الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

من بوشكين إلى بوتين.. الفكر الإمبراطوري في الأدب الروسي

كيوبوست- ترجمات

فولوديمير يرمولينكو♦

مع استمرار الحرب في أوكرانيا، بدأت المجالات الفكرية والثقافية وحتى التاريخية تتأثر بتداعيات الحرب. موقع “فورين بوليسي” نشر مقالاً بقلم الفيلسوف الأوكراني فولوديمير يرمولينكو يعكس بوضوح حجم الشرخ الذي أصاب العلاقات الثقافية التي تربط أوكرانيا وروسيا.

يشير يرمولينكو في مطلع مقاله إلى العدد الكبير من الشوارع والساحات الأوكرانية التي تحمل أسماء أدباء وشخصيات ثقافية روسية، الأمر الذي يعتبره تراثاً من الماضي الإمبراطوري الروسي. ويقول: “إن تسمية الشوارع في كل مدينة وبلدة وقرية بأسماء أدباء روس هي أداة من أدوات الإمبراطورية الروسية لرسم حدود فضائها الاستعماري والتحكم فيه”. ويرى الكاتب أن كل اسم روسي أطلق على شارع كان وسيلة لاستبعاد اسم أوكراني، وأن تسمية الشوارع كانت أداة لمحو الذاكرة الوطنية.

اقرأ أيضاً: دوستويفسكي وفلاديمير بوتين.. ما الذي يجمع بين الكاتب والعميل السابق للمخابرات؟

ثم ينتقل يرمولينكو إلى الإضاءة على الدور الذي لعبه الأدباء الروس الكبار في تشكيل ونقل وترسيخ الأيديولوجية الإمبريالية الروسية والنظرة القومية إلى العالم. ويضرب مثالاً على ذلك بالأديب الروسي ليرمونتوف، الذي حملت العديد من قصائده نظرة استعمارية مؤيدة للاحتلال الروسي للقوقاز. ثم ينتقل للإشارة إلى بوشكين، وكتاباته التي حملت النظرة نفسها تجاه أوكرانيا، ويذكر على وجه الخصوص قصيدة “بولتافا” التي يصور فيها “الهيتمان” الأوكراني مازيبا الذي تمرد على القيصر الروسي بطرس الأكبر -الذي يعتبره الأوكرانيون رمزاً للمقاومة الوطنية ضد الهيمنة الروسية- على أنه خائن فاسق يسفك الدماء.

يرى يرمولينكو أن الأدب الروسي مليء بالخطاب الإمبريالي الذي يصور الغزو والقسوة الروسيين بشكل رومانسي، ويصمت عن ذكر عواقب السلوك الروسي. ويشير إلى أن هذه الرسائل موجودة في رواية الكاتب الروسي نيكولاي غوغول التاريخية الشهيرة عن أوكرانيا “تاراس بولبا”. ويرى أن غوغول تخلى عن هويته الأوكرانية، وتمسك بالهوية الإمبراطورية الروسية، وبذل الكثير من مواهبه لإثبات أن الهوية الأوكرانية عفا عليها الزمن، وأن الأوكرانيين بحاجة للروس حتى يتعلموا منهم الحضارة.

الأديب والبطل الوطني الأوكراني تاراس شيفشينكو- أرشيف

ولكن في المقابل هنالك أدباء أوكرانيون تمسكوا بهويتهم وثقافة بلادهم، مثل الشاعر والرسام تاراس شيفتشينكو الذي يرى أن الأوكرانيين هم شعب مناهض للاستبداد، وأن الروح الديمقراطية ليست من بقايا الماضي، بل هي أمل المستقبل. وقد أطلق في قصيدته “كافكاز” شعار “قاتل وستنتصر” الذي أصبح أيقونة في الصراع ضد استبداد القوة الإمبريالية الروسية.

ويقارن يرمولينكو بين الأدب الروسي وسياسات الغزو الروسية اليوم، ويرى في قصيدة بوشكين “افتراء روسيا” مثالاً ساطعاً على فكر مناهض لأوروبا يدعم الإمبريالية الروسية العدوانية. ويشير إلى أن تعامله مع الانتفاضة البولندية عام 1830 يشبه إلى حد كبير وجهة نظر الكرملين الحالية تجاه ما يعرف بالثورات الملونة في دول الاتحاد السوفييتي السابق. وكما ذكَّر بوشكين أوروبا بضخامة الفتوحات الروسية “من سهول كوليشان الحارة إلى جبال فنلندا الجليدية”، يرفع الجنود الروس اليوم في حربهم على أوكرانيا شعار “يمكننا أن نعيد الكرة”.

اقرأ أيضاً: أدباء وشعراء أسهموا في الحفاظ على الهوية الأوكرانية.. فمَن هم؟

ويلفت كاتب المقال إلى أن النقاد الغربيين عندما يتحدثون عن العصر الذهبي للأدب الروسي يقدمونه على أنه صراع فكري بين التيارين الغربي والسلافي، وهم بذلك يتجاهلون الإمبريالية المشتركة بين هذين التيارين. فحتى من يسمون بالغربيين كانوا يؤمنون بالاستثنائية الروسية، وغالباً ما تحولوا إلى معارضين شرسين لما تمثله الليبرالية الأوروبية. وأكثر من يمثل هذا التيار الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي الذي تحول من الراديكالية الاشتراكية في شبابه إلى الأصولية الدينية، ووصف الأفكار الغربية في روايته “الشياطين” بأنها إغراءات شيطانية يجب إدانتها.

وبغض النظر عما إذا كان هؤلاء الأدباء قد اعتنقوا ظاهرياً الأفكار الغربية أم لا، فإن أفكارهم القومية والإمبريالية قد ساعدت في دفع روسيا نحو المزيد من الاستبداد. وحتى الأفكار التقدمية الغربية التي وصلت إلى روسيا تحولت -سواء في عهد بطرس الأكبر أو في عهد البلاشفة- إلى استبداد جديد بني على الأفكار الاشتراكية الأوروبية.

الشاعر الروسي ميخائيل ليرمونتوف- أرشيف

ولا يزال هذا الواقع مستمراً حتى اليوم، وعندما دمرت روسيا الشيشان في التسعينيات، وأثارت صراعات انفصالية مصطنعة في مولدوفا وجورجيا عام 2008، وغزَت أوكرانيا في عام 2014 كان لكل هذه لأعمال الوحشية أسسها في الأدب الكلاسيكي الروسي وأفكار مؤلفيه. والرواية الدعائية الروسية الحالية عن الأوكرانيين على أنهم مجرمون نازيون ومصيرهم الموت أو الاستسلام، هي نسخة عن الصورة التي رسمها بوشكين للقوزاق والأوكرانيين على أنهم قتلة دمويون. كما أن عداء بوتين وجهوده لقلب الثورات الملونة في أوكرانيا وغيرها هو انعكاس لكتابات تيوتشيف التي قدمت روسيا في القرن التاسع عشر على أنها المنقذ لأوروبا من شرور الديمقراطية.

اقرأ أيضاً: مستنداً إلى التاريخ.. بوتين يكتب: الروس والأوكرانيون كانوا شعباً واحداً (1-3)

ويخلص يرمولينكو إلى أن الثقافة الروسية ليست هي الدافع الوحيد وراء الجرائم الروسية، وإلى أن العلاقة بين الثقافة والسياسية ليست دائماً علاقة خطية. ولكن من السذاجة تبرئة الثقافة الروسية من الخطاب الإمبريالي الكامن في صميم السياسة الروسية منذ قرون. ويختم يرمولينكو مقاله بقوله: “إذا كنت تبحث عن جذور عنف روسيا ضد جيرانها ورغبتها في محو تاريخهم، ورفضها لأفكار الديمقراطية الليبرالية، فإنك ستجد الكثير من الإجابات في صفحات مؤلفات بوشكين وليرمونتوف ودوستويفسكي”.

♦فيلسوف أوكراني، ورئيس تحرير مجلة “عالم أوكرانيا”، ومدير التحليلات في موقع “إنترنيوز أوكرانيا”.

المصدر: فورين بوليسي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة