الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

من إيطاليا إلى الولايات المتحدة ومن كندا إلى الجزائر.. لماذا يحترق العالم؟

تلخيص: كيوبوست

د.رمزي بارود

تشتعل درجات الحرارة في روما، تلك المدينة الجميلة التي أصبحت لا تطاق لعدة أسباب أخرى. فعلى الرغم من أن كل ركن من أركان المدينة المُبهجة هو نصب تذكاري يمثل العظمة التاريخية، بدءاً من الكولوسيوم في ريون مونتي إلى بازيليك القديس يوحنا لاتيران في سان جيوفاني؛ فإنها تكافح الآن تحت وطأة تناقضاتها الخاصة.

اقرأ أيضاً: العالم يحترق منذ عدة أشهر.. وهكذا يبدو المشهد

وفي مدينة “فيا أبيا” حيث أعيش، تنضح الصناديق بالقمامة التي تتناثر في الشوارع مع الوقت. كما تنتشر الرائحة الخانقة؛ خصوصاً خلال هذا الصيف شديد الحرارة في إيطاليا. بينما تشتعل النيران في نواحٍ كثيرة من البلاد. فمنذ 15 يونيو، تم تسجيل استجابة رجال الإطفاء لـ37 ألف حالة طارئة متعلقة بالحرائق؛ منها 1500 حالة يوم 18 يوليو فقط.

وبعد أسبوع من هذا التاريخ، قُدت سيارتي بين كامبانيا في جنوب إيطاليا وأبروزو في الوسط، وقد لازمتني النيران والأدخنة طوال الرحلة؛ حيث تم إخلاء العديد من البلدات، إلى جانب تدمير آلاف الأفدنة من الغابات في ذلك اليوم. وسوف يستلزم التقييم النهائي لتكلفة هذا الدمار عدة أشهر؛ لكن بالتأكيد ستتجاوز التكلفة مئات الملايين من اليوروهات.

وصلت حرائق الغابات إلى شاطئ “لا كابانيني” السياحي في كاتانيا- جزيرة صقلية يوليو 2021- “رويترز”

وبالإضافة إلى ذلك، تشتعل النيران على امتداد جنوب أوروبا؛ حيث تضرب المنطقة أسوأ موجات حر تشهدها منذ سنوات. وتعاني كل من اليونان وإسبانيا وتركيا ودول البلقان الحرائق المستمرة.

على الجانب الآخر، وعبر المحيط الأطلسي، تحاول في يأس كل من الولايات المتحدة وكندا مكافحة حرائق الغابات، والتي غالباً كانت نتيجة مباشرة لموجات الحر غير المسبوقة التي ضربت أمريكا الشمالية من فانكوفر إلى كاليفورنيا، جنباً إلى جنب مع المنطقة الشمالية الغربية الأمريكية بأكملها؛ حيث سجلت كل من فانكوفر وبورتلاند وسياتل أرقاماً قياسية جديدة للحرارة خلال شهر يونيو، والتي بلغت 118 و116 و108 فهرنهايت، بالترتيب.

شاهد: فيديوغراف.. قرويون يتحدون أردوغان لحماية الغابات في تركيا

وعلى الرغم من أن الحرائق ليست كلها نتيجة مباشرة للاحتباس الحراري -فالكثير منها في إيطاليا، على سبيل المثال، من صنع الإنسان- فإن الزيادات غير المسبوقة في درجات الحرارة، إلى جانب التغيرات في أنماط الطقس، هي الأسباب الرئيسة لهذه الكوارث غير الهينة. وسيظل الحل لأزمة المناخ أكثر تعقيداً من مجرد امتلاك الموارد والمعدات المناسبة لاحتواء هذه الحرائق؛ حيث يستمر تأثير تلك المشكلات ملموساً لسنوات، حتى لو استقرت درجات الحرارة بطريقة ما.

تم إجلاء مئات الأشخاص في مقاطعة سردينيا بسبب الحرائق الهائلة.. إيطاليا 2021- “أسوشييتد برس”

ففي ولاية كاليفورنيا، على سبيل المثال، التي تستعد لموسم حرائق مروع آخر، لا يزال من الممكن لمس الدمار الذي حدث في السنوات السابقة. وقد ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز”، في 16 من يوليو، أنه “بعد عامَين من الجفاف استُنفدت رطوبة التربة، الأمر الذي أدى إلى تجفيف الغطاء النباتي وجعله أكثر عرضة للاحتراق”.

المشكلة ليست مؤقتة ولا سهلة الإصلاح

إذن يبرز السؤال الملح عن المسؤول حقاً عما يبدو أنه واقعنا الجديد الذي لا رجعة فيه؟! ففي إيطاليا، غالباً ما يتم تبسيط النقاش من خلال الخطاب السياسي المستقطب ذاته والذي يمكن التنبؤ به؛ حيث يشير كل حزب بإصبع الاتهام إلى الآخرين، على أمل الحصول على بعض الدعم قبل الانتخابات البلدية المقبلة في أكتوبر.

اقرأ أيضاً: حرائق غابات الأمازون.. الطبيعة في مواجهة الاقتصاد

غير أنه مرة أخرى، علينا أن نفهم أن إيطاليا ليست استثناء؛ حيث يوجه الاستقطاب السياسي في أوروبا والولايات المتحدة النقاش إلى منحنى آخر تماماً. ونادراً ما يتم تناول المشكلة من منظورها الكلي، بمعزل عن الحسابات السياسية. وبالتالي فلا يمكن ولا يجب أن يظل تأثير الاحتباس الحراري رهينة طموحات ووعود السياسيين.

عينة لمساحات قطع الأشجار في منطقة الأمازون البرازيلية.. حيث يقدر العلماء أنه بحلول عام 2030 يمكن أن ينتج عن ذلك 3 أضعاف انبعاثات الكربون التي تنتجها الولايات المتحدة في السنة- “الغارديان”

فبينما يعاني الملايين من الناس، وتُدمر سبل العيش، ويتعرض مصير الأجيال القادمة إلى المزيد من الخطر، لن يهم سواء تم انتخاب العمدة الحالي لروما، فيرجينيا راجي، لولاية أخرى أم لا.

وتسلط الباحثة رينيه تشو، من خلال مقالاتها في موقع كلية كولومبيا للمناخ، الضوء على العلاقة الواضحة بين شهيتنا التي لا تشبع للاستهلاك وتغير المناخ؛ حيث تسأل تشو: “هل تعلم أن الأمريكيين ينتجون نفايات أكثر بنسبة 25% من المعتاد بين عيد الشكر، ويوم رأس السنة الجديدة، ويرسلون مليون طنٍ إضافية في الأسبوع إلى مقالب القمامة؟”. ويقودنا هذا إلى التفكير في العلاقة الوجودية بين عاداتنا الاستهلاكية التي لا تشبع والضرر الذي لا يمكن إصلاحه الذي ألحقناه بأمنا الأرض.

شاهد: فيديوغراف.. الأرض تستنفد مواردها

فنحن الآن مثلاً في موسم تخفيضات الصيف في إيطاليا؛ حيث تنتشر لافتات “التخفيضات” في كل مكان، ويستحيل على العديد من المتسوقين مقاومة الإغراء. وبالتالي، فإن تلك النزعة الاستهلاكية المختلطة -العمود الفقري وخط الانهيار للرأسمالية في الوقت نفسه- تأتي بثمنٍ باهظ؛ حيث يتم تشجيع الناس على الاستهلاك أكثر، كما لو أن هذا الاستهلاك ليس له تداعيات على البيئة على الإطلاق.

بقايا مجمع سكني مدمر بعد اندلاع أسوأ حريق شهدته ولاية كاليفورنيا عام 2017.. حيث احترق 440 ميلاً مربعاً- “أسوشييتد برس”

وفي الواقع، تعد مدينة “فيا أبيا” صورة مصغرة ومثالية لمرض انفصام الشخصية العالمي؛ فالناس يشكون من الحرارة والقمامة، بينما يستهلكون في الوقت نفسه أكثر من حاجتهم، وبالتالي ينتجون المزيد من القمامة، وفي النهاية تتفاقم الكارثة البيئية.

وبلا شك تتطلب المشكلات الجماعية حلولاً جماعية؛ حيث لا يمكن أن ننسب تفاقم حرارة إيطاليا إلى النسبة الضئيلة من الحرائق المتعمدة، كما أن حرائق الغابات في كاليفورنيا ليست مجرد خطأ رئيس بلدية مهمل. إن الاحتباس الحراري هو، في جزء كبير منه، نتيجة نمط مدمر من الاستهلاك والجشع؛ حيث لا يمكن للرأسمالية أن تحيا وتزدهر إلا من خلال الاستهلاك غير المحدود، وعدم المساواة، وعند الضرورة، الحرب.

اقرأ أيضاً: العالم تحت الخطر.. بماذا تنبئ درجات الحرارة في قادم السنين؟

وإذا واصلنا الحديث عن الاحتباس الحراري دون مواجهة خطر نمط الحياة الاستهلاكي الذي أسهم بالدور الأكبر في الأزمة؛ فلن يثمر الحديث عن أي شيء. والخلاصة إذن، أن كل المؤتمرات والتعهدات والمناورات السياسية لن تطفئ حريقاً واحداً، لا في إيطاليا ولا في أي مكان آخر في العالم.

♦صحفي وزميل باحث في مركز الإسلام والشؤون العالمية.

المصدر: موقع سكوب نيوز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة