شؤون خليجية

“منتدى تعزيز السلم” يحيي “حلف الفضول” لتعزيز السلام البشري

المنتدى يهدف إلى صناعة جبهة ترفض استغلال الدين في النزاعات والحروب

كيو بوست –

اجتمع 800 شخصية من 120 دولة على مستوى العالم، من ممثلي الأديان والمنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية، ونخبة واسعة من العلماء والمفكرين والباحثين والإعلاميين، في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، ضمن الملتقى السنوي الخامس لـ”منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة”، وذلك لبحث إطلاق «حلف فضول عالمي» يجمع العقلاء والحكماء من مختلف المشارب الفكرية والعقدية والأديان، سعيًا إلى تعزيز روح السلام المستدام في العالم والدفاع عن القيم الإنسانية، بعد أن أخذ المجتمع البشري يجنح في العقود الأخيرة إلى العنف والكراهية وتأجيج النزعات العرقية والدينية.

ويناقش المنتدى، على مدار 12 جلسة عامة وأكثر من ورشة عمل، نحو 70 ورقة بحثية، تستلهم تجربة حلف الفضول العربي، الذي عقدته 5 بطون من قريش قبل الإسلام، لنصرة المظلوم وردع الظالم.

اقرأ أيضًا: بين الوسطية والتطرف: الحرب الفكرية الإماراتية بذخيرة رقمية

الشيخ عبد الله بن بيه، رئيس منتدى تعزيز السلم، رئيس مجلس الإفتاء الإماراتي، قال في كلمته الافتتاحية للمنتدى إن الحاجة إلى حلف فضول عالمي تنبثق من الإيمان العميق والقناعة الراسخة بوجوب إعادة القيم المشتركة في حياة الناس، مؤكدًا أن الحلف يهدف إلى صناعة جبهة من رجال الدين، تدعو للسلام، وترفض استغلال الدين في النزاعات والحروب، وتعمل على إعادة التوازن في نطاق كل ديانة؛ لبناء الجسور بينها على أسس صلبة ودعائم قوية، قابلة للاستمرار والاستقرار، بالإضافة إلى تزكية العقود المجتمعية، والاعتراف بالتعددية، وإقرار الحرية الدينية.

وفي تصريحات خاصة إلى موقع كيو بوست، قال الدكتور محمد البشاري أمين عام المؤتمر الإسلامي الأوروبي: “إن منتدى تعزيز السلم في سنته الخامسة، يأتي للبحث في وضع إستراتيجيات ومعايير وروابط لأهل الأديان المختلفة للتعاون على الخير، ومن هنا جاءت فكرة حلف الفضول العالمي، الذي يعتبر أول رابطة وجمعية حقوقية شهدها التاريخ الإنساني قبل الإسلام، وأقرها الإسلام”.

ويضيف البشاري: “اشتملت جلسات المنتدى على محاور كثيرة منها التعددية والمواطنة ومشاركة المرأة في صناعة القرار السياسي والاجتماعي، وتفعيل دور المرأة في الدول الإسلامية خصوصًا”. وردًا على سؤال كيو بوست حول وجود مشاركات نسائية في المؤتمر تنتقد حالة تهميش المرأة في المجتمعات العربية، قال البشاري: “إن مالك بن نبي -مفكر جزائري- يعتبر أن تغييب المرأة عن الفقه الإسلامي 14 قرنًا أنتج لنا فقهًا ذكوريًا، لذلك يجب أن يخضع الفكر الديني لتجديد يراعي المستجدات التي نعيشها، خصوصًا شراكة المرأة للرجل في مختلف مهام الحياة”. 

وأكد البشاري، في تصريح تلفزيوني سابق، أن “حلف الفضول” هي مبادرة إنسانية عالمية تهدف إلى جمع بيت العائلة الإبراهيمية على أساس من الشرائع والتراكمات التاريخية، لافتًا إلى أنه يمكن أن يكون اليوم حلف الفضول العربي القديم -الذي يعتبر أول مرجعية حقوقية تناصر المظلوم والمستضعفين- مرجعية إنسانية يدعى إليها كل الطوائف الدينية الأخرى لإطلاق مبادرات عالمية من أبو ظبي، من أجل إحلال قيم السلم بعد تأصيلها فكريًا وشرعيًا ثم انتقالها إلى المرحلة العملية.

كيو بوستس

أهمية حلف الفضول العالمي

التأكيد على أهمية تأسيس حلف الفضول العالمي حضر في جلسات المنتدى التي ناقشت شروط إمكان قيامه بين الأديان، ومدى راهنية التعاون الديني في سياق الواقع المعاصر المحكوم بمنطق مغاير، والمحتكم إلى المواثيق الدولية الجديدة. وتناول المشاركون الأسس التي يفترض أن يقوم عليها حلف الفضول، سواء على مستوى المنظومة الأخلاقية أو على مستوى المنظومة القانونية الحقوقية.

واعتبر الحاخام البرفيسور روفين فايرستون، أستاذ ريجنشتاين المتخصص في اليهودية في العصور الوسطى والإسلام في كلية الاتحاد العبرية – الولايات المتحدة، خلال كلمته في الجلسة الأولى، أن تأسيس حلف الفضول في هذه المرحلة مثير ليس للأفكار فقط، وإنما للمخيلات أيضًا، لما ينطوي عليه من قيم تشكل غواية إنسانية حقيقية، ما يجعل الحلف كونيًا بشريًا، ويمكن أن يكون إرثًا مشرفًا للإنسانية يتم تعليم مزاياه في المدارس، وهذا الأمر أكده الشيخ حمزة يوسف نائب رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، في كلمته، حين قال إن أهمية حلف الفضول تكمن في أنه متفرد بخصوصيته الإنسانية المجردة، بعيدًا عن أية خلفيات معتقدية أو عرقية، مشيرًا إلى أن الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- عندما أقره، إنما هو كان يسجل مرحلة جديدة في تاريخ المواطنة في المدينة تتعايش مع مكوناتها الإثنية بصورة راقية، وتجمع البعد الحقوقي والأخلاقي بروح إنسانية مدهشة.

اقرأ أيضًا: علميًا: كيف تتسرب الدعاية المتطرفة إلى عقول الناس؟

وتطرق الدكتور شوقي عبد الكريم علام، مفتي جمهورية مصر العربية، في كلمته خلال الجلسة الثانية التي ناقشت فقه المعاهدات والمواثيق في الإسلام، إلى حلف الفضول التاريخي، مشيرًا إلى أن الاستقرار الذي شكله حلف الفضول، يندرج أيضًا في إطار وظائف الدولة، وهذا ما جعل الرسول الكريم ينوه إليه، وأنه لو دعي إليه في الإسلام لأجاب؛ لأن هذا ما كان يقوم به في مجتمع المدينة؛ ولذلك لم يعرف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه أعطى عهدًا ولم يف به، منذ اتفاقية «صلح الحديبية» التي تشكل فيصلًا مهمًا في السيرة النبوية.

وقال الكاتب الصحفي الإماراتي علي العمودي في تصريحات خاصة إلى “كيو بوست”: “انطلاقًا من رسالة الإمارات العربية المتحدة، والقيم التي تقوم عليها من التسامح وحسن التعايش، حرصت الدولة على تبني ودعم منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة -الذي أبصر النور في أبو ظبي، عاصمة التسامح- انطلاقًا من رؤيتها الشاملة نحو بناء المجتمعات المزدهرة من خلال حسن التسامح والتعايش الذي يصنع الاستقرار والسلام، ويحاصر التطرّف والإقصاء، وينفتح على الآخر بصرف النظر عن معتقده أو لونه أو عرقه”.

وأضاف العمودي: “منذ انطلاقته في أبو ظبي -عاصمة السلام والوئام والتسامح والتعايش- نجح منتدى تعزير السلم في المجتمعات المسلمة في إطلاق مبادرة متعددة، قامت في بداياتها على تكريس قيم الوسطية والاعتدال التي جاء بها الإسلام، وذلك في المجتمعات المسلمة التي يعاني الكثير منها من تسلط الأفكار المتطرفة القائمة على الفهم المغلوط لجوهر العقيدة، وقد كانت بذلك السبب والعامل الأول في انتشار الأفكار المتطرفة التي ارتكزت إليها الجماعات الإرهابية، وهي تلك الجماعات التي تناسلت من فكر جماعة “الإخوان” الإرهابية؛ بدءًا من تنظيم القاعدة وانتهاءً بداعش، وقد كانت ولا تزال وراء حروب العبث والفناء التي شهدتها وتشهدها تلك المجتمعات”.

اقرأ أيضًا: ما سر عداء الإخوان المسلمين للإمارات؟

وتحدث العمودي عن أهمية إطلاق حلف فضول عالمي قائلًا: “إن قيام حلف فضول جديد يجمع الأديان والمعتقدات الأكثر شيوعًا، واتباعها بعشرات الملايين من البشر، إنما يأتي لتطويق انتشار العنف والكراهية والتطرف والصراعات العرقية والدينية، التي انتشرت في ظل غياب حرص الجميع على إبراز القيم الإنسانية التي تجمعنا، التي تحث جميعها على احترام الاختلاف، والاعتراف بالآخر، وحسن التعايش والتسامح”.

وختم الكاتب الصحفي تصريحاته إلى كيو بوست قائلًا: “ومع غياب ترسيخ وتفعيل هذه القيم وجعلها أسلوب حياة، وليس مجرد قناعة أو معتقد، يمكن ملاحظة كيف فتك الاٍرهاب في العديد من المجتمعات، ونخرها التطرّف كما ينخر السوس في الصحيح من الأبدان والأشياء”.

 

نبذة عن منتدى تعزيز السلم

يأتي منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة الذي تحتضنه أبو ظبي ضمن جهود دولة الإمارات العربية المتحدة في إظهار الصورة الحقيقية للإسلام في وسطيته واعتداله، بما يعزز التسامح والسلام بين مختلف شعوب العالم، وهو أحد المبادرات التي أطلقتها الدولة خلال السنوات الماضية، بهدف تكثيف العمل محليًا وإقليميًا ودوليًا لمواجهة الفكر المتطرف، إذ يسعى المنتدى الذي أسسه الشيخ عبد الله بن بيه، ويحظى برعاية وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد، إلى تأكيد أولوية السلم باعتباره الضامن الحقيقي لسائر الحقوق، ويسهم بشكل ملموس في إيجاد فضاء رحب للحوار والتسامح وتعزيز دور العلماء في نشر الفهم الصحيح، والمنهجية السليمة للتدين.

وحصل المنتدى على اهتمام عالمي من قيادات سياسية ودينية وهيئات ومنظمات ومنتديات دولية مثل الأمم المتحدة؛ إذ نجح المنتدى في توقيع مذكرة تفاهم معها لتطوير التعليم الديني كخطوة غير مسبوقة يضيفها المنتدى إلى إنجازاته، كما نجح في إطلاق مبادرات نوعية منها إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي، وإطلاق الهاكثون الأول من نوعه في مجال تعزيز السلم “صنّاع السلام”، بشراكة مع حاضنة الأعمال الأمريكية أفنس لابس 2015، وهي فعالية جمعت عددًا من خبراء التكنولوجيا ومبرمجي الحواسيب وخبراء التصميم والجرافيك وبعض العلماء تحت سقف واحد؛ لابتكار حلول فعالة لمواجهة ثقافة العنف، وتطوير أدوات لتقريب خطاب السلم من الشباب، ودعم رسالة العلماء الرامية لتعزيز السلم وتبسيط لغتهم، بطريقة تستجيب لتطلعات الشباب المسلم، وتصل إلى أذهانه، وترضي طموحاته، وكذلك ردم الهوة بين المنظومتين العلمية والعملية في فضاء الشبكات الاجتماعية والإعلام الجديد.

كما يعمل المنتدى على مجموعة من الإصدارات العلمية، منها: موسوعة السلم في الإسلام، وسلاسل «تصحيح المفاهيم»، و«فقه السلم»، و«ملخصات مترجمة”، بالإضافة إلى منح جائزة الإمام الحسن بن علي الدولية للسلم سنويًا للعلماء والمفكرين من ذوي الإنجازات العلمية، والمبادرات العملية في صناعة ثقافة السلم، وتأصيل قيمها في المجتمعات المسلمة، التي تهدف إلى نشر وتعميم ثقافة السلم والحوار والتعايش، فضلًا عن السعي إلى تحديث وسائل وآليات ومناهج مخاطبة وإقناع الشباب المسلم، كي لا ينزلق إلى العنف والتطرف، إذ تستلهم الجائزة الموقف العظيم الذي وقفه سبط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أصلح بين فئتين عظيمتين من المسلمين، حقنًا للدماء، باعتبار أن الإمام الحسن بن علي رضي الله عنه، يليق به أن يكون قدوة حسنة لشباب المسلمين.

حمل تطبيق كيو بوست على هاتفك الآن، من هنا

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة