الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

من أفغانستان إلى أوكرانيا: خطر المقاتلين الأجانب في أوروبا

كيوبوست- ترجمات

ياسين الجندوزي♦

في ديسمبر 1979، غزا الاتحاد السوفييتي أفغانستان للدفاع عن حكومته الشيوعية بالوكالة في كابول ضد التمرد المتنامي آنذاك. ومع تحول الوجود السوفييتي في أفغانستان إلى احتلالٍ طويل الأمد، أصبحت بيشاور، باكستان، مركزًا لحشد المقاتلين وتنظيمهم عبر الحدود إلى أفغانستان. وانتقل الميسرون (من قاموا بتسهيل نقل المقاتلين) مثل الناشط الإسلاموي الفلسطيني عبد الله عزام من إسلام أباد إلى بيشاور لتقديم الدعم والمساعدة لما أصبح يعرف باسم حركة المجاهدين1. الخبرة شبه العسكرية الطويلة، وشبكات المعارف الواسعة التي اكتسبها عزام من تعليمه الإسلامي، في مصر والأردن والسعودية وسوريا، منحته نفوذًا أيديولوجيًا وعمليًا لحشد المقاتلين الأجانب ضد السوفييت.

في البداية، كان الغرض من تأسيس تنظيم القاعدة في عام 1988 في أفغانستان هو محاربة الشيوعيين. في ذلك الوقت، كان تنظيم القاعدة منظمة صغيرة من العرب ضمن تمردٍ أفغاني ضخم. وبحلول هذه المرحلة، هيمنت على التمرد الجماعات الإسلاموية، التي كانت تعرف مجتمعة باسم المجاهدين، وهي التي أنشأتها باكستان قبل الغزو السوفييتي، وتلقت الأموال والأسلحة من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، وعمليتها المعروفة باسم “عملية الإعصار”، منذ منتصف الثمانينيات، التي تم توجيهها من خلال وكالة الاستخبارات الباكستانية المشتركة. لقد رأت الولايات المتحدة، وهي محقة في ذلك، أن ما فعله السوفييت عمل عدواني صارخ يهدف إلى نشر الأيديولوجية الشيوعية، وكانت تنوي دعم الأفغان الذين يقاومون ذلك العدوان2. بيد أن وكالة الاستخبارات الباكستانية تلاعبت بهذه العملية.

اقرأ أيضًا: روسيا وأفغانستان وتهديد داعش لآسيا الوسطى

في باكستان، أُطلقت حملة لتشجيع الأجانب على السفر إلى أفغانستان للانضمام إلى المجاهدين. تدفق المقاتلون الأجانب من ثلاث وأربعين دولة، وبلغ عدد الذين شاركوا في الحرب الأفغانية بين عامي 1982 و1992 35 ألفًا3. اعتبر العديد من المتطوعين العرب الذين سافروا إلى أفغانستان، بمساعدة الجمعيات الخيرية الإسلامية التي تتخذ من شبه الجزيرة العربية مقرًا لها، أنفسهم عاملين في المجال الإنساني، وكثيرًا ما حاولوا الابتعاد عن الأنظار ومساعدة اللاجئين الأفغان الذين كانوا يقيمون في بيشاور وباكستان، بعد فرارهم من مناطق النزاع.

في الوقت نفسه، انضم عددٌ كبير من العرب إلى الجهاد ضد النظام الماركسي الأفغاني، وانضم بعضهم لاحقًا إلى تنظيم القاعدة. حصل العرب في أفغانستان على الكثير من الدعم الخارجي من المسلمين الغاضبين من الغزو السوفييتي لأفغانستان. على سبيل المثال، كان يحصل “مكتب الخدمات”، الذي أنشأه عزام، على قرابة 600 مليون دولار سنويًا من الحكومة السعودية، والأفراد الأثرياء في المملكة، خاصة أسامة بن لادن، الذي ذهب في نهاية المطاف إلى أفغانستان بنفسه4. أسَّس عزام وبن لادن “مكتب الخدمات” في بيشاور عام 1984، وبحلول عام 1986 كانت لديهما شبكةٌ من مكاتب جمع التبرعات والتجنيد في الولايات المتحدة، كان أبرزها مركز كفاح للاجئين في مسجد الفاروق في شارع أتلانتيك في بروكلين5.

أسامة بن لادن في نوفمبر 2001- أرشيف

في أعقاب رحيل القوات السوفييتية عن أفغانستان في فبراير 1989، خاصة بعد انهيار الحكومة الشيوعية في كابول في أبريل 1992، غادر معظم العرب أفغانستان: فقد كانوا هناك لمحاربة محتل أجنبي، وفرض أيديولوجية غريبة إلحادية على أفغانستان، الأمر الذي لم يعد موجودًا. ولا شك أن تنظيم شؤون أفغانستان بعد الشيوعية كان أمرًا يخص الأفغان، ولم يكن هناك مبرر يُذكر لبقاء الأجانب بعد انتهاء الاحتلال. علاوة على ذلك، تورط المجاهدون في اقتتالٍ داخلي، ما أحبط معنويات العرب إزاء إحساسهم بالمهمة التي جاءوا من أجلها. بعد ذلك، عاد بعضهم إلى بلدانهم الأصلية، حيث تم تسريح بعضهم أو انضموا إلى كياناتٍ محلية -لا سيّما في الجزائر ومصر- التي شنت عمليات تمرد إسلاموية ضد حكوماتها في فترة التسعينيات.

تحولت جماعة فرعية أصغر من “العرب الأفغان” إلى العالمية، وأرادت توسيع نطاق عملياتها لتشمل الجهاد الإسلامي في أماكن مثل إسرائيل وكشمير. وكان هناك عدد من هذه الجماعات الصغيرة، ولكن بحلول منتصف التسعينيات طغى عليها جميعًا تنظيم القاعدة و/أو دارت في فلكه. من شأن نواة “العرب الأفغان” الذين أنشأوا تنظيم القاعدة أن تشن أو تلهم هجماتٍ إرهابية في إندونيسيا والفلبين ومصر والمملكة العربية السعودية والجزائر والشيشان ويوغوسلافيا السابقة، والعديد من مناطق الصراع الأخرى6. وفي نهاية المطاف شنت هجمات 11 سبتمبر 2001، التي أدت إلى سقوط نظام طالبان الذي كان يؤوي تنظيم القاعدة.

عناصر تابعة لتنظيم القاعدة – أرشيف

لقد كان انتشار شبكة القاعدة وأيديولوجيتها واقعًا ملموسًا عندما اندلعت الحرب الأهلية في سوريا في عام 2011. شعر متطوعون من مختلف بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالفزع من مشاهد الفظائع التي ارتكبها نظام سوري يهيمن عليه العلويون ضد تمرد أغلبه من المسلمين السنة، وشعروا بأنهم مضطرون لمساعدة “إخوانهم المسلمين”. لم يكن العديد من المقاتلين في هذه الموجة الأولى، وربما معظمهم، متطرفين إسلاميين، وانضموا إلى الجماعات المتمردة الأكثر قومية في “الجيش السوري الحر”. ولكن مع اشتداد العنف، وتدخل إيران علنًا من خلال ميليشيا حزب الله الطائفية في القصير في عام 2013، طغى التطرف، وازدهر الوجود الصغير للجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة، مثل جبهة النصرة، وتنظيم داعش7.

مستقبل المقاتلين الأجانب في أوكرانيا: هل هو تكرار للتجربة الأفغانية؟

لم تكن الظاهرة الجهادية مع “العرب الأفغان” ظاهرة عابرة. ذلك أن الأمر لم ينته بانسحاب الجيش السوفييتي من أفغانستان. اكتسب المقاتلون العرب الذين جاءوا من جميع أصقاع العالم خبرة قتالية، وشكلوا شبكاتٍ أصبحت مصدر قلق في دولهم الأصلية، وبعد ذلك في العالم، حيث انضم هؤلاء المتطرفون المتجولون إلى الحرب في البوسنة مع انهيار يوغوسلافيا، ثم انتشروا بعد ذلك إلى الشيشان والجزائر والعديد من الأماكن الأخرى في منطقة الشرق الأوسط.

اقرأ أيضًا: هل تصبح أوكرانيا “سوريا” اليمين المتطرف؟

بناء على ما سبق، يمكن أن تشكّل الحرب في أوكرانيا نقطة الانطلاق لتكرار تجربة مماثلة لما حدث في أفغانستان. ذلك أن هناك وجودًا راسخًا لليمين المتطرف في البلاد، وفي ظل الديناميات الجديدة بعد الغزو الروسي، هناك حديث قوي عن انضمام أفراد أجانب من جميع أنحاء العالم إلى جهود المقاومة التي تبذلها الحكومة الأوكرانية. حتى أن كييف أعلنت عن تشكيل فيلق دولي لهذا الغرض8.

من ناحيةٍ أخرى، يحاول العشرات من الأمريكيين والكنديين وغيرهم من الأجانب بالفعل حمل السلاح. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 17,000 مقاتل أجنبي من مختلف الدول قد انضموا إلى طرف أو آخر من الأطراف المسلحة في النزاع في أوكرانيا9. وعلى الرغم من أن الحرب في أوكرانيا تختلف عن الصراعات الجهادية، فإنها تثير بعض القضايا عند النظر في دور أي مقاتلين أجانب في المستقبل. يتوافق هذا الادّعاء مع اتجاه أوسع في النقاش الأكاديمي، حيث يحوّل الباحثون انتباههم بشكلٍ متزايد بعيدًا عن النزعة الجهادية الإسلاموية نحو مثل هذه الموجة المزعومة من الإرهاب اليميني المتطرف10. ومن الواضح أن هذا النقاش يستند إلى أساس أكثر صلابة في أوكرانيا، عن أي مكان آخر.

تختلف الحرب الروسية الأوكرانية عن صراعات الجهاديين- وكالات

لقد أحدثت الأزمة الأوكرانية موجةً من النشاط بين قادة الميليشيات اليمينية المتطرفة الأوروبية، الذين لجأوا إلى جمع الأموال، وتجنيد المقاتلين عبر الإنترنت، من خلال تطبيق (Paypal) والعديد من العملات المشفرة (بيتكوين وإيثريوم وترون). في 25 فبراير، أي بعد يومٍ من غزو روسيا لأوكرانيا، حثت الميليشيات اليمينية المتطرفة في فرنسا وفنلندا أنصارها على المشاركة في القتال للدفاع عن أوكرانيا. ومع ذلك، فمن الأهمية بمكان وضع هذه المشكلة في حجمها الصحيح: يقتصر وجود اليمين المتطرف على منظماتٍ محددة، أبرزها الجبهة الشعبية والحزب الراديكالي، ولا يملك أي منهما مقعدًا واحدًا في البرلمان الأوكراني11.

اقرأ أيضًا: فوضى جديدة للمقاتلين الأجانب في أوكرانيا ومخاوف من سيناريو سوري في المنطقة

تعد كتيبة آزوف، التي تصنّف ضمن الحرس الوطني الأوكراني وجناحه السياسي، حزب الفيلق الوطني، أبرز مظاهر مشكلة اليمين المتطرف في أوكرانيا. كتيبة آزوف جزءٌ رسمي من جهاز أمن الدولة، وساهمت في تدريب المدنيين على حمل السلاح ضد روسيا. ودعا قائد الجناح السياسي لكتيبة آزوف إلى “التعبئة الكاملة” للمجموعة، ووجّه المتطوعين نحو موارد التجنيد عبر الإنترنت. وفي هذا الصدد، ذكرت ريتا كاتز مديرة مجموعة سايت للاستخبارات (SITE)، في أواخر شهر فبراير أن العديد من الجماعات القومية النازية الجديدة، واليمينية المتطرفة، في جميع أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية، أعربت عن دعمٍ قوي لأوكرانيا، بما في ذلك من خلال السعي للانضمام إلى الوحدات شبه العسكرية في القتال ضد الروس حتى يتمكنوا من اكتساب الخبرة القتالية.

 لذا، فهناك مخاوف من أنه بمجرد حصول هؤلاء المتطرفين على هذا التدريب، سيعودون إلى ديارهم في الدول الغربية، ومن ثم يستخدمونه في شنِّ هجماتٍ إرهابية، وفي الجهود المبذولة لإثارة صراع أهلي، وذلك في إطار اعتقاد اليمين المتطرف بضرورة تدمير الحضارة قبل أن يتحقق مشروعهم العنصري12.

_____________________________________

♦باحث في مجال الإرهاب والتطرف بمعهد الأمن والشؤون العالمية بجامعة لايدن.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

المراجع:

[1] United Nations Office on Drugs and Crime, Foreign Terrorist Fighters A Guide to Judicial Training Institutes in MENA Countries, 1st Edition, Vienna, 2021.

[2] Ibid.

[3] Al Qaeda fighters in Afghanistan, Wikipedia, March 9, 2022 https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_%D8%A7%D9%8 4%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9

[4]     International Crisis Group Working to Prevent Conflict Worldwide, On 9/11 in Jordan:

Dealing with Islamic Jihadism. Report N43. 2005

[5] Ibid.

[6] Isabelle Duyvesteyn and Bram Peeters, Fickle Foreign Fighters? A Cross-Case Analysis of Seven Muslim Foreign Fighter Mobilisations (1980-2015). ICCT Research Paper, 2015.

[7] United Nations Office on Drugs and Crime, Foreign Terrorist Fighters A Guide to Judicial Training Institutes in MENA Countries, 1st Edition, Vienna, 2021.

[8] Ukraine’s Government Opens Website To Recruit Foreigners To ‘International Legion’, Radio Free Europe Journal, March 05, 2022, https://www.rferl.org/a/ukraine-recruiting- foreign-fighters/31737766.html

[9] Gijs Weijenberg & Jeanine de Roy van Zuijdewijn, The Forgotten Front: Dutch Fighters in Ukraine, Research paper, 2021, https://icct.nl/publication/the-forgotten-front-dutch-fighters- in-ukraine/

[10] Ibid.

[11] Far-Right Militias in Europe Plan to Confront Russian Forces, Planet concerns, 2022, https://planetconcerns.com/far-right-militias-in-europe-plan-to-confront-russian-forces/

[12] Annelies Pauwels, Contemporary manifestations of violent right-wing extremism in the EU: An overview of P/CVE practices, Radicalisation Awareness Network, Research paper, 2021.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة