مجتمعملفات مميزة

من معركة صفين إلى سيد قطب.. السياق النفسي للحاكمية والتكفير

كيف فسرت تيارات الإسلام السياسي تلك المصطلحات؟

خاص كيو بوست –

تسعى حركات الإسلام السياسي إلى تطبيق مبدأ “الحاكمية”، بوصف الإسلام -بعيدًا عن كونه ديانة- نظامًا سياسيًا واجتماعيًا صالحًا للحكم، استنادًا إلى قوله تعالى }وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ{ (الشورى: 10).

يعيد الباحثون في التاريخ الإسلامي نشأة مصطلح الحاكمية إلى معركة “صفين”، بين علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، عندما رفع فريق من جيش معاوية، المصاحف على أسنّة الرماح، في دعوة لتحكيم شرع الله بين الفريقين. بينما رأى عليٌّ أن تلك الدعوى بالاحتكام إلى الشرع هدفها الالتفاف على نتائج الحرب التي كانت تسير في صالح جيشه. وكان من نتائج ذلك، حدوث انشقاقات في جيش علي، مع غياب الاتفاق على شرعية تولي معاوية للحكم، واستمر ما اصطلح على تسميته تاريخيًا بأحداث “الفتنة الكبرى”.

مصطلح آخر غير الحاكمية انبثق من تلك الواقعة التاريخية، ما زال يلقي بظلاله على الحاضر وهو مصطلح “التكفير”، إذ اعتبر المناصرون لفكرة التحكيم، بأن رفض علي بن أبي طالب لحكم الله، هو إثبات لرفضه شرع الله، وبالتالي قاموا بتكفيره. وحين وافق عليّ على التحكيم مرغمًا، رغم أنه كان له رأي مخالف لتلك الفكرة، بحسب ما نقلته لنا كتب التراث: “هذا كتاب الله بين دفتي المصحف صامت، لا ينطق، ولكن يتكلم به الرجال”. وهو ما يعني أن القرآن الكريم في النهاية يخضع لتأويل البشر.

صورة تعبيرية عن معركة صفين

انطلاقًا من واقعة الفتنة الكبرى، وهي أخطر مراحل التاريخ الإسلامي، بسبب تفرعاتها على الواقع الإسلامي المعاصر، بما أنتجته من تشريعات بعد وفاة النبي محمد، صارت مقدّسة في أدبيات حركات الإسلام السياسي، على الرغم من آنيتها وبشريتها، وعلى الرغم من انبثاقها بعد وفاة النبي وانقطاع الوحي السماوي عن الدنيوي.

فقد جاء مصطلحا “الحاكمية” و”التكفير” في سياق ما اصطلح على تسميته حديثًا بالحرب الأهلية، والصراع على الحكم. اجتهد في نحتهما جنود في غمار الحرب، بكل ما تحمله الحرب من غريزة للظفر الدنيوي، وقسوة المشاعر الإنسانية واضطرابها، والأحكام القاطعة في لحظة الخطر، بعيدًا عن التفكير المتروي وإعمال العقل، فما المانع أن يقول هذا الشخص رأيه، ويقول ذلك الشخص رأيه؟

تحوّل الاجتهاد البشري إلى مقدّس

وصف علي بن أبي طالب الذين رفعوا شعار الحاكمية من الطرفين، بالرجال الذين يتكلمون بالقرآن حسب تأويلهم. ومن بينهم من أشهر حكم التكفير ضد من يرفض أحكامهم في تلك الواقعة، على الرغم من فصل علي بين قدسية القرآن، وبشريّة من ينطقون به، وجزمه بعدم عصمتهم من الخطأ، وهم الذين اقتتلوا فيما بينهم، فمن البديهي أن يكون أحد الطرفين على خطأ، وأن يكون اجتهادهم مبني على أهواء شخصية، وعلى أرضية معركة.. تُزكم فيها الصدورَ رائحةُ الدماءِ!

وقد نالت تلك الاجتهادات في زماننا، ما نالته شخوص الناطقين بها من عصمة وتقديس، كما وأفرزت “الحاكمية” عشرات الحركات الإسلامية المسلّحة التي تقاتل لفرضها، تحت مسمى تطبيق “الشريعة”، و”تكفير” القانون المدني والمتعاملين به، وخوضهم لمعارك من أجل تطبيقها، بالرغم من أنهم يصفون معركة صفين بالفتنة الكبرى، ويرفضون مناقشة أسبابها ودوافعها والمسببين لها، بناءً على مقولة “الفتنة نائمة ولعن الله من أيقظها”.

ومن جهة أخرى، متناقضة، يستحضرون ما انبثق عن تلك الفتنة من أحكام وتشريعات، برؤية مجتزأة!

ما أنتجته الفتنة يؤسس لفتن جديدة

اجترّت حركات الإسلام السياسي من التراث السياسي والعسكري، ما تعتقد أنه يصلح للعصر الحالي، وباستنادها إلى أحداث الفتنة الكبرى، دعت هذه الحركات إلى فرض الشريعة على المجتمعات الإسلامية. وحولت تلك الحركات مصطلح “الجاهلية”، من فترة تقويمية تؤرّخ لعصر الرسالة عما قبله، مثل التقويم الهجري أو الميلادي، إلى صفة عابرة للزمن وللجغرافيا، فنعتوا بها المجتمعات التي لا تطبق الشريعة، ورفعوا المصاحف مرّة أخرى على فوهات الأسلحة الحديثة، لتحكيم كتاب الله على المجتمعات الإسلامية والمسالمة، تطبيقًا لأفكار المؤسس لأحكام الجهاد الحديثة سيد قطب، ودعوته لاعتزال الناس ووصفه للمجتمع بالجاهلية، ومن ثم قوله: “الحاكمية لله”.

سيد قطب

وردت كل هذه الأحكام من سيد قطب، في فترات عايشها، شبيهة بالظروف النفسية للمرحلة التي رفع فيها الجنود المصاحف على أسنّة الرماح، فالرجل كما قال عنه الشيخ الغزالي، كان يعيش في محنة بسبب ظروف السجن التي عاشها، مما يجعل اجتهاده شخصيًا نتيجة ردة فعل، بعيدًا عن علوم الفقه، فهو بحسب الشيخ الغزالي أيضًا: “كان ضحلًا من الناحية الفقهية.. وكان يقول كلامًا من المستحيل أن يقبله الفقهاء مثل: اجعلوا بيوتكم قبلة لتكون مساجد وصلّوا فيها، وهذا كلام لا يمكن أن يكون مقبولًا، والسبب في ذلك أنه غلبت عليه عاطفة اعتزال المجتمع وضرب الحاكم”.

ورغم الطابع النفسي والشخصي لكتابات سيد قطب حول الحاكمية والتكفير، إلّا أنها هي الأخرى صارت من المسلّمات في عرف حركات الإسلام السياسي، والجهادي منه بصفة عملية، فقد أسسوا على أفكاره تنظيمات خاضت حروب مقدسة ضد المجتمع، واستحلوا دماء الناس وأموالهم، وفي المقابل، لم يتفقوا على مبدأ واحد للحاكمية يوحد تلك الحركات عليها، فأفرزت شجرة “الحاكمية” مئات الفروع، ينضوي تحتها آلاف الرجال –كما قال علي بن أبي طالب- يؤولون كلام الله بحسب أهوائهم، ولذلك كانت صراعاتهم فيما بينهم أشد وطأة من صراعهم ضد من يكفرونهم.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات