الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

من التحول إلى الإلحاد.. قراءة لفكر أدونيس في الثابت والمتحوِّل

كيوبوست- أحمد المطرودي

هذه حصيلة قراءات عديدة قديمة استغرقت أولاها ستة أشهر، تبعتها قراءات أخرى ومراجعات لذلك الكتاب الذي قدَّمه أدونيسُ رسالةً للدكتوراه، في منتصف السبعينيات الميلادية (1975م) وقدَّم -من خلاله- مشروعه الفكري، الذي تلمَّس فيه مواطن الخلل في الفكر العربي والإسلامي؛ من خلال تتبع دقيق لمفردات الحياة العربية والإسلامية، ورصد آليات تلك الثقافة التي توسَّلت بها لإنتاج تلك المعارف.

وقد بهرني أدونيس -وما زال- بطول نفسه، واستقرار منهجيته، وحضور أهدافه في كل مفردة، أو فكرة يتصدَّى لها. وهذا يدفعني إلى استفزاز مفردات ثقافة المتلقي، وتعريضه إلى ما تعرَّضْتُ إليه.. وهي آثار ما زالت باقية، تتمثل في الوقوف منبهرًا من هذا الحضور، الذي دشَّنه أدونيس، من خلال كتابه (الثابت والمتحوِّل)، وهو انبهارٌ ربما لم أستطع أن أفيق منه بعد -رغم طول المدة- وربما أكون قد أفقت، وهي إفاقة أروم من ورائها الانتقال إلى دائرة تأمل ما قدَّمه أدونيس في كتابه؛ بل نقده وتقييمه.

 

وإجمالًا قد يحسن بنا -في مستهل هذا الحديث عن أدونيس وكتابه- أن نقول: إن أدونيس قد حرص على رصد مواطن التحول والإبداع في الفكر العربي والإسلامي، كما يجدر بنا أن ننظر إلى هذه الجزئية على أنها فكرة رئيسية من أفكار أدونيس في الكتاب، أقام عليها كتابه ومشروعه الفكري.

اقرأ أيضًا: طه حسين في ذكراه الـ46.. الإسهام المعرفي والثقافي

الفكر الثابت والفكر المتحول

والثابت -في الثقافة العربية- يقابل ذلك التحول المستهدف، وهو (الثابت) فكرٌ ينهض على النص، ومن خلاله، ويجعل ثبات النص حجة لثباته؛ بحثًا عن فرض سلطته واعتباره ممثلًا وحارسًا للذات، وهذا يسوِّغ لهذا المنحى وأصحابه أن يمارسوا سلطة معرفية، تجعلهم وحدهم في المشهد الثقافي.

وقد جاء الفكر المتحول في الثقافة العربية، من خلال صورتَين: إحداهما تتمثل في فكر متحوِّل، يجعل النص قابلًا للتكيف مع الواقع وتجدِّده، وتتمثل الصورة الأخرى في فكرٍ يعتمد على العقل؛ فلا يرى في النص أية مرجعية، وربما تشابه وتداخل نتاج هاتين الصورتين؛ فبعض تطبيقات حسن حنفي، ونصر حامد أبي زيد -على سبيل المثال- تنطلق من الصورة الأولى المتمثلة في تكييف النص الشرعي؛ لكنها تصل المرحلة الثانية من الصورة، التي تتكئ على العقل وحده.

وقبل أن ننخرط في تفاصيل رؤية أدونيس يجدر بنا أن ننوِّه بأن الثابت لم يكن ثابتًا باستمرار، كما لم يكن المتحول متحولًا دائمًا؛ فقد يتحول الثابت وقد يثبت المتحول، ومن أظهر الأمثلة على ذلك رسالة الشافعي (كتاب الرسالة) التي وضع فيها للعقل السلفي أدوات استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية (أصول الفقه) وهو عمل كان عند تدشينه يمثل قمة الإبداع والتحول؛ بل أكثرها أصالة في الفكر العربي، لكن تكرار المتأخرين لما ورد في تلك الرسالة دون إضافة نوعية جعل تلك الأفكار ثابتة؛ لا متحوِّلة!

والفكر الثابت الذي قال بالثابت النصي على المستوى الديني هو الذي كان يمثل رأي السلطة، وهو المهيمن على مفاصل الفكر العربي، وقد قاس ذلك الفكر الأدبَ والشعرَ على الدين، وهذا ما جعل القيم الأخلاقية والنفعية أداةً وحَكَمًا في تقييم الشعر والأدب، على حساب الجمال الذي يقاس فيه الشعر والأدب عند الأمم والثقافات الأخرى، وهذا -بدوره- جعل المعرفة الدينية الفقهية معيارًا عامًّا، تُقاس فيه بقية المعارف والفنون، وهو إشكال فكري وحضاري أعاق تطور حضارتنا.. وهذه رؤية تنسجم وتتداخل مع ما قاله الجابري من أن حضارتنا حضارة فقه ولغة؛ فكتب الفقه واللغة حظيت بشروح وشروح للشروح، بطريقة استنزفت قوى العقل العربي قرونًا طويلة!

وصارت المعرفة الخارجة عن النقل ظلالًا وابتداعًا مذمومًا، وهذا إشكال معرفي يفاقمه ويضخم دوره السلبي أن فهم النص حلّ محل النص، وأن قراءة النص التراثية السائدة قد حلَّت محل النص، وأقصت دوائر أخرى كانت تنظر إلى النص من زاوية أخرى غير النظرة التراثية الثابتة.

وحداثة اليوم امتداد للتحول، وهذا جانب مهم وأداة لازمة يجب اصطحابها في النظر لفكرة أدونيس الرئيسية في هذا الكتاب، وتلك حداثة تفترض نقصًا أو غيابًا معرفيًّا فات السابقين، ويقوم تعويض ذلك النقص على نقل معرفة، أو فكر مختلف، ينزع للابتكار والإبداع؛ انطلاقًا من لا نهائية المعرفة، ولا نهائية الكشف، وتأكيدًا لمبدأ التغاير والاختلاف والتعدد، واعتمادًا على الحاضر، واستشراف المستقبل؛ خلافًا للنظرة السلفية التي تجعل الماضي حاضرًا باستمرار، والتي تجعل النص متحكِّمًا بالواقع، لا متكيِّفًا معه؛ لأن هذا التحكم قد يلغي القول بصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، وهو قول يعطي ثقلًا للواقع وتغيراته، وهو قول عولجت بعض مفرداته في مباحث أسباب النزول التي سعت لمعرفة تلك البيئة التي زامنت بعضًا أو كثيرًا من تلك النصوص والأحكام.

موقف النظام السياسي من المرجعية الأصولية كما يراه أدونيس

كل ما تقدم من إضاءة يدفعنا إلى السؤال عن موقف السياسة والنظام السياسي من تلك الرؤى والوقائع والأفكار؟

النظام السياسي -كما يرى أدونيس- تماهى وانسجم مع النظرة الأصولية المرجعية، التي تقوم على الثابت وتدعو إلى التقليد، وتضفي على السياسي مشروعية يحتاج إليها؛ مقابل تمكين تلك النظرة وأصحابها من بسط أفكارهم وفرضها. ومن الطبيعي والحالة هذه أن يقمع النظامُ السياسي جانبَ التحول الذي قد يشغب على مشروعية السياسي، وقد يشكك في مشروعيته الوجودية؛ ولذا حارب السياسيُّ ذلك التحول؛ وهو ما جعل ذلك التحول لا يأتينا إلا نتفًا، جاءت في سياق الرد عليها والتقليل من شأنها وانتقاصها وتحقيرها!

ومن الطبيعي كذلك، والحالة هذه أن يصبح النص وتفسيره واحتكار تفسيره مكانًا لحرب القراءات والتأويلات، بل مكانًا لحرب السلطات؛ لأن تلك القراءات وتلك التأويلات أداة مهمة في سبيل السيطرة والتغلب، وهو ما جعل هذه الوسيلة تتضخم؛ حتى أصبحت غاية في ذاتها، أو قاربت ذلك وهو ما سوَّغ العنف باعتباره جزءًا من تلك القراءات، وباعتبار تلك النظرة الثابتة التي تحتكر فهم النص وتأويله تمثل الحق، وتتطابق مع الإرادة الإلهية المتمثلة في النصوص، وهو ما دفع ذلك الثابت لتصنيف كل ما يتعارض معه على أنه تعارض مع الحق!

إن ما فُهِم من النص قد يطغى على النص؛ فالفقه -بكل حمولته وحضوره الطاغي في العقل العربي التقليدي- فهمٌ للنص لا غير. وعندما نقدس أقوال الفقهاء ونحفظها؛ دون معرفة الأدلة التي تستند إليها، ودون معرفة آلية الاستنباط من تلك الأدلة فنحن -في ذلك كله- نغلِّب فهم النص على النص ذاته.

ويفاقم تلك المشكلة أن ما قننه العباسيون من تلك الآليات المنتجة (أصول الفقه) ما زال باقيًا كما كان. وإذا كانت المكوِّنات والآليات التي نمرر عليها النصوص لنخرج بالأحكام واحدة، أو متشابهة، لم تتغير منذ ذلك العصر العباسي؛ فما يخرج منها سيكون واحدًا أو متشابهًا. وهذا بدوره -يفسر العجز الفقهي عن التصدي لمفردات حياتية جديدة في مسائل الربا والبيوع والمعاملات، وهي مفردات لم تكن موجودة عندما دشَّن العباسيون أدواتهم وآلياتهم. وعجز المتأخرون عن إيجاد أدوات فكر جديدة تجاري ما جلبه الاحتكاك بالحياة الغربية المعاصرة والأمم والثقافات الأخرى.

وهذا التطرف في المنطلقات والرؤى والأحكام قاد إلى رفض حقائق الآخر المختلف دينًا وثقافة، وجعل الهوية الإسلامية تتطابق مع الانكفاء على الذات. والهوية -هنا- ليست مجرد الوعي؛ بل تشمل اللا وعي. والهوية غير العمياء -كما ينقل أدونيس عبد الكبير الخطيبي- تقوم على توتر علائقي خصب بين الأنا والآخر؛ فلا فصل دون وصل، ولا أنا دون الآخر.. وتلك الهوية لا تأتي من الداخل وحده، ولا من الخارج وحده؛ بل إنها تتمثل في ذلك التفاعل المتحرك والدائم، كما أن الهوية ليست في ما يثبت؛ بل في ما يتغير ويتحول. إنها تتجلى في الاتجاه نحو… لا في العودة إلى… وتظهر وتتطور في التفتح والانفتاح، ويقتلها التقوقع، وتتطور في التفاعل لا العزلة، كما أنها تبرز في الإبداع (التحول) ويخنقها الاجترار (الثابت).

تحول المعرفة الدينية إلى معيار عام

لقد تحولت المعرفة الدينية الخاصة إلى معرفة معيارية عامة، من خلال تمفصل وتداخل مزدوج بين الديني والسياسي من جهة، والثقافي من جهة ثانية؛ وهو ما جعل المعرفة التي لا تتكئ على النقل ضلالًا، وابتداعًا مذمومًا، وهو ما عطَّل كون الشريعة صالحة لكلِّ زمان ومكان. تلك الفكرة التي تقتضي وتتطلب اختلافًا في الرؤية، واختلافًا في المنطلقات؛ لأننا أمام نصوص ثابتة، وأزمان مختلفة متباعدة، وأمكنة متنوعة. ولابد -والحالة هذه- من أن يتحرَّك ذلك الثابت؛ ليحتوي ذلك المتحرِّك، وإلا سنبقى بعيدين عن مراعاة مستجدات عصرنا، نستقبل بين فترة وأخرى فتاوى لا تخلو من غرابة، وبُعْدٍ عن واقعنا، كتلك الفتوى التي جاد صاحبها بقوله، أو بتذكيرنا بتلك المقولة القديمة، التي تقوم على أن الجهاد يجب علينا إذا دخل العدوُّ الثغورَ. ومكمن الغرابة ماثل في محاولة تطبيق تلك المقولة في إحدى حروب الخليج الأخيرة، التي تنطلق فيها الطائرات من مطار هيثرو لتضرب في الخليج!

اقرأ أيضًا: خبراء لكيوبوست: مواجهة دعاة التطرف ضرورة، وأخطاؤهم يجب أن تتوقف

الخلافة مفتاح فهم التاريخ العربي

ويرى أدونيس أن في الخلافة مفتاحًا لفهم التاريخ العربي؛ لأن الخلافة لم تكن نقطة لقاء بين الدين والدنيا فحسب؛ وإنما هي رمزٌ لسيادة الدين على الدنيا.. ويرى أدونيس مفارقة تكمن في ذلك التأسيس الذي قام والنبي -صلى الله عليه وسلم- يُحتضَر.. وتلك –بوصفه- كانت مبادرة شبه انقلابية، سلكت طريق القوة؛ لا الحق. وهو طريق سيجعل الحياة العربية تنمو في حركة من الصراع على تلك الأحقية المستندة إلى القوة، كما أنه طريق يقوم على نفي الآخر المختلف المغاير؛ فمن يختلف مع ذلك المنحى الثابت المسيطر سياسيًّا والمهيمن ثقافيًّا يتحوَّل مصادمًا ومختلفًا مع ذلك الواحد النبوي الرباني؛ باعتبار الإجماع الدنيوي على واحد سياسي وجهًا آخر للإجماع دينيًّا على الواحد إلهيًّا، والواحد نبويًّا، وهذا يعود إلى انتقال رمز الواحد من مستوى الإيمان الديني التجريدي إلى مستوى الانحياز السياسي.

وبناء على ذلك التأسيس وما تبعه من مفردات ثقافية وسياسية بقيت منسجمة معه.. وبناء على غياب تساؤلات وأسئلة مستفِزَّة لم تعرفها ثقافتنا الموروثة المهيمنة.. ولأن الثقافة تتحول حسب الأسئلة التي نطرحها عليها؛ فقد بقيت ثقافتنا ثابتة جامدة خارج الحركة التاريخية!

طريق الإصلاح التحرر من السلفية

ويرى أدونيس أن طريق الإصلاح لابد أن يقوم على هدم البنية التقليدية السائدة للفكر العربي؛ فما الآلية التي عمل بها لتحقيق ذلك الهدم؟

الثقافة العربية السائدة بشكلها الموروث ذات مبنى ديني، وهي ثقافة اتّباعية، لا تكتفي بالاتّباع وممارسته؛ بل تحارب الإبداع وتدينه. وهذا ما حال ويحول -وَفق رؤية أدونيس- دون أي تقدم حقيقي. ولا يمكن أن تنهض الحياة العربية ويبدع الإنسان العربي ما لم تتغيَّر كيفية النظر والفهم التي وجَّهت الفكر العربي، وما زالت توجِّهه. وهذا يتطلب -وَفق رؤية أدونيس- هدمًا للبنية القديمة التقليدية السائدة للفكر العربي، ولا يجوز أن يكون ذلك بآلة من خارج التراث العربي؛ بل بآلة من داخله؛ فهدم الأصل يجب أن يمارَس بأدوات الأصل ذاته.

وكل عمل خلَّاق مغيِّر يكون جذريًّا شاملًا أو لا يكون.. والتمحور حول الماضي موتٌ آخر. إن الآفاق التي يفتحها الحاضر والمستقبل أغنى وأوسع، وهذا يتطلب تحرير الإنسان العربي من كل سلفية معيقة، كما يتطلب إزالة القدسية عن الماضي، والنظر إليه باعتباره جزءًا من تجربة، أو معرفة يحق لنا الفخر بها؛ لكنها تبقى تجربة غير ملزِمة. إن معنى الإنسان يتمثل في كونه خلّاقًا مبدعًا؛ لا من كونه وارثًا تابعًا.

اقرأ أيضًا: سلمان العودة: من “ملتقى النهضة” إلى السجن

مفاهيم الحركة الفكرية

قامت الحركة الفكرية على مفهومات بدأها الشافعي؛ وهي مرحلة تأصيل الأصول، التي صاغها عمر بن الخطاب في قوله: الحق قديم… اعرف الأشباه والأمثال، وقِس الأمور على ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله، وأشبهها بالحق. وهذا -حسب أدونيس- يظهر أن حلَّ مشكلات الحاضر موجودٌ في الماضي؛ لأن علاقة الحاضر بالماضي علاقة فرع بأصل؛ فليس الدين معرفة للغيب فحسب؛ بل الدين أصل لمعرفة العالم.

أصبحت الشريعة -بحكم الممارسة- مجموعة فروض، أو واجبات، أو مجموعة أوامر ونواهٍ. والمواطن -في المفهوم المعاصر- لا يزال يسمَّى مكلَّفًا؛ تأكيدًا على الانطلاق من مبدأ الواجب، لا مبدأ الحق. وهذا يجعل قيمة الإنسان متجسِّدة في تنفيذ الواجبات الملزَم بها. ومن الطبعي -وَفق ذلك المنظور- أن تمسي واجبات الفرد السياسية والاجتماعية أمرًا ثانويًّا؛ قياسًا بواجباته الدينية.

النظرة المعيارية الفقهية وانسحابها على الشعر والفنون

وعلاقة الناقد بالأصول الشعرية تشبه علاقة الفقيه بالأصول الدينية، وتبعًا لهذا النقد التقليدي كان الوقوف على النص الشعري كما الوقوف على النص الشرعي. والحَسَنُ هو ما يقرِّه الشرع، أو يأمر به، والقبيح ما لا يقرِّه الشرع، أو ما ينهى عنه، وليس للرأي أو للعقل أن يقرِّر الحُسْنَ، أو القبح. ولأنّ الموقف الفقهي من اللغة كان يهدف إلى تحديد معنى الكلمة أو العبارة أو الجملة تحديدًا يقينيًّا طلبًا للحكم الصحيح فقد جاء الموقف التقليدي من الشعر امتدادًا للموقف الفقهي، أو تنويعًا عليه، وفي هذا إغفال ظاهر لسمة الأدب الكبرى التي تقوم على قابليته لتعدُّد القراءات.. ويمثِّل الآمدي في موازنته تلك التقليدية بجلاء؛ فأبو تمّام: خرج عن سنن القوم؛ بل انتقل -من خلال إبداعه- ليكون من أهل الوساوس!

والشعر -وفق تلك النظرة- يجب أن يكون وصفًا للشيء على ما هو، وكما شوهد، من غير اعتماد لإغراب ولا إبداع… والإبداعُ –هنا- سمةُ نقصٍ، سقط فيها أبو تمّام والمبدعون بعده.. وهكذا يصبح الكلام، ومن ضمنه الشعر شكلًا من أشكال التعامل الاجتماعي، ولا يجوز للشاعر أن يقول ما لا يفعل. لقد تحول الأدب سلوكًا بالقول، يهدف إلى تهذيب الإنسان، وتساميه، ولم يعد الأدب ممارسة لغوية ينتج عنها ابتكار أشكال تعبيرية متنوِّعة.

لمزيد من الاطلاع: مديح ادونيس للوهابية

والتعبير –دائمًا- وفي كل الأغراض والسياقات يجب أن يرتبط بمضمون ديني أخلاقي، ويدخل في هذا الإطار العام الشعرُ؛ فلا يُنظَر إليه بذاته، وإنما يُنظَر إليه باعتباره كلامًا. والكلام وسيلة المقاصد، ومتى كان المقصد حسنًا فالشعر حسن. والقيمة –هنا- ليست في الشيء ذاته؛ بل في ما يضاف إليه. ومن الطبيعي وفق هذا المنظور أن يصبح الشعر عقليًّا، تنتظمه وتحرِّكه أفكار جماعية؛ لا فردية، وهذا ما قاد –تاليًا- إلى اتّحاد علم الجمال بعلم الأخلاق، وهو اتّحاد ألغى الحدَّ الفاصل بين الشعر والقانون، وبين الثقافة والسياسة، وجعل أهل الاتّباع يثبِّتون الأشكال؛ بينما يعود المبدعون -باستمرار- إلى ما قبل التشكُّل، إلى المصدر والينبوع في تفجُّراته الأصلية، وطاقاته الكامنة فيه، ويرفضون فرض دلالات محدَّدة مارسها الأقدمون؛ ويبحثون عن انزياحات جديدة، وتراكيب جديدة، تسهم في تفجير طاقات اللغة، كما رأى أولئك المبدعون أن الكمال أمام الشاعر؛ لا خلفه؛ خلافًا لتلك النظرة الاتّباعية، التي تدعو للثبات، وتنفر من التحوُّل، وتنفِّر منه.

الفقيه كان وما زال رمزًا للحضارة العربية، وكل فكر فقهي يجنح إلى النقل والتقليد والاتّباع؛ لأنه -وفق منطلقاته النظرية- استنباطٌ للأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية: (القرآن الكريم، السنة، الإجماع، القياس) كما أنه -في غالبية مدارسه- فكرٌ يبطل العقل، ويقيم النقل.

وقد انسحبت تلك النظرة المعيارية الفقهية على الشعر، وكما أن للفقه أصولًا نهائية تحقَّقت في واقع الحياة العربية والإسلامية؛ فإن للشعر أصولًا نهائية تحقّقت -بشكلها المثالي- في الجاهلية، وصدر الإسلام ولا يسع مَن يأتي بعد هذين العصرَين إلا أن يحذو حذو أولئك السابقين، وهذا جعل الشعر شكلًا من أشكال العلم والمعرفة.

الدولة الأموية انشقاق بين الدولة والمجتمع

قامت الدولة الأموية على انشقاق سياسي وفكري، وهو -بتعبير أدونيس- انشقاق عمودي وأفقي، لم يكتفِ بالفروع؛ بل طال الانشقاقُ الأصولَ، وربما زاد من رقعة ذلك الانشقاق أن الدولة الأموية كانت قبلية بلباس مدني، وهذا -حسب أدونيس- يفسِّر الانفصال بين الدولة والمجتمع، وزاد من ذلك الانفصال أن السلطة كانت أميل إلى إخضاع مخالفيها من محاورتهم؛ انطلاقًا من مبدأ يقوم على أن الحقَّ تابعٌ للقوة، وهذا المناخ كان مناخًا مناسبًا لقيام طبقة تحظى بمزايا؛ مقابل تصدِّيها لوضع تنظيرات أيديولوجية تسوِّغ نشاط السياسي، وتحارب مَن يخالفه، وقد استأثر السلفيون بحق التفسير الديني، وجعلوه وقفًا عليهم.

هل قامت الحركات الثورية العربية على شروط الإنسانية؟

ولم تقًم الحركات الثورية في تاريخ العرب والإسلام على وعي بشروط الإنسانية، ومصالح الإنسان الحقيقية، وهذا ما جعل تلك الثورات والحركات تهدف -بدرجة أولى- إلى إسقاط النظام، أكثر مما كانت تهدف إلى إقامة الحرية. ومن تلك الحركات تأتي الثورة القرمطية شاهدًا، وهي ثورة تزامنت مع ثورة أخرى على البنية الدينية والفكرية، كما أنها ثورة منهجية قامت على أن العقل قبل النقل، وأن الحقيقة قبل الشريعة.

حركة الاعتزال تنظير عقلي للدين

كما جاءت الحركة الاعتزالية تنظيرًا عقليًّا للدين، ونواةً أولى للفلسفة العربية؛ فقد كان الدين -قبل الاعتزال- تعليمًا لا تعليلًا.. تسليمًا لا تساؤلًا.. نقلًا لا عقلًا.. وتلك منطلقات جعلت من حركة الاعتزال -بوصف أدونيس- ثورة معرفية كبرى، صار العقل فيها محور المعرفة، ومع ذلك فهذه الثورة الاعتزالية -بوصف أدونيس كذلك- ليست ثورة أصيلة؛ رغم كونها ثورة منهجية؛ لأنها نظرة لم تستطع الخروج من الدين، بل قدَّمته في شكل جدل عقلي، ومن هنا كانت نمطًا آخر للضياع، أشد تعقيدًا؛ لأنّه لا يؤسس الغيب على الغيب؛ وإنما أسس الغيب على العقل، وأكد بالعقل ما ليس من شأن العقل.

ويرى أدونيس أن هناك سببَين منعا نشوء الفلسفة العقلانية بمعناها الخالص الجذري -استنادًا إلى حركة الاعتزال- وهما:

1- أن العقل العربي -بما فيه الفكر الاعتزالي- يفسِّر ظواهر الطبيعة بالفعل الإلهي المباشر والمستمر.

2- أن العقل العربي بقي أسطوريًّا؛ فهو -بوصف أدونيس- إيمانٌ ينطلق من مقدِّمات شرعية؛ بعيدًا عن التجربة.

التحول الحقيقي كما يراه أدونيس

وقمة التحول يراها أدونيس في تجربتَي ابن الراوندي والرازي اللذين انطلقا من حركة عقلية تنقد الوحي بذاته؛ فقد قالا -وَفق ما نقله أدونيس عنهما-: إن الوحي إما أن يأتي موافقًا للعقل، أو مخالفًا له، وإن كان الوحي موافقًا للعقل فإن العقل يغني عنه، ولا يحتاج إليه الإنسان، وإما إن كان الوحي مخالفًا للعقل فإن العقل مقدَّمٌ على الوحي، وهكذا يصبح الوحي في الحالتين نافلًا، أو باطلًا.

والخطوة الأولى -عند أدونيس- تتمثل في تحرير الإنسان العربي من الدين؛ لأن قدرة ذلك الإنسان -تاريخيًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا- مقيَّدةٌ بسلطة الوحي. وتلك نظرة أو نقد ينطلق فيه أدونيس من رؤية ترى في نهاية النبوّة بدايةً للواقع، وبداية للتجربة؛ ليصبح الفكر انبثاقًا من الواقع والتجربة، لا هبوطًا من الغيب، ولتصبح السياسة ممارسة إنسانية تقوم على العقل؛ لا ممارسة باسم الوحي.

اقرأ أيضًا: السوق الديني وصراعات رأس المال الرمزي

وهكذا يكون الإلحادُ “أوّلَ شكلٍ للحداثة في الثقافة العربية- الإسلامية؛ ذلك أن نقد الوحي في مجتمع يقوم على الوحي ليس حسب المنطق الإلحادي الشرط الأول لكل نقد وحسب، وإنما هو أيضًا الشرط الأول لكلِّ تقدُّم” على أن الإلحاد بقي عقليًّا؛ فلم يرافقه نقدٌ لأوضاع الإنسان ومشكلاته، وتلك سمةُ نقصٍ أبقت الإلحادَ في تلك الدائرة العقلية، فلم يقوِّض ما تأسَّس عليه الدين؛ بل اكتفى بأن يكون هدْمًا للدين فحسب.

مما قاله أدونيس عن عبد الله القصيمي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات