الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفةشؤون خليجية

من خلال الثقافة.. أبوظبي تشكل عالم ما بعد “كوفيد-19”

كيوبوست- ترجمات

ستيفان رابيموف♦

يُكتب التاريخ من خلال أحداثٍ تفاعلية وحلول استباقية؛ فهنالك مثلاً التعاطي مع جائحة “كوفيد-19” العالمية، أو التعامل مع تعطل الإبحار في قناة السويس. وهنالك أيضاً أفكار ورؤى طويلة المدى ترسم معالم الاحتمالات المستقبلية للعالم؛ فقضايا مثل تغير المناخ، والتخطيط الحضري، وتكافؤ الفرص.. وغيرها من الغايات البشرية النبيلة، تتطلب الكثير من التفاني والتنسيق والموارد. ومنظمة الأمم المتحدة هي مثال لهذه المبادرات في مرحلةِ ما بعد الحرب. أما في مرحلة ما بعد العولمة، فإن العالم يبحث عن نماذج قيادية إضافية وبديلة أكثر ملاءمة للعصر الرقمي. وهنا تبرز أبوظبي بوصفها منصة لهذا التحول تقع الثقافة في صميم خطته التنموية الطموحة؛ فبالإضافة إلى متحف اللوفر في أبوظبي -الذي يعتبر بحد ذاته نقطة العلاقات الدبلوماسية على المستوى الثقافي – تستثمر الإمارات العربية المتحدة في مشروعات ثقافية تعزز من نفوذها.

اقرأ أيضاً: أبوظبي في صدارة المدن الأكثر أماناً في العالم

متحف اللوفر في أبوظبي- دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي

انعقدت في شهر مارس الماضي القمة الثقافية لعام 2021 تحت شعار “الاقتصاد الثقافي واقتصاد الثقافة”، وبحثنا في كيفية تعاطي الفنانين والمؤسسات مع الجائحة على المستوى الفردي، وتحدثتُ مع سعادة محمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي، حول المنظور المحلي والدولي للثقافة كقوة دافعة للتعافي الاقتصادي والاجتماعي في مرحلة ما بعد جائحة كورونا، وحول رؤيته الشخصية في ما يجعل المدن رائعة.

اقرأ أيضاً: تجربة الإمارات تحرز مكانة متقدمة على مؤشر الازدهار العالمي

محمد خليفة المبارك رئيس دائرة الثقافة والسياح في أبوظبي

* لنبدأ بإحدى المسائل الرئيسية في القمة، كيف تؤثر فكرة الاستدامة في دور الثقافة في المجتمع؟

– محمد خليفة المبارك: أعتقد أنه عندما يتعلق الأمر بالاستدامة، فنحن نتحدث كثيراً عن أثرها الاقتصادي ولا نتحدث بما يكفي عن العامل الاجتماعي. يمثل قطاع الثقافة اليوم نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي في العالم، وهذه النسبة في ازدياد. ومن منظورنا، فإن الاستدامة الاجتماعية تعتبر أمراً بالغ الأهمية بالنسبة إلى صحة أي مجتمع أيضاً، ويمكن لقطاع الصناعة الإبداعية أن يلعب دوراً رئيسياً في مواجهة التمييز وعدم المساواة، وفي تعزيز الاندماج الاجتماعي، ورعاية التنوع الثقافي، ودفع عجلة التنمية. وهذه أمور في غاية الأهمية بالنسبة إلى استراتيجيتنا في التعاون المستمر والحوار الدائم.

اقرأ أيضاً: أشجار المنغروف في أبوظبي توفر مفتاحاً سحرياً لحياة أفضل للإنسانية

منطقة السعديات الثقافية في أبوظبي- دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي

* هل ترَون الثقافة إحدى الصناعات الأساسية؟

– بالتأكيد، عندما تركز على كيفية تطبيق الثقافة، وعلى ما تعنيه الثقافة للمجتمع، فإنك سوف تستنتج أننا كحكوماتٍ يجب علينا أن نقدم المزيد؛ فالثقافة هي ما يحدد نغمة بناء العالم. لقد كانت الثقافة أحد أعظم الأدوية التي نمتلكها، وهي ليست دواء للعقل فحسب؛ بل دواء للقلب أيضاً. ونحن نرى أن الثقافة لا تقل أهمية عن مواضيع العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في المناهج الدراسية التي يتلقاها جيل الشباب؛ فالموسيقى والفنون توسع آفاق أذهانهم، وتخلق إمكانات جديدة في العديد من القطاعات، ولذلك لدينا مخاوف من أننا لا نقوم بتعزيز الجدوى الاقتصادية للصناعات الإبداعية أثناء الجائحة. يجب علينا أن نتأكد من وجود توازن صحيح عند تحديد أولويات الثقافة والتعافي من الوباء، هذه هي الطريقة الوحيدة للمضي قدماً.

اقرأ أيضاً: السياحة البيئية.. أن تنتمي إلى المكان وتعنى بسلامة البيئة

* ما الدافع وراء العديد من المشروعات المشتركة مع المؤسسات الثقافية الكبرى؟

– إن تنوع الطيف الثقافي الموجود لدينا واسع إلى درجة مذهلة، وقد قام فريقنا بعملٍ لا يصدق في وضع أبوظبي في قائمة الوجهات السياحية الشاملة العالمية. والثقافة تقع في مقدمة وفي مركز كل ما نفعله، وأنا في غاية الحماس لذلك. لقد كانت صياغة الشراكات الصحيحة اللازمة لتقديم محتوى ثقافي ضخم جزءاً لا يتجزأ من تطورنا السريع؛ هنالك شيء ما يناسب كل ذوق من الأذواق. إن التعاون مع المؤسسات المرموقة الكبرى؛ مثل متحف اللوفر وغوغنهايم وبيركلي وفورمولا وَن ووارنر براذرز.. وغيرها يمهد الطريق لما هو قادم. فعندما تزور أبوظبي للمرة الأولى، أو عندما تعود إليها مرة بعد أخرى، فإنك سوف تجد تجربةً ثقافية لا تُنسى على أعلى مستوى، محاطاً بدفء الضيافة العربية. سوف تستمر أبوظبي في التطور بشكل كبير؛ فنحن في كل عام نضيف معالم ثقافية جديدة. فعلى سبيل المثال، سوف نفتتح في سبتمبر المقبل منطقة ياس باي الترفيهية، على الواجهة البحرية التي تتوسطها منشأة “الاتحاد أرينا” التي تتسع لثمانية عشر ألف مقعد؛ وهذه المشروعات ليست أدوات تسويقية، فنحن لا نصدر ضجة إعلامية كبيرة، ونخبر الناس أن عليهم الانتظار لسنوات عديدة؛ بل ننتظر حتى تقترب مواعيد الافتتاح، ثم نقول: “انظروا ماذا ينتظركم هناك!”.

جزيرة ياس في أبوظبي.. دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي

* بالحديث عن المشروعات الكبيرة، ما مضمون مشروع “توفور 54” الذي يقوم به مركز أبوظبي للإعلام والترفيه؟ هل هو وادي سيليكون جديد، باريس جديدة، بوليوود جديدة؟

– نحن بصدد إنشاء معلمٍ ثقافيٍ جديد؛ هذه الأماكن لها تاريخها وهويتها، ونحن نرغب في أن يكون لأبوظبي صوتها الثقافي الخاص القادر على تحريك مشاعر الناس. إنه مكان لإطلاق العنان للخيال، ومرة أخرى بهدف التقريب بين البشر. انطلق مشروع “توفور 54” عام 2006، والآن نحن نفتخر باستضافة أكثر من 600 شركة إعلامية وأكثر من 900 من العاملين المستقلين، وأكثر من 100 من رواد الأعمال، وأكثر من 5000 مبدع محترف تحت مظلة واحدة. إن الثقافة العربية هي ثقافة رواية القصص؛ وهي قصة تطور دائم، وبالتقائها مع أفكار مبتكرة ومنظورات مختلفة يمكنها أن تخلق شيئاً متميزاً للغاية. ونحن نحرص بشدة على توفير البنى التحتية اللينة والصلبة اللازمة لذلك، وقد أعلنا مؤخراً نظام التأشيرة الإبداعية؛ بهدف السماح للناس من مختلف أنحاء العالم أن يعتبروا أبوظبي بلدهم. نريد التأكد من أن جميع المبدعين لديهم الوسائل ونظام الدعم الذي يحتاجون إليه لإبداعهم هنا.

شاهد: فيديوغراف.. أبوظبي تستقبل السائحين مجدداً

* هل حققت أنت نجاحاً في الخارج؟ بصفتك خريج جامعة نورث إيسترن، كيف أثَّرت إقامتك في بوسطن على رؤيتك للعالم ودورك فيه؟

– في الواقع كانت الحياة في السكن الجامعي أمراً أساسياً وجزءاً لا يتجزأ من تفكيري. الشيء الجميل في بوسطن هو أنها حقاً بوتقة تنصهر فيها مختلف الثقافات؛ هنالك أشخاص من أوروبا الشرقية، وجنوب شرق آسيا، وغرب إفريقيا.. وغيرها. وقد كان فهم هوية هؤلاء الناس أمراً جوهرياً، وقد عزَّز الانفتاح والقدرة على رؤيةِ ما هو جميل في الآخرين الجزءَ التخيلي من عقلي، وساعدني على مزج ثقافات وقصص مختلفة، وخلقِ فرص جديدة في عقلي. وعندما أتيت إلى دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي، حرصت على أن تكون جميع الأصوات مسموعة فيها، وأن كل الأشياء في متاحفنا تقوم على قواعد متساوية؛ ليس هنالك من منطقة تطغى على غيرها، بل على العكس من ذلك، فقد أخذنا على عاتقنا مسألة إبراز الاختلافات، والحوارات بين الثقافات المختلفة.

قصر المويجعي.. أبوظبي- دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي

اقرأ أيضاً: أبوظبي أفضل مدينة في الشرق الأوسط بالنسبة إلى الوافدين

* هل هنالك من وجهة تتطلع إلى السفر إليها بعد رفع القيود على السفر؟

– أنا أحب المدن العظيمة في العالم، وكلما تمكنت من السفر مبكراً كان ذلك أفضل بالنسبةِ إليَّ. أتشوق للعودة إلى لوس أنجلوس، أحب أن أزور باريس أو لندن، اعتدتُ أن أذهب إلى هناك ست أو سبع مرات في السنة لزيارة شركائنا هناك؛ هذه الأماكن هي جزء من تطور شخصيتي. إن المورثات الثقافية لهذه المدن، وغيرها من المدن العظيمة، تبقى في داخلنا كبشر، وأخشى من فكرة أن المسؤولين، سواء أكانوا حكومات أم مؤسسات، ربما يأخذون خطوة إلى الوراء من ناحية الثقافة، وعندها يمكن أن نخسر قاعات الموسيقى والبرامج المسرحية ومتاحف الفنون. نحن بحاجة إلى أن نبقي هذه المؤسسات الثقافية على قيد الحياة، وأن نضمن أن تكون هذه الفنون، كما هو مفترض بها، متاحة للجميع.

♦كاتب في شؤون الثقافة والفنون والأزياء.

المصدر: فوربس

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة