقوف جهة دينية متشددة وراء عمليات الاغتيال: “هذه الجهات تنظر إلى السافرات بأنها بدعة جديدة، وتسعى لفرض الحجاب، مع انتشار النساء غير المحجبات في العراق، وفي بغداد على وجه الخصوص”.

اقرأ أيضًا: 8 مكتسبات للمرأة السعودية منذ بدء مسيرة الإصلاح

في حين ترى الكاتبة العراقية زنكنة أنه “إذا كان المحتل مسؤولًا، بشكل مباشر، عن ارتكاب جرائم قتل واغتصاب شملت النساء والرجال معًا، بحكم طبيعة المحتل المبنية بجوهرها على تركيع أهل البلد المحتل، تحت مسمى ديمقراطية وحقوق إنسان انتقائية، فإن ساسة حكومات الاحتلال العراقية المتعاقبة أضافت إلى ذلك النكهة المحلية، المتمثلة بما يسمونه، تباهيًا، «تقاليدنا وعاداتنا وموروثنا الديني». وكلها، كما أثبتت سنوات حكمهم، تقاليد وعادات وتشريعات دينية، منتقاة بشكل دقيق، لتلائم الساسة الذين نجحوا في مأسسة وتكريس قيم مجتمعية جديدة، مبنية على الفساد العام الشامل، لكل النواحي الأخلاقية والمالية والإدارية”.

 

المشكلة عميقة

من المستبعد أن تكون الجرائم المتعلقة بالمرأة في العراق مرتبطة بأي بعد جنائي، إنما الأرجح أن القتل تم من خلفيات متشددة، على الأغلب دينية. وهذا ناجم عن حالة من الخلل الاجتماعي الذي تغذيه الأفكار المتطرفة والأصوات من هنا وهناك.

مثلًا، نسبت بعض الأصوات العراقية تهمة الدعارة إلى الضحايا (بما فيهن تارة فارس) لمجرد أنها كانت تظهر بملابس عصرية. وكثيرًا ما تلقت الأخيرة تهديدات وشتائم على صفحاتها في فيسبوك وإنستغرام بسبب صورها، إلى أن قرر مجهولون مصادرة حريتها وحياتها لأنها لا تناسب أفكارهم فحسب. هكذا أصبحت الحالة.

كان من بين تلك الأصوات، مقدم البرامج، في شبكة الإعلام العراقي، حيدر زويد، الذي أرسل تغريدة بعد اغتيال تارة فارس، واصفًا إياها بأنها عاهرة. ما دفع بملكة جمال العراق العام الفائت شيماء قاسم للخروج باكية في بث مباشر على فيسبوك قائلة إن تهديدات وصلتها مفادها “أن دورك آت”، مضيفة: “نحن لسنا عاهرات… كل هذا يحدث لنا لأننا نحظى بشهرة”.

تكتب زنكنة: “هذه ليست المرة الأولى التي تقتل فيها امرأة أو يحط من قيمتها كإنسانة من خلال اتهامها وتلويث سمعتها بهذه التهمة؛ فقد شهدت مدينة البصرة، مثلًا، منذ 2003 – 2008، حملة قتل جعلت النساء حبيسات البيوت رعبًا. بلغ عدد ضحايا القتل، بأبشع صوره، ما يزيد على الثلاثمائة امرأة، عثر على جثث أغلبهن في الشوارع بعد تعذيبهن. أيامها، عاشت نساء البصرة تحت سيف ميليشيات مسلحة أرادت إخضاعهن للمفهوم الميليشياوي للإسلام، وإجبارهن على ارتداء الحجاب والامتناع عن وضع الماكياج أو الانتقام الشخصي أو العشائري، وتم ذلك كله في ظل صمت حكومي مدوٍ. من بين الميليشيات التي ساهمت في الحملة جيش المهدي وحركة ثأر الله، بالإضافة إلى فيلق القدس من الحرس الثوري الإيراني. وكانت لمقولة مقتدى الصدر، قائد التيار الصدري، وجيش المهدي، التي تم بثها تلفزيونيًا حول ارتداء الحجاب بأن كل شعرة ظاهرة من شعر المرأة ستكون نارًا تلسع الحسين، إذن شرعي بجواز تهديد والاعتداء على كل من لا ترتدي الحجاب”. 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة