الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

منتدى “الدبلوماسية الدينية لبناء الجسور” يبصر النور في السعودية

ديفيد روزن: الملتقى تطور كبير يعزِّز الاعتدال لكنه لن يوقف التطرف العنيف

كيوبوست

شهد ملتقى “القيم المشتركة بين أتباع الأديان”، الذي احتضنته الرياض الأسبوع الماضي، ونظِّم من خلال رابطة العالم الإسلامي، مناقشاتٍ عديدة وموسعة بين رجال دين من مختلف الأديان، وسط حضور رفيع المستوى، وعرض لوجهات نظر مختلفة وآراء في موضوعاتٍ شائكة عدة، انتهت بإصدار إعلان “القيم الإنسانية المشتركة” الذي تضمن التأكيد على وجوب تفهم الخصوصات الدينية لكل دين أو مذهب، والتعامل معها بصفتها تمثل التنوع البشري المشمول بحكمة الخالق في الاختلاف.

اقرأ أيضاً: د.محمد العيسى لصحيفة “الأحد الفرنسية”: على مسلمي فرنسا احترام القانون

ومنذ أوائل الألفية الثانية ازدهرت المؤتمرات والمنتديات التي تجمع عدداً من قيادات الطوائف الإسلامية والديانات الإبراهيمية، إضافة إلى زعماء روحيين لدياناتٍ عالمية كالهندوسية والبوذية والسيخية. وواجه العالم أحداثاً دموية وحروباً أهلية واضطرابات استثمرت فيها العقائد الدينية والاختلافات، وعملت الجماعات المتطرفة على خطوط الصدع الديني واستثمرتها وقوداً عقدياً يضرم الفتنة ويبقيها متوهجة، ومع الأحداث العنصرية والأزمات التي عاشتها المجتمعات الأوروبية وغيرها بدا أن كثيراً من المؤتمرات والمنظمات المنادية بالحب والسلام بين أبناء الديانات والثقافات كمن يصرخ في واد لا أنيس به. فانفصال هذه المؤتمرات والبيانات الصادرة عنها عن الواقع، وعن الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، يجعلها تكرر الأفكار نفسها، وتجتر ما سبق لها تكراره في نسخٍ أخرى.

الحرب السورية تسببت بمقتل مئات الآلاف وشردت الملايين- “AFP”

 ويشهد العالم اليوم أزماتٍ على شتى الأصعدة، ومع الحروب الأهلية والاضطرابات التي تسببت بها أحداث الربيع العربي، شهد عالمنا العربي شتاء سيبيرياً فتك بالنسيج الاجتماعي، وبالوئام والسلم الذي عاشته المجتمعات العربية، وتهاوت صروحٌ من الانسجام بين الطوائف والديانات والعرقيات كانت متماسكة طوال قرون، ومع موجات الهجرة الكبيرة التي لم يشهد العالم لها مثيلاً منذ الحرب العالمية الثانية، واجهت الدول الأوروبية أحداثاً مؤلمة ودعوات عنصرية وإهانات منظمة للمقدسات، وكسراً لمحرماتٍ لم يكن يتوقعها أكثر العرافين السياسيين خبرة ومهارة.

واحتل العالم الإسلامي نصيب الأسد من الأحداث والجرائم التي أضرمتها الانتماءات الدينية والمذهبية.

قتل 56 شخصا على الأقل في تفجير استهدف مسجدا للشيعة، في مدينة بيشاور -“EPA”

 ومع كل ذلك، فإن لهذه المبادرات مؤشرات تحيي الرجاء وتبعث الأمل إذا ترجمت توصياتها إلى سياسات تأخذها الحكومات ومؤسساتها على محمل الجد.

وشهدت جلسات الملتقى مناقشاتٍ حول كيفية توظيف الأديان والمذاهب لخدمة الإنسانية عبر استذكار القيم المشتركة التي تربط الجميع باعتبارها منطلقاً مهماً ورئيسياً في البناء الإنساني، مع التأكيد على أهمية مراعاة الخصوصيات الدينية والثقافية لكل منطقة، فيما تمثلت أهمية الملتقى بالحضور رفيع المستوى سواء من المسؤولين الدينيين الروحانيين أو الرسميين، حيث ضم الملتقى وفود أكثر من 100 دولة حول العالم.

الدكتور محمد العيسي خلال الجلسة- وكالات

وأكد الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، محمد بن عبدالكريم العيسى، أن الإشكالية الأكبر في عالمنا اليوم هي غياب أو قصور الدور التوعوي للأسرة والتعليم ومنصاتِ التأثير الديني والاجتماعي، فهي السبب الأبرز لحالات الكراهية والعنصرية، وتصعيد نظرية حتميةِ الصدام والصراع الحضاري، داعياً إلى أهمية أن يكون للتعليم حول العالم اهتمامٌ بالمشتركات الإنسانية؛ بوصفها من أهمِّ محفزات القناعة بالرابطة الإنسانية الواحدة، واستيعاب حكمة الخالق في الاختلاف بين المكونات البشرية.

ووصف عبدالله بن بيه ملتقى الرياض بأنه خطوة غير مسبوقة في إطار مسيرة النهضة التي تشهدها المملكة تعكس الإيمان الصادق بقيم التعاون على الخير والوعي العميق بوحدة المصير والمسار.

يوم عالمي للمشتركات الإنسانية

المشاركون في الملتقى دعوا الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إقرار يوم عالمي للمشتركات الإنسانية، باعتبارها نقطة التقاء القيم الجامعة المحققة لثمرة الإخاء الإنساني، فيما أعلن المشاركون إطلاق منتدى عالمي باسم “منتدى الدبلوماسية الدينية لبناء الجسور”، من منطلق مركزية تأثير الأديان في المجتمعات الإنسانية، وإصدار موسوعة عالمية باسم “موسوعة القيم الإنسانية المشتركة”.

واعتبر رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، رئيس منتدى تعزيز السلم للمجتمعات المسلمة، عبدالله بن بيه، أن هذا الملتقى يمثل خطوة جديدة في مسار العمل الديني المشترك، حيث تجتمع الأديان المتنوعة لتجسّد اتفاقها في القيم الكونية، قيم السلام والتضامن والعدالة، وتبحث عن سبل تنزيل ذلك من خلال المبادرات العملية.

الشيخ عبدالله بن بيه خلال مشاركته في الملتقى
د.زيد الفضيل

يحتاج العالم إلى تخفيف الاحتقان السائد، والبحث عن القيم المشتركة التي تجمعه، بحسب الدكتور زيد الفضيل مدير البرنامج الثقافي بمركز الخليج للأبحاث، الذي يقول لـ”كيوبوست” إن التوافق حول القيم المشتركة، وتدخل العقلاء وعملهم معاً، سيؤدي لنجاح عملية مواجهة التطرف حول العالم، مشيراً إلى أن المملكة من خلال احتضان المؤتمر تسعى في ظلِّ قيادتها الحالية إلى استعادة مكانتها على الإطار الإنساني، وليس الإسلامي فقط.

يعتقد ديفيد روزين كبير الحاخامات، والمدير الدولي لشؤون الأديان في اللجنة اليهودية الأمريكية، ومقرها القدس، أن استضافة المملكة العربية السعودية تأتي متسقة مع مبادرة الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز، والتي رسخها الملك سلمان، بالتأكيد على سعي الإسلام لتحقيق العلاقات الجيدة والوئام في العالم، وأنه يجب على جميع الأديان أن تتحد معاً لتحقيق هذه الغاية.

ديفيد روزين

يشير روزين إلى أن تعيين الدكتور محمد العيسي بمنصب الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي أدى إلى إعادة تفعيل دور هذه المنظمة بشكلٍ كبير، حيث تواصل مع العالم وأظهر نفسه كمدافع عن فهم التسامح والتعاون بين الأديان، لافتاً إلى أن العيسي تواصل مع رجال الدين اليهود، وأدان معاداة السامية وإنكار الهولوكوست بقوة وزار المعابد اليهودية، معتبراً أن تنظيم المؤتمر من قبل رابطة العالم الإسلامي وإقامته في المملكة يعكس تغيراً كبيراً بالعديد من الأمور.

اقرأ أيضاً: تقرير من فيينا: المسلمون المعتدلون يتحدثون بصوت عالٍ

مشيرا إلى نتائج دراسة تتحدث عن أن 85% من الأشخاص يعتبرون الدين عنصراً أساسياً في حياتهم، بالإضافة إلى أن معظم النزاعات، وحتى وإن لم تكن دينية في الأصل، تنطوي بعمق على اختلافات الهوية الدينية، ويعتبر تعزيز السلام والعلاقات الطيبة أمراً مهماً في العلاقات الإنسانية، مؤكداً على أنه بالرغم من أن توصيات البيان الختامي الداعية للتسامح والاحترام وتقدير التنوع والتعددية بمثابة تطور كبير للعديد من المواقف التي ستعزِّز مكانة الأصوات المعتدلة المستنيرة، لكنها لن توقف التطرف العنيف.

مظاهرات مؤيدة لـ”شارلي إيبدو”- “أ ف ب”
جعفر الشايب

الكاتب جعفر الشايب المشرف على منتدى الثلاثاء الثقافي يقول لـ”كيوبوست” إن الأديان تلعب دوراً بالغ الأهمية سواء في السلم بين المجتمعات البشرية أو في الحض على الكراهية إذا ما تمت إساءة استخدامها، حيث يشهد عالمنا توترات وصراعات عديدة وعميقة وعلى مستويات مختلفة تستند على دعوات دينية بغيضة تخالف القيم والمبادئ التي من أجلها جاءت الأديان.

تفعيل التوصيات

يشدد زيد الفضيل على أن الأهم من إصدار التوصيات هو الاقتناع بها، وأن لا تكون شكلية بشكلٍ أو بآخر لأن توافر الاقتناع بها سيجعل لدى الجميع رغبة في تنفيذها على أرض الواقع، لافتاً إلى أهمية التفريق بين الحقوق والواجبات الإنسانية، وأن لا يكون من يقوم بالاضطهاد شريكاً في مثل هذه الاتفاقيات، خاصة وأنها تحتاج لبرامج عملية تترجم التوصيات على أرض الواقع.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة