الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

من رفوف المكتبة… منطلقات تجديد الخطاب الديني في فكر نصر أبو زيد

اطروحة لباحث عراقي تفكك معضلة تجديد الخطاب الديني نحو اخر يقبل بالتعددية

كيوبوست- إيهاب الملاح

– 1 –

منذ رحيله في الخامس من مايو عام 2010 والنقاش حول أطروحاته وأفكاره يتجدد ويتزايد بعد أن توالت أجيال شابة أعادت قراءته ودرسه، وأخذت أعمال نصر أبو زيد وأفكاره التجديدية المستنيرة، موقع الاهتمام والقراءة بجدية وسط شرائح من المثقفين الشباب، وعكف بعض هذه الأجيال الشابة المسلحة بمنهجيات القراءة الحديثة، وآليات التحليل المنضبطة في إعادة الاعتبار للرجل الذي أُوذي ونكِّل به، وفرِّق بينه وبين زوجه بحكم جائر، وغادر وطنه منفيًّا مضطهدًا من قبل التيار الديني المتشدد الذي نجح في فرض سطوته الفكرية في العقود الأخيرة من القرن العشرين في مصر تحت وهم ما سمي آنذاك “الصحوة الإسلامية”.

من العراق، وفي أطروحة جامعية منهجية منضبطة، جاءت هذه الدراسة الرصينة لأسس الفكر التنويري ومنطلقات تجديد الخطاب الديني لدى نصر أبو زيد؛ أحد أهم وأبرز المفكرين الإصلاحيين في مصر والعالم العربي كله، ولا أتردد في وصفه بأنه “مارتن لوثر الشرق” لعمق أطروحاته واجتهاداته التي كانت تطمح إلى تحرير النص الديني من قبضة المتشددين والمتطرفين، ومواجهتهم معرفيا وفكريا، فكانت النتيجة كما تعودوا هي ملاحقته والتنكيل به وتهديد حياته ما دفعه إلى الخروح من مصر والاستقرار في منفاه الاختياري في هولندا، حيث مارس التدريس في أعرق جامعاتها واحتل كرسي الأستاذية الأرفع في أكاديمياتها المرموقة.

د. نصر حامد أبو زيد

– 2 –

في كتابه الصادر عن دار مصر العربية بالقاهرة «الفكر التنويري عند نصر حامد أبو زيد» (ودوره في تجديد الخطاب الديني)؛ يكشف الباحث العراقي حيدر جودة عبر قراءة مستفيضة، وتحليلٍ متأن لنصوص نصر أبو زيد ووضعها في سياق معرفي تحليلي متماسك، أن السمة الأولى والمحددة من وراء تجديد الخطاب الديني، تنطلق من دعوة التحرر من حالة الجمود التي تستشري في الدين المؤسساتي، والعمل على تفعيل خطابٍ ديني يقبل بالتعددية، رافضًا المركزية، مقرًّا بضعف الخطابات الدينية السابقة، معترفًا بالتقدم العلمي الذي يشهده الغرب، مؤكداً على ضرورة الاقتباس من الآخر، هادفًا إلى بناء خطاب ديني جديد، يبدأ بالإنسان، وينتهي إلى الإنسان.

وأول مواجهة مباشرة تعترض طريق “المجدِّد” هي تقديس رجالات الدين، وتحويل اجتهاداتهم إلى نصوصٍ مقدسة لا يمكن المساس بها، إلا أن عملية تقديس الاجتهادات قد بلغت فيها الخطورة إلى ما شقق هذه الأمة وقسمها، فأصبح النداء على جماعة معينة باسم قديسهم المفتعل، وأصبحت آراؤهم لا تخرج عن آراء سيدهم فأصبحوا بذلك لا يملكون رأيًا ولا قولًا.

اقرأ أيضًا: نكبات العقل المسلم.. من ابن رشد إلى نصر أبو زيد!

وكل ذلك، بحسب المفكر المصري الراحل نصر حامد أبو زيد، قد أدي إلى استفحال سلطة الخطاب الديني التي تسجن الفرد باسم دين الحرية في سلاسل من القهر والامتثال والإذعان تحت زعم طاعة الله الذي يمثله خليفة أو سلطان أو أمير أو جماعة تحتكر الإسلام ومغفرة الرب.

لذلك كان المؤسس الأول والرئيسي لسلطة النصوص هو تقديس العمل البشري، والذي يعمل على تحويل “اللا نص” إلى مجال “النص”، وتدشينه نصًا لا يقل في قوته التشريعية، وطاقته الدلالية، عن النص الأساسي الأول.

– 3 –

يقرر مؤلف الكتاب أن المتأمل في الخطاب الديني لا يرى صعوبةً في إيجاد الكثير من الثغرات والعثرات فيما يرتبط بالتعاطي مع التراث وتوظيفه في قضايا العصر، وليس من الصعب أن تحدد تلك العثرات بنتيجةٍ واحدة تتمثل بـ استعادة القوالب الجاهزة من الماضي، والعمل على توظيفها في ضرورات الحاضر، والتنظير لإمكانها في المستقبل. وإذا ما تنبه أقطاب الخطاب الديني لعدم صحة هذا التعامل مع التراث، وعملوا على وضع الحلول والمعالجات لمنظومة التراث، فإنهم لا يجدون حلاً غير الدفاع عنه والحفاظ عليه بوصفه خطاً أحمراً ومقدساً من المستحيل التفكير فيه، وهذه المحاولة بدأت حينما قرر الخليفة الثالث بأن الخلافة ثوباً سربله الله له.

اقرأ أيضًا: في رثاء الدكتور محمد شحرور.. وَقْفَةٌ مع فِكْرِه وتنقيبٌ في أدواته

ودعوة التجديد هنا لا تقوم بتجديد الخطاب الديني على أساس أنه خطاب عقيم لا ينفع بشيء فحسب، بل على أنها ضرورة ملحة، خصوصاً عندما تنشأ من داخل هذا الخطاب، خطابات أخرى تكفيرية مدمرة لطبيعة الإنسان والواقع، تحتمي بسلطة المقدس المفتعلة والمؤدلجة للحفاظ على بناء هذه الجماعات الشاذة والمتطرفة، وهذه الزمر والجماعات هي نتاج ذلك الخطاب الديني، أقصد به، الخطاب الديني الاستردادي الذي يريد العودة إلى القديم واستنساخه في الحاضر.

– 4 –

يقوم الكتاب هيكليا على مقدمة، وتمهيد، وثلاثة فصول، وخاتمة؛ سعى من خلالها مؤلف الكتاب؛ حيدر جودة، بجدية وحرص شديد، إلى كشف وتحليل رؤى نصر أبو زيد ضمن إطار محدد وهو إشكالية “تجديد الفكر العربي المعاصر”؛ وهو يقصد هنا تحديدًا مفهوم إشكالية وليس مشكلة على اعتبار أنها (أي إشكالية التجديد في الفكر العربي المعاصر) تنطوي على كل مشكلاتنا الاجتماعية والسياسية والفكرية، وحل كل مشكلة يقتضيها لزاما وضمنا التجديد في التربية، وفي الاقتصاد، وفي وفي السياسة وفي التعليم وفي العلم والبحث العلمي.. إلخ، وما يعني في التحليل الأخير أن معالجة هذه المشكلات مجتمعة سيؤدي في النهاية إلى حل إشكالية التجديد برُمَّتِها وبشكلٍ شاملٍ وكليٍّ.

اقرأ أيضًا: فاضل الربيعي يفجِّر قنابل فكرية من عيار ثقيل

غلاف كتاب “نقد الخطاب الديني” لنصر حامد أبو زيد

– 5 –

كان نصر أبو زيد جريئًا وشجاعًا في طرحه لمحاولة “أنسنة فهم النص القرآني”، وإعادة قراءة قضية الإعجاز القرآني كما طرحها عبد القاهر الجرجاني، ومقارنة ما كتبه المعتزلة والأشاعرة والظاهرية، وغيرهم من مفكري تيارات الفكر الإسلامي، وعلماء الكلام، حول مفهوم اللغة ووظيفتها؛ لأن تحديد مفهوم “اللغة” هو أول لبنة في بناء فهم اشتغال النص القرآني.

لقد كان نصر أبو زيد في الحقيقة رأس سهم شارخ، فتح أفقًا جديدًا في الفكر الإسلامي المعاصر، وقراءة “النص/ الخطاب” وتأويله، ومرّ بعدة مراحل لبلورة أفكاره واختبارها وتطويرها أيضًا، وطوال حياته لم يكن نصر في عداء مع أشخاص أو كان يطمح إلى مواجهات ومعارك أبدًا بل على العكس تمامًا، كرس جهده كله لتفكيك فكرة التدين وكهنته، وسلطة رجال الدين، وهيمنتهم على مقدرات الأمم والشعوب العربية والإسلامية كافة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات