الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةرفوف المكتبة

من رفوف المكتبة… «معَك» رفقة العمر والفكر والتنوير

كيوبوست – إيهاب الملاح

– 1 –

منذ صدوره في سبعينيات القرن الماضي عن دار المعارف بالقاهرة، حظي هذا الكتاب باهتمامٍ كبير ومتجدد ضمن الكتب التي تناولت جانباً أو أكثر من جوانب حياة وسيرة طه حسين؛ هذا الكتاب هو السيرة الذاتية التي كتبتها السيدة سوزان بريسو قرينة عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وأم أولاده، ورفيقة عمره التي لازمته طوال 55 عاما لم تفارقه خلالها ثانية واحدة!

بعد مرور ما يقرب من نصف القرن تقريباً على صدوره؛ أعادت مؤسسة دار المعارف بمصر إصداره في طبعة جديدة بعد أن تزايد الطلب عليه وبإلحاح، وبعد أن اقترح كاتب هذه السطور ضرورة توفير طبعات جديدة من إرث الدكتور طه حسين؛ كتبه ومؤلفاته وترجماته، وما كتب عنه، خصوصاً أن حقوقها الخاصة ستسقط العام القادم وتصبح ملكية عامة، لذا فقد كان من الضروري استباق هجوم دور النشر المختلفة التي ترغب في طباعة أعماله واستثمارها تجاريا، بالتأكيد على موثوقية الطبعات وأمانة النصوص ودقة الإخراج.

اقرأ أيضًا: طه حسين في ذكراه الـ46.. الإسهام المعرفي والثقافي

– 2 –

في هذا النص السردي المدهش، «معك» الذي كتبته بالفرنسية السيدة سوزان بريسو الشهيرة بسوزان طه حسين، وترجمه إلى العربية بدر الدين عرودكي وراجعه وكتب له المقدمة المرحوم محمود أمين العالم، ستواجهنا طاقة شعرية وإنسانية فاتنة تجسِّد حكاية حب لا تموت، كانت سوزان دومًا (مَعَه) حتى آخر يوم في حياته.

كانت العين التي يرى بها، ويقرأ بها، ويسمع لها، ويملي عليها، وإذا ما أعيته الحيلة كانت أجهزة الاستقبال “الشعورية” واللا شعورية تمارس ما بات يعرف الآن بـ “الواير ليس”. نعم. كانت هي قرون الاستشعار الحساسة التي يصل إليها، عبر الحس والشعور، قبل الحواس والاتصال المباشر، ما كان يعانيه هذا الفتى الأسمر الكفيف. لم تلجأ إلى التحليل والمنهج والفكر؛ إنها فقط روت حكايات وقصصاً..

غلاف الكتاب

افتتحت السيدة سوزان طه حسين كتابها «مَعَك» بعبارة دالة “إننا لا نحيا لنكون سعداء”، هذه العبارة التي وردت على لسان طه حسين نفسه، لتستهل قصة حياة امتدَّتْ قرابة الستين عامًا، معَه، مع الجانب الإنساني الدافئ لعميد الأدب العربي، وستروي عن زوجها حكاياتٍ وعبارات، يمثِّل كلٌّ منها مفتاحًا جوهريًّا لفهم هذه الشخصية ذات المرايا المتعددة؛ ستروي عنه نصاً:

“الكتابة هي أيضاً العمل، كلّ كاتب وكلّ فنان لا يستطيع التقدم إلا بالإخلاص، شأنه شأن بطل دانتي يحمل المصباح معلقاً إلى ظهره ليضيء طريق الذين يتبعونه”.

– 3 –

أما كيف بدأت الحكاية؛ أو “من هنا كانت البداية”.. فتروي سوزان:

“أول مرة التقينا فيها كانت في 12 مايو 1915 في مونبلييه/ فرنسا. ولم يكن ثمة شيء في ذلك اليوم ينبئني بأن مصيري كان يتقرّر، ولم يكن بوسع أمي أن تتصور أمرًا مماثلاً، وكنت على شيء من الحيرة، إذ لم يسبق لي في حياتي أن كلمت أعمى. لقد عدتُ إليه أزوره بين الحين والآخر في غرفته التي كانت غرفة طالب جامعي. كنا نتحدث وأقرأ له بعض الفصول من كتابٍ فرنسي. ولعل القدر كان قد أصدر قراره بالفعل. فقد كان هناك أعمى آخر، هو أستاذه الإيطالي الذي يدرسه اللغة اللاتينية، قد أدرك ذلك، وقال له: سيدي.. هذه الفتاة ستكون زوجتك!”.

اقرأ أيضًا: إيهاب الملاح لـ”كيوبوست”: مهاجمو طه حسين لم يقرأوا كتاباته أو يناقشوها

كان ثمة غرفة شاغرة في بيت سوزان اقترحت أمها على طه أن يسكنها، وكانت هناك سيدة كبيرة في السن تصحبه إلى السربون، وقارئة تأتيه بانتظام بتكليفٍ من الحكومة المصرية، لكن شيئًا فشيئًا أخذت سوزان تتدخل في ذلك، وتصطحبه إلى الجامعة، وتقرأ له أيضًا لساعات وساعات.. وذات يوم تجرأ طه وقال لها: “اغفري لي.. لا بد من أن أقول لك ذلك.. أنا أحبك”!

وصرخت سوزان وقد أذهلتها المفاجأة، وقالت بفظاظة: “ولكنني لا أحبك”، فقال بحزن: “آه.. إنني أعرف ذلك جيدًا.. وأعرف كذلك أنه مستحيل”.. ثم تقول سوزان “ويمضي زمن ثم يأتي يوم آخر أقول فيه لأهلي إنني أريد الزواج من هذا الشاب. وكان ما كنت أنتظره من ردّ الفعل: كيف؟ من أجنبي؟ وأعمى؟ وفوق ذلك مسلم؟! لا شكّ أنك جننت تمامًا!”.

طه حسين وسوزان- “أرشيف”

وتكمل سوزان: ربما كان الأمر جنونًا، لكني كنت قد اخترت حياة رائعة. اخترت! من يدري؟ لقد قالت لي صديقة ذات يوم (لقد كان عليك أن تضطلعي بهذه الرسالة)..”.

– 4 –

وسيكتب لها طه حسين ذات يوم، وهي على سفر:

“أودّ لو أصف لكِ ضيقي عندما تركتُ السفينة، عندما رجعتُ إلى القاهرة، عندما عدتُ من فوري إلى البيت:

فقد دخلت غرفتنا، وقبلت الزهرة وغطيت بالقبلات الصورة التي لا أراها، ومع ذلك فقد فعل أصدقائي كلّ ما بوسعهم لتسليتي (…) ولكن أنتِ، من يسهر عليكِ؟ من يُعنى بكِ؟.”

اقرأ أيضًا:  من رفوف المكتبة… منطلقات تجديد الخطاب الديني في فكر نصر أبو زيد

“لو أنني قربكِ، لا لشيء إلا لكي أحمل لكِ مُؤنس، وأُلبس عنكِ أمينة، وأعطيك روح النعناع! (…) يستحيل عليَّ القيام بشيء آخر غير التفكير بكِ. ولا أستطيع أن أمنع نفسي من البكاء كلما دخلت الغرفة؛ فأنا أجدكِ في كلّ مكان دون أن أعثر عليكِ… كانت الزهرة قد ذبلت، فوضعتها في العلبة التي تركتِها لي لأضع فيها رسائلك ــ سأقبلها كل يوم. لقد استحالت الغرف معابد، وعليَّ أن أزورها كلّ يوم. ولو أنكِ رأيتني أخرج من غرفة لأدخل أخرى، ألمسُ الأشياء، وأنثر القبلات هنا وهناك”..

وكان قد قال لها ذات مرة: “لعل ما بيننا يفوق الحب”.

أما فيما يتعلق بها فقد كان ـ كما تقول هي ـ “هناك هذا الشيء الرائع: الفخر، واليقين من أنه ليس ثمة ما يدعو للخجل، ومن أنه ليس هناك على الإطلاق أية فكرة مريبة أو بشعة أو منحطة يمكن أن تأتي لتحقر أو لتثلم الكائن الذي أقاسمه حياته”.

طه حسين وسوزان- “أرشيف”

– 5 –

اللافت أن أمر زواجهما لم يكن فقط مستغربا ولا مستهجنا في فرنسا وحدها، بل في مصر أيضاً!

تروي سوزان طه حسين أنه باستثناء عدد من أصدقاء طه حسين، على صعيد الفكر والسلوك؛ من أمثال أحمد لطفي السيد، والأخوين مصطفى عبد الرازق، وعلي عبد الرازق، كان سواهم ممن ينظرون بعين الريبة بل والاستنكار أحيانًا لا إلى الزواج المختلط فحسب، بل إلى حضور المرأة إلى جانب الرجل في ميادين الثقافة والسياسة..

اقرأ أيضًا:  من رفوف المكتبة «الفكر الإسلامي المعاصر».. رؤية إيطالية معاصرة

وتروي أنه حدث مرة أثناء الإعداد لاحتفال من أجل تخليد ذكرى الشيخ محمد عبده، أن طرح طه حسين خلال أحد الاجتماعات هذا السؤال الذي لم يكن يخلو من الخبث: “هل ستشارك النساء في هذا الاحتفال؟”

وسيثير سؤاله الفضول والعجب لدى بعض من جعلوا من أنفسهم سدنة الدين والدنيا معًا. يقول له في الاجتماع نفسه من خلف الشيخ محمد عبده في منصب المفتي الأكبر، وهو الشيخ بخيت:

“لكني بعد كلّ شيء يا دكتور طه أودّ أن أفهم الأسباب الحقيقية التي حملتك على الزواج من أجنبية..

فأنتَ مصري طيب ووطني طيب عظيم الذكاء.. فكيف أقدمتَ على مثل هذا العمل؟”

ويجيبه طه حسين:

“قابلت فتاة، وأحببتها، فتزوجتها. ولو لم أفعل لبقيت عَزبًا أو لتزوجت -نفاقًا، بما أنني أحبّ امرأة أخرى- امرأة مصرية، وكنت سأجعل منها امرأة تعسة!”.

يعقب الشيخ “هذا أمرٌ لا أستطيع تصوره!”

يرد طه حسين “هذا أمر لن تستطيع تصوره دومًا يا فضيلة الشيخ، فنحن لا ننظر إلى الأشياء بالطريقة نفسها أبداً”!

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة