الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

من سجن إيفين الإيراني

كتاب للمفكرة والناشطة الإيرانية نرجس محمدي يسلط الضوء على وسائل التعذيب والتهديد المستخدمة في أكثر السجون سيئة السمعة في إيران

كيوبوست- ترجمات

بعد موجة الاعتقالات التي ترافقت مع الاحتجاجات التي عمَّت أرجاء إيران إثر موت الشابة مهسا أميني، عادت قضية السجون الإيرانية وتعذيب المعتقلين إلى دائرة اهتمام وسائل الإعلام العالمية. وقد نشرت صحيفة “ذا تايمز” مقالاً تلقي فيه الضوء على كتابٍ للمفكرة والناشطة الإيرانية نرجس محمدي تشير فيه إلى اتهام منظمة هيومان رايتس ووتش إدارة سجن إيفين السيئ السمعة باستخدام وسائل التعذيب والتهديد، وعمليات الاستجواب المطولة والحرمان من الرعاية الطبية.

وفي هذا السجن غالباً ما ينتهي المطاف بالسجينات في زنزانات إفرادية لا يتجاوز قياسها 2 x 3. وعلى عكس السجناء الرجال لا يسمح للسجينات بالاتصال بأفراد عائلاتهن.

قبعت نرجس محمدي أكثر من ثماني سنوات في السجون الإيرانية بما فيها سجن إيفين، وقد ألفت كتاباً حول النساء المحتجزات في الحبس الانفرادي بعنوان «التعذيب الأبيض». وفيما يلي اقتباسات من هذا الكتاب:

إنني أكتب في الساعات الأخيرة المتبقية لي في منزلي، قريباً سوف أُقتاد إلى السجن مجدداً. فقد اعتقلت في تشرين2/نوفمبر 2021 للمرة الثانية عشرة، وصدر حكمٌ بحقي بالسجن الانفرادي للمرة الرابعة. لقد أمضيتُ 64 يوماً في الحبس الانفرادي في العنبر 209 في سجن إيفين الذي يخضع لإدارة وزارة استخبارات الجمهورية الإسلامية. هذه المرة وجدوني مذنبة بتأليف كتابي «التعذيب الأبيض»، اتهمت بأنني شوهت صورة إيران عالمياً، وحكم عليّ بالسجن ست سنوات و74 جلدة.

اقرأ أيضاً: احتجاجات إيران.. بركان خامد يعاود الانفجار

عُصِّبت عيناي كي لا أعرف إلى أين سيقتادونني، وجدت نفسي في زنزانة تحتوي على 3 بطانيات رقيقة، خلال حبسي في هذه الزنزانة لم يكن هنالك أحد في الممر، ولم يمشِ فيه أحد حتى، ليس هنالك أصوات ولا حتى صوت باب يفتح أو يغلق، الحياة الوحيدة الموجودة هي تلك الصراصير. كنت أقوم برمي حبات الأرز بعد الغداء علَّها تجتذب نملة أو شيئاً آخر لأسلِّي نفسي. قبعت في هذه الزنزانة مدة سنة ونصف.

كان المحققون يسألونني عن أمور لا أعلم شيئاً عنها، أحدهم أشهرَ مسدسه وراح يهدِّد بقتلي، كانوا يشتمونني خلال التحقيق، دفعوا إليّ بورقة فيها لائحةٌ من الاتهامات، منها الإضرارُ بالأمن القومي، والتآمر والكفر. وبينما كنت أقرأها كانوا يهددونني بالإعدام. كتبت أني أرفض جميع التهم، كانوا يكذبون ويهددون وكنت أعلم أني وحيدة، وليس هنالك أحد يمكنه مساعدتي.

أحد السجون الإيرانية المكتظة- أرشيف

عندما استيقظتُ في الصباح حاولت أن أشرب الشاي تمضية للوقت. كنت أتأمل حجارة الجدار وأحاول أن أجد أشكالاً هندسية فيها، كان البرد قارساً، شعرت بالدوار الذي كان يزداد سوءاً كلما حاولت أن أمشي داخل الزنزانة، كان هنالك قصاصة من صحف قد ألصقتها إحدى السجينات على الجدار، قرأتها مئات المرات حتى حفظتها كاملة، وأيضاً كل الأسماء والقصائد التي كتبتها السجينات من قبلي على الجدران. وبدوري ملأت الجدران بقصائد أحبها عندما حصلت أخيراً على قلم بعد خمسين يوماً.

لم تتجاوز مساحة الزنزانة أكثر من  1 x 2 متر، وهنالك نصف جدار يقع خلفه المرحاض وبجانبه مغسلة وسلة للمهملات. لا يدخلها نور الشمس، ولكنْ هنالك مصباح قوي لا يطفأ أبداً. كانت الأرض باردة ولم أُعطَ إلا حصيرة رقيقة، وما لا يكفي من الغطاء، كنت أنام مرتدية ملابسي، ولم يسمح لي بالاستحمام. كنت أشعر بالصباح فقط عندما أسمع آذان صلاة الفجر.

كان هنالك في الزنزانة نسخة من كتاب (مفاتيح الجنان)، ومصحف كنت أقرأ منه باستمرار. وكان هنالك قضيب حديدي مثبت على الأرض، علمت من إحدى السجينات أنهم كانوا يقيدون به السجينات ويعذبونهن قبل الإعدام، كنت مرتاعة لمجرد التفكير بعدد هؤلاء الذين قضوا آخر ليلة من حياتهن مقيدات هنا، شعرت بأني أسمع أصواتهم.

اقرأ أيضاً: تقرير جديد: إيران تجرم المدافعين عن حقوق الإنسان وتخضعهم لمحاكمات جائرة

دائماً ما يكيل السجانون الشتائم ويلقون التهديد والوعيد وذلك لتصبح مطيعاً. إن العزلة تخدر حواسك وتزعزع رجاحة عقلك. لا يمكن أن تخطط لشيء، فضلاً عن حالة عدم اليقين وعدم وجود ما يثير الحواس كالضوء أو الألوان والأصوات والروائح واللمسة اللطيفة، وهنالك أيضاً اضطرابات النوم والأرق وخسارة الوزن. لقد فقدت نحو عشرين كيلوغراماً خلال بضعة أشهر.

أكثر ما أثار الرعب في نفسي عندما أخبرني المحقق بأن ابني يأتي مرتين أسبوعياً محاولاً زيارتي، وعليه الانتباه، وهذا خطير، فالحوادث تقع أحياناً على الطرقات. كان هنالك الكثير من التهديدات على هذه الشاكلة.

قيدوني إلى السرير عندما قاموا بالتحقيق معي لأول مرة، قاموا بربط يديّ ورجليّ بقسوة، وعندما بدأ السوط يضرب أسفل قدميّ شعرت بأن جسدي كله يتحطم، صرخت وشعرت بأنني ألفظ أنفاسي الأخيرة، لووا رأسي من الخلف مما أدى لضرر دائم في عنقي. أذكر أني فقدت الوعي فسكبوا الماء عليّ لإيقاظي. لم أقوَ على الوقوف لكنهم أجبروني.

كنت أعلم أنه يجب علي أن أمشي، ولكنني لم أستطع، استلقيت معظم الوقت، تكلمت بصوت عال وحاولت الاستماع لصوتي وكأنه صوت شخص آخر، كان الصمت مطبقاً، أجمل صوت كنت أسمعه هو صوت ساعة الجامعة، كنت أشعر بأن الحياة مستمرة عند سماعه، أو عند سماع صوت دراجة أو بائع متجول، كنت أشعر أنني مازلتُ على قيد الحياة.

إن الشعور بالرعب هو الأمر الطبيعي في كل يوم يمر في الزنزانة. تتعرضين لأقسى أشكال الترهيب والتوبيخ والعزلة والحرمان والإكراه، ولكنك كامرأة قد عانيت من هذا كله قبل أن يزج بك في السجن أو قد سمعت عنه من نساء أخريات.

قبل أن أدخل السجن عانيتُ من والدي وأخي والنظام الذكوري الذي يتحكم بحياتنا، إن ذهنية هذا النظام تجعله يعتقد بأنه السيد، وبأنه هو من لديه الحق في اختيار مصيرك، والحق في سلبك إرادتك.

المصدر: ذا تايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة