الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةرفوف المكتبة

من تراث سهير القلماوي “النقدي”

من رفوف المكتبة

كيوبوست- إيهاب الملاح

– 1 –

حسنا فعلت الهيئة المصرية العامة للكتاب بإعادة نشرها لطبعات جديدة من الأعمال الكاملة للرائدة النهضوية وأستاذة الأدب والناقدة والمترجمة الراحلة سهير القلماوي تلميذة طه حسين والتي تشربت منه قيمة ومعنى الأستاذية ومعنى الجامعة والحرية والعقلانية والبحث العلمي واحترام المنهج.

وكانت سهير القلماوي (1911-1997) بطبيعة ثقافتها تجمع بين القديم والجديد، تعلمت الجديد في المدارس الأجنبية التي درست بها قبل أن تلتحق بقسم اللغة العربية بكلية الآداب، وأتقنتِ العديد من اللغات الأوربية، واستعدت لدخول كلية الطب، ولكن كلية الطب لم تقبل أوراقها لأنها فتاة، فقد كانت الجامعة المصرية تتردد في قبول الطالبات حتى عام التحاق سهير القلماوي بها.

وذهب والدها الطبيب الشهير إلى طه حسين ليعينه على حلِّ مشكلة ابنته، ولكن طه حسين صرف نظر الطالبة عن كلية الطب، وأقنعها بالالتحاق بكلية الآداب، والدراسة في قسم اللغة العربية الذي كان أشهر أساتذته. ويبدو أن شخصية طه حسين الساحرة جذبت الفتاة سهير القلماوي إليه، فتعلقت به، واتخذته أباً ثانياً، وأستاذاً، ومشرفاً، ورائداً، ومثلاً أعلى في الحياة، وأجلّها الأستاذ وأعجب بها، ووجد فيها نموذجاً للمرأة الجديدة التي كان المثقفون المصريون يحلمون بها منذ أن كتب قاسم أمين كتاب (المرأة الجديدة) ونشره سنة 1900 من مفتتح القرن الماضي.

اقرأ أيضًا: إيهاب الملاح لـ”كيوبوست”: مهاجمو طه حسين لم يقرأوا كتاباته أو يناقشوها

– 2 –

وكان تلميذها الناقد الراحل الدكتور جابر عصفور يقول عنها “كانت دروس سهير القلماوي مثل كُتُبها الأولى التي قرأناها في سنوات الدراسة، تتميز بما كان يلح عليه أبناء جيلها في ذلك الزمان البعيد، من حيث إنها دروس تجمع ما بين الأصالة والمعاصرة، وتمضي على نهج أستاذها طه حسين؛ ذلك لأن سهير القلماوي كانت على درجة عالية من المعرفة التراثية التي تمكّنها من الحديث الواثق عن القديم..

وفي الوقت نفسه، كانت ثقافتها المعاصرة، واطلاعها على الآداب العالمية الجديدة، وخبراتها في الترجمة والإبداع، تفتح أمامها من آفاق النقد التطبيقي، في التعامل مع نصوص الأدب القديم والجديد، ما دفعنا دفعا إلى المقارنة بينها وبين زملائها من الأساتذة الذين اقتصروا على ثقافة الموروث، فعجزوا عن أن يكونوا مثلها في امتلاك قدرة التحليق في فضاء المعرفة الرحيب بجناحي الأصالة والمعاصرة.

الدكتور طه حسين

– 3 –

والكتابان اللذان أعادت هيئة الكتاب إصدارهما من أهم ما صدر في موضوعهما عن النقد الأدبي ونظرية الأدب (المحاكاة)؛ الأول يضم محاضراتها القيمة عن النقد الأدبي من منظور مدرسة النقد الجديد إحدى مدارس وتيارات النقد الشهيرة في القرن العشرين، والتي ركزت على النص وجمالياته في مقابل المدارس والتيارات التي اهتمت بمضمونه ومغزاه الاجتماعي. فيما عالج الكتاب الثاني أقدم النظريات الأدبية والنقدية وأعرقها في تاريخ الفلسفات الفنية وعلم الجمال وأقصد بها نظرية “المحاكاة” الأرسطية الشهيرة، وقد كان كتاب سهير القلماوي الذي صدر للمرة الأولى عام 1953 من أهم ما كُتب بالعربية عن هذه النظرية، وأسسها، ودعائمها الفلسفية والفكرية، وأثرها عبر القرون في تطورات المدارس الأدبية والنقدية من الكلاسيكية إلى الرومانسية إلى الواقعية، وما بعدها.

– 4 –

في كتابها «النقد الأدبي»، الذي كان في صورته الأولى المحاضرات التي ألقتها على طلاب الدراسات العليا بمعهد البحوث والدراسات العربية عام 1955، تنطلق سهير القلماوي من ضرورة وأهمية العودة إلى النص الأدبي في ذاته، وضرورة التركيز على عناصره التكوينية الخاصة، “إذا أردنا أن نكون نقاداً بحق”. لقد ظل العمل الأدبي، فيما كانت تقول “أشبه بالغرفة التي يدخلها النقاد ليتطلعوا من نوافذها إلى ما يقع خارجها، وآن الآوان لأن نلتفت نحن إلى هذه الغرفة، ونتعمّقها بحثاً وتحليلاً وتفسيراً”.

الدكتورة سهير القلماوي

وإذا كان التحليل هو اكتشاف العناصر التكوينية للعمل الأدبي، من حيث هو عمل أدبي، فإن “التفسير” هو اكتشاف العلاقات التي تصل بين هذه العناصر، التي تمنح العناصر نفسها المعنى والدلالة. وإذا كان علينا أن نبدأ بالتحليل، ونتعمق فيه، فمن المهم أن نحاول المرة بعد المرة الإنصات إلى صوت العمل الخاص، واكتشاف النغمات المميزة له على وجهٍ أقرب إلى اليقين، فهذه النغمات هي العناصر التكوينية التي تقودنا إلى اكتشاف الدلالة الأدبية على مستويات التفسير المختلفة.

ولذلك كانت تلح وتؤكد استقلال العمل الأدبي، في الوقت الذي كانت تؤكد صلته بغيره من أوجه الحياة، لكنها كانت تلح على التمييز بين النقد الأدبي، بمعناه الحق، وعلم اجتماع الأدب أو علم نفس الأدب أو علم سياسة الأدب أو التاريخ الأدبي على السواء. وكانت تقول لطلابها دائماً: إذا أردتم أن تكونوا نقاداً فدونكم العمل الأدبي، ادرسوه في ذاته، من حيث هو عمل أدبي، ولا تكونوا كالجراح الذي ينشغل عن إجراء العملية الجراحية للمريض بالبحث عن أوضاعه الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية.

وكانت تقول أيضاً: “إن الناقد لا يكون ناقدا بحق إلا إذا كان ما يحسنه من التراث في وزن ما يحسنه من علوم العصر، وما يتقنه من معارف العرب لا يقل عما يتقنه من معارف غير العرب من علوم العصر ومناهج درسه الحديثة”.

اقرأ أيضًا: حسن حنفي ومشروعه الكبير عن “التراث والتجديد”

– 5 –

أما الكتاب الثاني «فن الأدب (نظرية المحاكاة)»؛ فواحد من الكتب الشارحة الممتازة في تاريخ الثقافة العربية، إذ تتجلى في هذا الكتاب الصغير (172 صفحة من القطع المتوسط) قدرتها العالية على التكثيف والإيجاز والشرح دون الوقع في فخ الإسهاب والتطويل الممل.

غلاف كتاب “فن الأدب”

تقول القلماوي في مقدمة الطبعة الثانية من هذا الكتاب “فرضت المكتشفات المتلاحقة الحديثة في وسائل الاتصال بالجماهير بصماتها الجبارة على كل الفنون، طبيعة وإبداعاً وتلقياً، لذلك وجدت أني إذا أردت أن أضيف الجديد أو أن أشرح أو أعالج بشكل أعمق أي جزء من هذا الكتاب، فإنني سأخرج بكتابٍ آخر قد تكون صلته بهذا الكتاب أضعف من أن نطلق عليه نفس العنوان، لذلك قررت أن ينشر الكتاب كما هو دالًا على مرحلة مهمة من مراحل الدراسات النظرية في الفن والأدب في جامعتنا”، مشيرة إلى أن بدايات الدراسة النظرية كانت تبشر بأكثر مما قد تحقق فعلا في هذا الميدان، وألحقت القلماوي هذا الكتاب بدراسة عن أداة الأدب، وعن وظيفته، بحيث تكمل الصورة من الماهية والأداء والوظيفة على نحو من الأنحاء.

وتستعرض القلماوي تاريخيا بزوغ الفكرة في تربتها اليونانية القديمة منذ أقدم العصور، وتتوقف عند فترة إبداع أثينا الذهبية في القرن الرابع قبل الميلاد، حينما ظهر مسرح أثينا وأثره في الشعب والفكر معا، وتشير إلى الأثر الكبير الذي مارسه كل من أفلاطون وأرسطو في تاريخ النقد وفلسفة الفن والجمال عموماً.

اقرأ أيضًا: من التحول إلى الإلحاد.. قراءة لفكر أدونيس في الثابت والمتحوِّل

ومن ثم تعرض لآراء أفلاطون في الجمهورية وما رسمته وما حددته من طبقات ومقامات وطبقة الشعراء فيها، ثم تحلل الموقف الهجومي الذي اتخذه أفلاطون من الشعر والشعراء ومفهوم المحاكاة في إطار استخدامه للفظة في سياق تأملاته وأفكاره.

ينقسم الكتاب إلى خمسة فصول يتناول أولها النقد اليوناني القديم، وقيمته، والفصل الثاني يتحدث عن أثينا ومسرحها، أما الفصل الثالث بعنوان (أفلاطون والمحاكاة)، فيما يتحدث الفصل الرابع عن (أرسطو والمحاكاة) وأخيرًا يعالج الفصل الخامس (المحاكاة بعد أرسطو وأفلاطون).

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة