الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

من نيكسون إلى ترامب.. كيف كانت السياسة الخارجية طوق نجاة من العزل؟ (1-2)

كيوبوست – ترجمات

على الرغم من أن الأمريكيين يميلون إلى النظر إلى العزل باعتباره شأنًا داخليًّا؛ فإن الجهود الرامية إلى عزل الرئيس الحالي يتردد صداها خارج حدود الولايات المتحدة. وقد تعامل كل رئيس أمريكي يواجه العزل مع ذلك الصدى بشكل مختلف؛ حيث فوَّض نيكسون المسؤولية عن السياسة الخارجية في أثناء فضيحة ووترغيت لوزيره المخضرم، في حين استمر بيل كلينتون في انغماسه في صناعة السياسة الخارجية طوال فترة فضيحة عزله. ولكن في كل معركة عزل؛ بما في ذلك المعركة الحالية مع ترامب، شكَّل كفاح القائد الأعلى من أجل البقاء السياسي سلوك السياسة الخارجية الأمريكية وكيفية استقبالها حول العالم.

اقرأ أيضًا: ترامب يحتفل بنهاية إجراءات عزله بلا نتائج

وقد تبدو الرئاسة الأمريكية الجريحة بمثابة فرصة لخصوم الولايات المتحدة، ويمكن للمرء أن يدرك على الفور لماذا كان كيسنجر يخشى تحدي موسكو في أثناء ضعف موقفه. ولكنْ هناك دروس كثيرة يمكن تأملها في ما يمكن تسميته بـ”عهد كيسنجر”، فعندما مارس وزير الخارجية سيطرة واسعة على السياسة الخارجية للولايات المتحدة، تظهر لماذا كانت مخاوفه بشأن موسكو في غير محلها، ولماذا كان أكبر تهديد للزعامة العالمية للولايات المتحدة في أوقات الأزمات الداخلية لا يأتي بالضرورة من منافسيها من القوى العظمى، الذين لهم مصلحة في التمسك بالوضع الراهن؛ بل من القوى الرجعية العازمة على قلب النظام الدولي.

اقرأ أيضًا: الولايات المتحدة.. دروس أمس من الحرب الباردة مع روسيا ذخيرة لمعركة اليوم مع الصين

ولعل ما تغيَّر في السنوات التي تَلَت ذلك هو انتهاء الحرب الباردة، وبروز قوى تسعى إلى إعادة النظر في الحدود وفي جوانب أخرى من النظام الدولي. واليوم، أصبحت السلطة موزعة بشكل أكبر على الساحة العالمية، وأصبح المنافسون المحتملون للنظام الدولي والمصالح القومية للولايات المتحدة أكثر عددًا. على سبيل المثال، اختبرت إيران وكوريا الشمالية الرئيس دونالد ترامب بالفعل في لحظة تعرُّضه إلى أكبر قدر من الضعف السياسي، ومن المرجح أن الصين قد ضغطت للحصول على امتيازات في صفقتها التجارية الأخيرة مع الولايات المتحدة، والتي ظلت تفاصيلها سرية.

مظاهرات خارج البيت الأبيض بعد فضيحة ووترغيت- واشنطن 1974

من جانبه، سعى ترامب بحماس إلى تحقيق مكاسب على صعيد السياسة الخارجية خلال أزمة عزله تمامًا كما فعل نيكسون وكلينتون من قبل، باستثناء أن إدارته منذ البداية لم تقبل قط مبدأ بناء الجدار بين السياسة الخارجية والداخلية. والمدهش أن الدليل على أن ترامب قام بتحويل سياسة الولايات المتحدة تجاه أوكرانيا لخدمة مصالحه الخاصة، يشكل في نهاية الأمر أساس محاكمة عزله. وبدلًا من مقاومة الإغراء بممارسة السياسة ضد المصلحة الوطنية، قام ترامب بهدم السياسة الخارجية والسياسة الداخلية وحولهما إلى مشروع واحد يخدم مصالحه الخاصة. ونتيجة لذلك، فإن انحراف السياسة الخارجية الأمريكية الذي كان يخشاه كثيرون خلال أزمتَي العزل الأخيرتَين كان هو القاعدة طوال فترة هذه الرئاسة.

عهد كيسنجر

في أثناء عزل نيكسون، تولَّى كيسنجر قدرًا استثنائيًّا من المسؤولية عن السياسة الخارجية الأمريكية؛ خصوصًا حين كانت تتماشي رؤيته المشتركة مع نيكسون ورؤية بقية أعضاء فريق الأمن القومي التابع للرئيس. وبسبب تشتت انتباهه على نحو متزايد في الكفاح من أجل إنقاذ رئاسته، عهد نيكسون إلى وزير خارجيته بالإدارة اليومية للشؤون الخارجية بشكل شبه كامل. ومع ذلك، وعلى غرار الرئيسَين اللذين سيواجهان تحقيقات عزل من بعده، قام باقتحام السياسة الخارجية بشكل دوري حيثما كان ذلك مناسبًا لاحتياجاته السياسية الداخلية.

القفازات المطاطية التي ارتداها جواسيس ووترغيت- 1973

وخلال فترة ولاية نيكسون الأولى، من يناير 1969 إلى يناير 1973، كانت السياسة الخارجية للولايات المتحدة نتاج شراكة محفوفة بالمخاطر؛ ولكن مثمرة بين الرئيس ومستشاره للأمن القومي، آنذاك. فقد حدد نيكسون المسار العام، وابتكر كيسنجر التكتيكات لتنفيذه. فالانفتاح الدبلوماسي على الصين، على سبيل المثال، كان فكرة الرئيس. لكن كيسنجر هو مَن قام بالاتصالات السرية التي جعلت زيارة نيكسون التاريخية عام 1972 ممكنة. كما عكست طريقة تعامل الإدارة الأمريكية مع حرب فيتنام هذه الشراكة، وإن لم يكن من الممكن حمايتها من التأثيرات الداخلية الأخرى؛ مثل وزير الدفاع ملفين ليرد، والكونغرس، والرأي العام الأمريكي.    

اقرأ أيضًا: ما تأثير تحقيقات روبرت مولر على المجتمع الأمريكي؟

وفي سبتمبر 1973، أضفى نيكسون الطابع الرسمي على الدور غير المسبوق الذي لعبه كيسنجر في السياسة الخارجية للولايات المتحدة من خلال تعيينه وزيرًا للخارجية، بالإضافة إلى منصبه كمستشار للأمن القومي. وفي ضربة واحدة، أصبح كيسنجر ربان المراكز التقليدية لصنع السياسة الخارجية وتنفيذها في البلاد، إنها قمرة القيادة للدبلوماسية السرية القوية “نيكسونيجر”. وكان شعار كيسنجر طوال هذه الفترة “مهمتنا هي إثبات أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة تستمر بقوة وكفاءة”، حتى في أثناء الأزمة السياسية الداخلية. ولأن الرئيس شاركه في هذا الهدف، فإن السياسة الخارجية للولايات المتحدة استمرت إلى حد كبير كما كانت من قبل تحت قيادة وزير الخارجية.

وما كان لكيسنجر أن يبلغ هذا المستوى من السلطة لولا فضيحة ووترغيت والأزمة الطاحنة التي خلقتها بالنسبة إلى رئيسه. وأشار كيسنجر بعد عقد من الزمان إلى أن “واحدًا من أقسى الأمور المعذبة لنيكسون في ما يتعلق بقضية ووترغيت، كان ظهوري كشخصية بارزة في السياسة الخارجية”.

وزير الخزانة ويليام سيمون ونانسي كيسنجر وزوجها يستمعون إلى خطاب الوداع من نيكسون- واشنطن 1974

ولكن شبح العزل هدَّد سلطة نيكسون وكيسنجر بالتبعية. ولإبقاء السيطرة على الموقف، كان وزير الخارجية في حاجة إلى الحفاظ على الانطباع، في الداخل والخارج، بأن الرئيس لا يزال ملتزمًا بـ”بنية السلام”، أو التهدئة في مختلف أنحاء العالم، كما كانت سياسة نيكسون المميزة القائمة على تخفيف التوترات بين القوى العظمى معروفة. وكانت زيارات الرئيس إلى بكين وموسكو عام 1972 قد أنهت الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة على مدى 22 عامًا لعزل جمهورية الصين الشعبية، وأدَّت إلى أول معاهدة للحد من الأسلحة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، فضلًا عن تدابير أخرى لبناء الثقة.

التهدئة في الشرق الأوسط

كانت هناك بلدان أخرى تحبِّذ التهدئة أيضًا؛ خصوصًا في الشرق الأوسط، حيث كان تمديد “بنية السلام” الخاصة بنيكسون سببًا في تخفيف التوترات الإقليمية. وأعربت الدول العربية عن أملها في أن تساعدها الإدارة الأمريكية الأكثر انفتاحًا في الحصول على تنازلات من إسرائيل، في حين كانت تأمل إسرائيل في أن تلتزم الولايات المتحدة التزامًا أقوى بالسلام على الحدود الإسرائيلية، وأن تضعف النفوذ السوفييتي في المنطقة.

شاهد: فيديوغراف.. قوى العالم الجديد تعيد صياغة قوانين اللعبة السياسية

وإذا كان لرئاسة نيكسون الجريحة أي تأثير في المنطقة، فقد تمثل في جعل الرئيس المصري أنور السادات، حريصًا على الضغط على زملائه من القادة العرب؛ وأبرزهم الرئيس السوري حافظ الأسد، للاستفادة من وساطة الولايات المتحدة مع إسرائيل قبل أن ينسحب نيكسون، وربما كيسنجر، من الساحة. وأصبح السادات الشريك الأساسي لكيسنجر في استغلال التأثيرات المترتبة على حرب أكتوبر التي بدأها السادات؛ من أجل تهدئة الصراع العربي- الإسرائيلي والنزاع العربي الداخلي.

نيكسون وعائلة الأسد في منزله بسوريا- يونيو 1974

وبموافقة عامة من الرئيس، أجرى كيسنجر المفاوضات الأكثر صعوبةً من قِبَل أي وزير خارجية أمريكي حتى تلك اللحظة، وقطع أيامًا طويلة بعيدًا عن العاصمة واشنطن؛ أولًا للحصول على اتفاقات للفصل بين الجيشَين الإسرائيلي والعربي حول كلٍّ من الجبهتَين المصرية والسورية، ثم السعي إلى وضع إطار للمفاوضات بين القاهرة ودمشق وإسرائيل. وكما ذكر هارولد سوندرز، المسؤول المخضرم في مجال سياسة الشرق الأوسط، فإن “الدبلوماسية المكوكية” لكيسنجر كانت تسير إلى حد كبير خارج ظل دراما العزل.

وفي ما يتعلق بمسألة الشرق الأوسط، وعلى غرار القضايا الأخرى التي تم فيها التنسيق بين البنتاغون ووزارة الخارجية، لم تكن سيطرة كيسنجر محل خلاف نسبيًّا؛ بل كانت نتائجه باهرة. وفي يناير 1974، توصلت إسرائيل ومصر إلى اتفاق فك الاشتباك؛ حيث كانت الولايات المتحدة تعمل كوسيط ومحفز لإتمام الاتفاق.

أعضاء مجلس النواب الأمريكي من الجمهوريين الذي صوتوا للعزل- 1974

وأُعجب السعوديون بجهود كيسنجر؛ لدرجة أنهم أوضحوا للولايات المتحدة أنه إذا أمكن تحقيق إنجاز مماثل بين سوريا وإسرائيل، فإن منظمة “أوبك” سوف ترفع الحظر النفطي الذي فرضته على البلدان التي اعتُبرت مؤيدة لإسرائيل في أثناء حرب أكتوبر. ووافقت الولايات المتحدة على ذلك؛ لكنها أوضحت أنه يتعين رفع الحصار أولًا، وأن لا يصبح رهينة للمحادثات في دمشق. وفي مارس 1974، رفع السعوديون الحظر، وسرعان ما بدأ كيسنجر سلسلة من الاجتماعات، ستصبح في ما بعد 26 اجتماعًا، مع الأسد على مدى 35 يومًا.

شاهد: فيديوغراف: ماذا تعرف عن حرب أكتوبر في ذكراها الـ44؟

ولكن مع تفاقم أزمة العزل، أوضح الرئيس أن هناك حدودًا لمقدار التقدير الذي كان على استعداد للسماح لكيسنجر بالحصول عليه في مقابل نجاحات السياسة الخارجية. وعندما شعر نيكسون أن رئاسته في خطر محدق في ربيع عام 1974، بعد أن أصدر نسخًا منقحة من تسجيلات المكتب البيضاوي السرية بموجب أمر استدعاء من اللجنة القضائية بمجلس النواب، حاول أن يُعيد تأكيد القيادة السطحية لدبلوماسية كيسنجر في الشرق الأوسط.

دعم نيكسون لإسرائيل

وبينما كان نيكسون مستاءً من عدم إحراز تقدم نحو التوصل إلى اتفاق، اتخذ الوضع في المنطقة منعطفًا دراميًّا نحو الأسوأ. وفي وقت مبكر من صباح الخامس عشر من مايو، قتلت مجموعة من الإرهابيين المنتمين إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين المدعومة من سوريا، 5 أشخاص، وأخذت 4 معلمين ونحو 90 طفلًا رهائن في مدرسة في مدينة معالوت بشمال إسرائيل.

وفي خضم هذه الأزمة الجديدة، شعر كيسنجر بقلق بالغ إزاء التأثير المحتمل للإنذار النهائي الذي وجهه الرئيس. وكتب إلى نيكسون من القدس، قائلًا: “في ما يتعلق برسالتكم الأخيرة بشأن قطع المساعدات عن إسرائيل، يجب أن أقول لكم بكل قوة إن مثل هذا المسار سيكون كارثيًّا من حيث المفاوضات المباشرة والتطور طويل الأمد وموقف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط”.

جولدا مائير ونيكسون في البيت الأبيض- واشنطن العاصمة سبتمبر 1970

وبعد بضعة أيام، بعث الرئيس نيكسون برسالة خاصة هادئة إلى كيسنجر، يقول: “أعتقد أننا يجب أن نتابع هذا التطور في رحلة إلى الشرق الأوسط في أقرب وقت ممكن. وبالتالي، سنكون قادرين على تعميق تلك العلاقات الجديدة التي تعتبر ضرورية إذا أردنا النجاح في بناء هيكل دائم للسلام في المنطقة”.

اقرأ أيضًا: 9 محطات في تاريخ الوساطة الأمريكية لعملية السلام

وقد رتَّب السادات زيارة لافتة لنيكسون؛ حيث هلَّل له الملايين في القاهرة، وأشادت الصحافة التي تسيطر عليها الدولة بـ”زيارة السلام”. حيث امتحن نيكسون قدرته على الاحتمال في أثناء الرحلة وجازف بحياته، بينما كان طبيبه يحثّه، خلال رحلته إلى الشرق الأوسط، على أن يريح قدمَيه بقدر الإمكان. فقد تضخمت ساقه اليسرى بسبب التهاب وريدي، وعلى الرغم من أن “الخطر الأكبر قد مرّ بالفعل”، ووَفقًا لمذكرات نيكسون، كان من المعروف أن هذه الحالة ربما تسبب جلطات دموية مميتة.

وعلى الرغم من تحذيرات الطبيب، وقف نيكسون لساعات إلى جانب السادات؛ أولًا في موكب عبر القاهرة ثم في سيارة قطار مفتوحة إلى مدينة الإسكندرية الساحلية، ممسكًا بيده اليمنى وملوحًا بيده اليسرى.

المصدر: مجلة فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة