الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون دوليةمقالات

من المرجح أن يستمر دور عُمان كقناة موثوق بها بين الولايات المتحدة وإيران

د. دينيس ساموت

لعبت سلطنة عُمان، في أوقات مختلفة على مدار العقود الأربعة الماضية، دوراً كقناة اتصالٍ موثوق بها بين القيادة الإيرانية والحكومة الأمريكية. وتطور هذا الدور على مرّ السنين، وصمد رغم التغيرات السياسية في كل من طهران وواشنطن، ويبدو أيضاً أنه صمد من تغير الخلافة في عُمان نفسها، بعد وفاة السلطان قابوس ومجيء السلطان هيثم بن طارق إلى السلطة. وتصف مصادر غربية مختلفة الوساطة العمانية بأنها كفؤة وفعالة.

العمانيون أقل من وسطاء وأكثر من رُسُل

تلعب عُمان دوراً حساساً في العلاقة المعقدة بين إيران والولايات المتحدة. وفي حين أنها لا تقوم بدور الوسيط بالضبط، ومن غير المرجح أن تشارك عُمان في جوهر القضايا، ولا أن تسهم في حلول خاصة بها يمكن أن ينظر فيها الجانبان، كما يفعل الوسطاء في كثير من الأحيان، فإن عُمان ليست مجرد رسول. وجدير بالذكر أن إيران والولايات المتحدة تستخدمان المساعي الحميدة للدبلوماسية السويسرية التي تعمل نيابة عن الولايات المتحدة في طهران، عندما تحتاجان إلى تمرير رسائل رسمية إلى بعضهما البعض. ولذلك فإن دور عُمان هو مساعدة الطرفين على فهم رسائل بعضهما البعض، وبالقدر ذاته تسليمها أيضًا، والتأكد من فتح خطوط الاتصالات حتى في أصعب أوقات الأزمات، التي كان هناك العديد منها في السنوات الأخيرة. ولا تزال الولايات المتحدة ممتنة لسلطنة عُمان لدورها في هذه الوساطة، كما عبَّر عن ذلك وزير الخارجية بلينكن، في مكالمته الهاتفية مع نظيره العماني في 24 فبراير، التي أعرب فيها “الوزير عن تقديره لدور الوساطة الذي تقوم به عمان في تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة”، حسبما أوردت وزارة الخارجية الأمريكية.

اقرأ أيضًا: عام على العهد الجديد في عمان يكشف عن رغبة جادة في التغيير

دور الوسيط يتناسب مع استراتيجية السلطان هيثم الأوسع نطاقاً

يبدو أن عُمان سعيدة بلعب هذا الدور، وبالقيام به في سرية. وهذا يعود على قيادة السلطنة ببعض الفوائد الواضحة:

أولاً؛ إنه يعطي عُمان هيبة، وبدلاً من أن يُنظر إليها على أنها “سندريلا” الخليج، كما توصف أحياناً بشكل خاطئ، يُنظر إليها على أنها ند للقوى العالمية والإقليمية.

وفي هذا الصدد، قال وزير الخارجية العماني المعين مؤخراً بدر البوسعيدي، في كلمةٍ ألقاها أمام المجلس الأطلنطي في واشنطن في وقتٍ سابق من هذا الشهر، إن سلطنة عُمان مستعدة للمساعدة في إنقاذ الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015؛ “لكنها شعرت بأن خطوط الاتصال الأمريكية القائمة مع طهران يمكن أن تكون كافية”. وقال البوسعيدي إن مسقط تربطها علاقة جيدة جدًا مع كل من طهران وواشنطن، وأنها مستعدة للمساعدة إذا لزم الأمر، مضيفاً: “أعتقد أن القنوات مفتوحة مباشرة بين فريقي السياسة الخارجية في واشنطن وإيران. ولا أرى سبباً يمنع إعادة تنشيط هذه القنوات”. كان البوسعيدي محقاً تماماً في الظهور بمظهر التقليل من شأن دور عُمان، والتحدث بتكتم. وفي حين أن ذلك صحيح، أي أن هناك قنوات أخرى موجودة بالفعل، فإن دور عُمان كوسيط لا يزال صالحاً؛ لكن ينبغي أن يبقى بعيداً عن الأضواء.

السلطان هيثم بن طارق سلطان عمان – أرشيف

بالنسبة إلى بدر البوسعيدي، الذي تمت ترقيته مؤخراً، وآخرين برزوا في مناصب عليا في التغييرات الوظيفية التي تمت في المستويات العليا للأجهزة الخارجية والأمنية العمانية منذ تولى السلطان هيثم بن طارق، فإن استمرار دور الوساطة هذا يعتبر أيضاً دليلاً على أنهم الآن في الدائرة الداخلية لهيكل القيادة العمانية، وموثوق بهم في الداخل والخارج للتعامل مع المسائل الدبلوماسية الحساسة.

والسبب الثاني هو الوضع الجيوسياسي؛ ذلك أن دور الوساطة يسمح لمسقط بالحفاظ على علاقاتٍ جيدة مع طهران والولايات المتحدة في آنٍ واحد، وهو أمر لم تتمكن منه دول كثيرة. كما تحرص مسقط على إقامة علاقة متوازنة مع كل من إيران والمملكة العربية السعودية، ودول الخليج الأخرى. وفي حين أن عُمان عضو مؤسس في مجلس التعاون الخليجي، فإن مشاركتها في التجمع الإقليمي كانت دائماً منعزلة إلى حد ما.

وقد توترت علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى في بعض الأحيان، وبالنسبة إلى مسقط، وبالتالي من المنطقي أن تكون لديها علاقات جيدة مع كل من إيران والولايات المتحدة.

اقرأ أيضًا: السلطان قابوس الذي أخرج دولته من العصور الوسطى

ومع ذلك، أظهرت عُمان في كثيرٍ من الأحيان أن العلاقات الجيدة مع جيرانها في شبه الجزيرة العربية تمثل أولوية بالنسبة إليها. وقد ظهر ذلك مرة أخرى في الآونة الأخيرة بعد صدور “تقرير خاشقجي” في واشنطن العاصمة؛ حيث ذكرت وزارة الخارجية العمانية على الفور أنها تقف بشكل كامل إلى جانب المملكة العربية السعودية، وأيَّدتِ البيان الصادر عن وزارة خارجيتها بشأن مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي.

وقالت وزارة الخارجية العمانية، في بيانها: “تعرب وزارة الخارجية عن تضامنها مع المملكة العربية السعودية في موقفها من التقرير الذي قُدِّم إلى الكونجرس الأمريكي حول مقتل المواطن السعودي جمال خاشقجي. وتُقدِّر السلطنة جهود وإجراءات الجهات القضائية المختصة في المملكة في ما يتعلق بالقضية وظروفها”.

كما أن الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية السعودي إلى السلطنة، فضلاً عن الاتصالات المكثفة بين الدبلوماسية العمانية والأمريكية بشأن اليمن، تشير إلى أن عُمان تموضع نفسها بشكل يؤهلها للعب دور في حل الحرب في اليمن. ولطالما راقبت السلطنة عن كثب الأحداث في اليمن المجاور، وقد طورت على مر السنين شبكة نفوذها الخاصة في البلد الذي تمزقه الحرب.

وزير خارجية عمان خلال زيارته الأخيرة للسعودية – وكالات

السبب الثالث هو الاقتصاد؛ تحتاج عُمان إلى الاستقرار والسلام في الخليج في وقتٍ تبذل فيه جهداً كبيراً لتطوير اقتصادها في إطار رؤية 2040 التي قادها السلطان الجديد حتى قبل اعتلاء العرش. ولا تملك عُمان عائدات النفط المرتفعة، والاحتياطيات المالية الضخمة، كما هي الحال مع دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، باستثناء البحرين. ومن شأن حدوث أزمة أخرى في الخليج أن يلحق كارثة كبيرة باقتصاد السلطنة.

على مدار السنوات الثماني الماضية، لجأت عُمان إلى الاقتراض لتمويل عجز ضخم في الميزانية. وقد بدأ السلطان هيثم في اتخاذ عددٍ من الخطوات؛ لمحاولة إعادة ترتيب الوضع الاقتصادي، بما في ذلك خفض نفقات الموازنة بنسبة 14%. وهذا سيترك عجزاً قدره 2.2 مليار ريـال في عام 2021، وتدرس السلطنة إمكانية الاقتراض الذي سيغطي 73%، أو 1.6 مليار ريـال من العجز، على أن يتم سحب الـ600 مليون ريـال المتبقية من احتياطياتها، وفقاً للحكومة العمانية. واستندت الحكومة في خطتها إلى ميزانية عام 2021 إلى سعر النفط البالغ 45 دولاراً للبرميل، وقد يتحسن الوضع إذا استمر سعر النفط في التأرجح حول 60 دولاراً للبرميل.

العاصمة العمانية مسقط – أرشيف

واتخذت عُمان تدابير لمحاولة سد العجز؛ بما في ذلك فرض ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5% في عام 2021. كما قلَّصت الإنفاق على الدفاع والأمن بنسبة 14% إلى 2.9 مليار ريـال بدلاً من 3.5 مليار ريـال في الميزانية لعام 2020. وهذا مؤشر على أن السلطان هيثم لا يعتبر الدفاع بنداً مقدساً، وأن الإنفاق على هذا القطاع يحتاج إلى اتباع الاتجاه الوطني. ومع ذلك، فإن الاستقرار في المنطقة أمر بالغ الأهمية؛ وبالتالي فإن الاعتبارات الاقتصادية تتراجع أيضاً لصالح دور عُمان في لعب دور في الحفاظ على الحوار بين الولايات المتحدة وإيران خلف الكواليس.

اقرأ أيضًا: عمان 2040 على موعد مع كسر عزلتها وتجاوز أزماتها

ونظراً للأسباب الموضحة أعلاه، فإن الحافز الذي يدفع عُمان إلى مواصلة دورها كوسيطٍ بين الولايات المتحدة وإيران لا يزال كبيرًا. ومع ذلك، فعليها أن تفعل ذلك من خلال شخصيات قيادية جديدة إلى حدٍّ معقول، وذلك بعد غياب خبرات السلطان قابوس الذي توفي في يناير 2020، ويوسف بن علوي بن عبد الله، الذي كان وزيراً فعلياً للخارجية لمدة عقدين من الزمن، على الرغم من أن قابوس احتفظ بالحقيبة بنفسه.

وفي حين أن هذين الرجلين قد حددا ملامح السياسة الخارجية العمانية إلى حد كبير، فإن كلاً من السلطان الجديد، ووزير الخارجية الجديد، هما أيضاً من المطلعين الذين كانوا جزءاً من استراتيجية السياسة الخارجية العمانية. لذا، رغم أنهما قد يفتقران إلى بعض الخبرة التي اكتسبها أسلافهما، فإنهما سيعرفان بالضبط ما هو المطلوب منهما.

وبالتالي، فمن المرجح أن يزداد التأثير الدبلوماسي لسلطنة عُمان في المنطقة في عهد السلطان هيثم بن طارق. وفي عهد السلطان الجديد، يتم تقليص دور الجيش ومجلس الدفاع، وتحجيم رغبة الجيش في الحصول على المزيد من التمويل؛ لكن ينبغي أن تتم موازنة هذا مع دبلوماسية إقليمية أكثر نشاطًا.

♦مدير مؤسسة لينكس للحوار والتحليل والبحوث، ومراقب ومعلق متخصص في الشؤون الخليجية

لمطالعة النسخة الإنكليزية: Oman and the US Iran dialogue  

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة