الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

“مناضلون وليسوا ضحايا”.. كبار السن الأمريكيون من أصل آسيوي يقفون صامدين في وجه العنف الأبيض

كيوبوست- ترجمات 

هيلين زيا♦

بصفتي ابنة لمهاجرين من الصين، نشأت في نيوجيرسي في منتصف القرن العشرين، فقد تعلمت أن أحد عناصر الثقافة الصينية غير القابلة للتفاوض، أن الأطفال يُتوقع منهم أن يبجلوا الآباء والمعلمين وكبار السن. وفي العديد من الثقافات الأمريكية- الآسيوية يتمتع كبار السن بمكانة خاصة، فهم مُقدَّرون ومحبوبون؛ للحكمة التي اكتسبوها على مر السنين وكل ما تحمَّلوه. وكنت أعرف أنا وإخوتي أنه لا يجب أبداً تحدي أو تقليل احترام الكبار.

اقرأ أيضاً: الجرائم والعنصرية ضد الآسيويين ترتفع إلى مستوى قياسي خلال جائحة “كوفيد-19”

وبعد أن أمضيت عمري في استيعاب هذه الدروس، من المؤلم بشكل خاص اليوم أن أرى كبار السن الأعزاء، من أية خلفية، يصبحون أهدافاً لهذا النوع من الاعتداءات التي يتعرض إليها الآن الأمريكيون الآسيويون والشعوب الأصلية لجزر المحيط الهادئ. فقد ارتفعت أعداد التقارير التي ترصد حوادث الكراهية ضد مجتمعاتنا إلى عنان السماء؛ حيث زادت بنسبة 74% في الفترة من مارس 2020 إلى مارس 2021، والتي استهدف العديد منها مواطنينا من كبار السن.

والكثيرون منا قد توقعوا حدوث هذه الأزمة؛ ففي ديسمبر 2019، شعرنا بنذير شؤم مألوف، وهو تشاؤم ينبع من فهمنا لكيفية تعامل بلدنا مع أشخاص مثلنا عبر التاريخ. ومع اكتشاف فيروس كورونا في الصين، أعددنا أنفسنا. وكما هو متوقع، وبالسرعة نفسها التي وصلت بها الأخبار من ووهان إلى الولايات المتحدة، بدأت الأحياء الصينية في الإبلاغ عن أعمال تخريب ومضايقات مكثفة، بينما انهارت الأعمال التجارية.

تعرضت الجدة “تشوي فونج” البالغة من العمر 84 عاماً إلى الطعن خلال التسوق في الحي الصيني بولاية سان فرانسيسكو- مجلة “تايم”

وبثت محطات الأخبار التليفزيونية صوراً للأمريكيين الصينيين -في الولايات المتحدة– في تقاريرها عن الصين؛ مما يبرز أنماط الجهل الراسخة عند الأمريكيين البيض تجاه الأمريكيين الآسيويين. وفي مارس 2020، أطلق البيت الأبيض في عهد دونالد ترامب، خطاباً تحريضياً أعقبه تصاعد في حوادث الكراهية ضد الآسيويين في جميع أنحاء البلاد.

اقرأ أيضاً: مشاعر العداء للآسيويين أعمق مما تعتقد

وقد تسببت جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية العالمية في خسائر فادحة على مستوى الصحة والمجتمع والأسرة. وفي خضم مزيج سام من البؤس، والخوف، والتلميحات العنصرية، أصبح العديد من الناس على استعداد تام للهجوم. وامتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بصور مزعجة لاعتداءات لفظية وجسدية على شيوخنا.

وقد يكون هؤلاء الشيوخ مجرد شخصيات مجهولة بالنسبة إلى الأمريكيين؛ لكنهم بالنسبة إلينا ليسوا ضحايا مجهولي الهوية لمقاطع فيديو مشوشة. وهم قادة، ورواد كنائس، وعمال وأصحاب متاجر، وأجداد وأعضاء محبوبون في عائلاتهم ومجتمعاتهم، لهم أسماء ووجوه وكرامة، ويرغبون في أن يعرف العالم أنهم مناضلون وليسوا ضحايا، وأنهم ما زالوا صامدين، ويرفعون أصواتهم، ويقاتلون من أجل إنسانيتهم.

تومي لاو -63 عاماً- يقف بجانب أخته الكبرى ماجي داخل منزله في بروكلين حيث تعرض إلى هجوم عنصري وفقد وظيفته- مجلة “تايم”

وفي الثمانينيات، وخلال أزمة اقتصادية أخرى، سمع الأمريكيون قرع طبول اللوم المستمر عندما أعلنت الولايات المتحدة الحرب المالية على اليابان، مع تلميحات متكررة إلى بيرل هاربور. وفي ذلك المناخ المتطرف، تعرض شاب أمريكي- صيني يُدعى فنسنت تشين، إلى الضرب حتى الموت على يد اثنين من عمال السيارات البيض في ديترويت، اللذين قالا له: “بسببكم أيها الأوغاد، نحن عاطلون عن العمل”، وقد حُكم عليهما فقط بإطلاق سراح مشروط وغرامات.

اقرأ أيضاً: كيف يتم استغلال “كوفيد-19” لنشر الكراهية وتحقيق مكاسب سياسية؟

وقد حفزت جريمة قتل تشين المأساوية والظلم الذي لحق بالقضية حركة وطنية للحقوق المدنية، يقودها أمريكيون آسيويون، وكانت ديترويت مركزها على عكس المتوقع. وكنت قد جئت إلى المدينة في السبعينيات كناشطة شابة، وعملت في مصنع للسيارات قبل أن يتم تسريحي خلال فترة الركود. وقد رأيت بنفسي كيف يمكن إقناع السكان المحبطين بكراهية اليابان؛ لأنها تصنع سيارات تنافسية تتسم بالكفاءة من حيث استهلاك الوقود. كما قامت ألمانيا بذلك أيضاً، لكن من الأسهل استهداف كبش فداء يبدو مختلفاً.

وحتى الآسيويين الذين ولدوا هنا مثلي، لا يمكن أن يكونوا أمريكيين “حقيقيين”، ليس فقط عندما كانت الحروب ضد اليابان وكوريا وفيتنام والحرب الباردة المستمرة مع الصين تستحضر صوراً لعدو يشبه عائلتي. فقد كنا مقبولين فقط إذا التزمنا بالبنية التي تم اختراعها حديثاً لـ”الأقلية النموذجية” التي لا تتذمر، وكان الناس من حولنا ينظرون إلينا من خلال فلتر هذه الصورة النمطية.

أكد المتظاهرون في تجمع حاشد في بوسطن أن الأمريكيين الآسيويين كانوا يعانون العنصرية منذ فترة طويلة قبل أن تجلب الجائحة الأمر إلى دائرة الضوء- “إن بي سي بوسطن”

ولا شك أن تهميش الأمريكيين الآسيويين والشعوب الأصلية لجزر المحيط الهادئ متجذر بعمق في الثقافة الأمريكية؛ لدرجة أنه عندما كنت طفلة، لم نكن نظهر قط في الأخبار أو في الأفلام أو التليفزيون، إلا كمتسللين أعداء أو خدم مطيعين. ولم يكن يتم ذكرنا قط في الكتب المدرسية. ولا يزال هذا قائماً إلى حد كبير، باستثناء إشارات موجزة إلى العمال الصينيين الذين كانوا يبنون خطوط السكك الحديدية أو سجن الأمريكيين اليابانيين بشكل جماعي خلال الحرب العالمية الثانية. وعندما طلبت دراسة استقصائية حديثة من الناس في الولايات المتحدة تسمية أمريكي آسيوي بارز، كانت الإجابة الأكثر شيوعاً هي “لا أعرف”.

اقرأ أيضاً: كيف يعرِّض تاريخ طويل من العنصرية النساء الآسيويات في أمريكا للعنف؟

وقد شعرت بنات السيد كارل بالقلق على سلامة والدهن؛ لأنه يقضي وقته في المناطق التي وقعت فيها حوادث عنف. وتتذكر كريستال التي تبلغ من العمر 28 عاماً، أنها كانت تفكر في أن “ما يفعله مهم جداً، وعلى الرغم من وجود مخاطر؛ فلا يمكننا التوقف عن التفكير في ذلك”. ففي أبريل الماضي، عندما كان كارل في طريقه لزيارة رجل آسيوي كبير السن تعرض إلى الاعتداء في حافلة، ووقع ضحية لهجوم غير مبرر. ويتذكر سماعه رجلاً يصرخ بإهانات عنصرية ثم يصف “تلقيه لكمة في رأسه”.

وفي الجامعة، سعيت لتثقيف نفسي حول “عالمي”. وحتى ذلك الحين، لم أكن أعرف أن المسؤولين قد عملوا بشكل منهجي على تخليص البلاد من “الآسيويين”، أو كيف استهدف العنف الذي يمارسه البيض مجتمعاتنا. كما أنني لم أتعلم عن المساهمات القيِّمة التي قدمناها لهذه الديمقراطية الأمريكية. ولنتذكر حق الجنسية بالولادة؛ حيث يمكن لكل من ولد في الولايات المتحدة أن يشكر وونغ كيم آرك، وهو أمريكي من أصل صيني، على هذا القرار. 

أصيب التايلاندي فيشا راتاناباكدي البالغ من العمر 84 عاماً بجروح قاتلة في سان فرانسيسكو بسبب جريمة كراهية وتوفي بعد يومين في المستشفى- “تويتر”

كما لعب الأمريكيون الآسيويون أدواراً رئيسة في حركة الحقوق المدنية؛ من تنظيم عمال المزارع إلى الباب التاسع من تعديلات التعليم الذي يحظر التمييز على أساس الجنس في أي برنامج تعليمي أو نشاط يتلقى مساعدة مالية فيدرالية، والمساواة في الزواج، وتشريعات جرائم الكراهية وغيرها من الأمور. وخلال بحثي لإعداد كتابي الأول “أحلام أمريكية آسيوية”، اكتشفت كم أن عالمنا الأمريكي- الآسيوي لا يتم ذكره في الروايات الشائعة عن تاريخ بلدي. حيث لا يزال جدار الجهل القسري هذا يقسم عوالمنا.

ولم يكن الصمت المطلوب من “الأقلية النموذجية” حليفاً للقبول قط. ففي شبابي، سمعت إهانات بشعة تلقى في وجه عائلتي، وشاهدت والدَيَّ وأنا أشعر بالعجز -وهما أعز الأشخاص لديَّ- يتعرضان إلى العنصرية والإذلال. وفي فترة شيخوختي، لا يمكنني أن أحصي عدد المرات التي قيل لي فيها “عودي من حيث أتيتِ”، أو سؤالي من أين أنا حين تكون الإجابة بأنني من “نيو جيرسي” غير كافية.

اقرأ أيضاً: تفشِّي “كورونا” يرافقه صعود في كراهية الأجانب والعنصرية ضد الآسيويين

وفي 25 مايو الماضي، وبعد أن قيل له إنه لا يملك ما يكفي من المال لشراء السجائر، صاح أحد الزبائن بشتائم عنصرية، وهو يضرب الزجاج اللوحي على منضدة الخروج حتى تحطمت على جويس، التي تبلغ من العمر 63 عاماً، مما أصاب جبهتها بكدمات. وقد قالت: “نحن نعلم أننا سنُلعن كل يوم بينما نستعد للعمل”، ثم توقفت وهلة للتفكير، وأضافت: “لا أعرف كيف أصيغ هذا!”. فالعائلة ليس لديها خيارات أخرى بعد أن أدت الجائحة إلى انخفاض المبيعات بنحو 45%، واستقال الموظفون بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة.

لم يظهر الأمريكيون الآسيويون قط في الأخبار أو الأفلام أو التليفزيون إلا كمتسللين أعداء أو خدم مطيعين- “إن بي سي بوسطن”

وعوضاً عن ذلك، فإنهم يعملون 13 ساعة يومياً، 7 أيام في الأسبوع، وقد طوروا روتيناً للرد على الكراهية كالاتصال بالشرطة، وتقييم الضرر، وتقديم مطالبة تأمين. وبالطبع ليست هذه الحياة التي تخيلها مون لنفسه أو لعائلته عندما غادر كوريا الجنوبية إلى الولايات المتحدة عام 1983؛ لكنه استمر في العمل هو وجويس، إلى حد كبير للحصول على بعض المال، لتركه لطفلي مارك. يقول مون: “عندما جئت إلى الولايات المتحدة لأول مرة، كانت لديَّ أحلام كبيرة لم أحققها؛ لكني ما زلت أتمنى حياة أفضل”.

وبعد مرور ما يقرب من 40 عاماً على مقتل تشين، ما زلت أشعر بالفزع؛ لأن الكثيرين أعربوا عن دهشتهم، بل وصدمتهم، من وجود عنصرية معادية للآسيويين. ففي ذلك الوقت، تم تأطير الخطاب حول العرق على أنه أبيض وأسود، وفي هذه الألفية كان الأمر متشابهاً إلى حد كبير.

وحتى في الوقت الذي يتعرض فيه أفراد مجتمعاتنا الأكثر ضعفاً وتقديراً إلى الهجوم، ما زلنا نكافح ليتم الاعتراف بقضيتنا؛ تماماً كما كافح أولئك الذين سبقونا من أجل تسليط الضوء على قضيتنا والحصول على العدالة في القرنَين التاسع عشر والعشرين، وكما سعينا لتحقيق العدالة لـ”تشين”.

متطوعون من أوكلاند لمرافقة كبار السن الآسيويين الخائفين من الهجمات العنصرية- “إن بي سي نيوز”

واليوم، ومع وجود أكثر من 23 مليون أمريكي- آسيوي يشكلون ما يقرب من 7% من سكان الولايات المتحدة، لا يزال مواطنونا لا يعرفون سوى القليل أو لا شيء عن تاريخنا المشترك. فبعد عمليات القتل الجماعي للأمريكيين الآسيويين في أتلانتا وإنديانابوليس هذا العام، يبدو أن الناس أكثر انفتاحاً على الاعتراف بواقع العنصرية المعادية للآسيويين؛ لكن التحدي لا يزال قائماً.

اقرا أيضاً: ينبغي أن يكون التصدي لـ”وباء المعلومات” الأمريكية أولوية رئيسية لإدارة بايدن

وتقول وونغ، التي تبلغ من العمر 66 عاماً، إنه كان من الصعب مشاهدة شقيقها يواصل المعاناة بعد شهور؛ حيث تؤكد: “أشعر بالسوء تجاه الأمر”، مضيفة أنها تدعم لاو، عاطفياً ومالياً، كلما أحتاج ذلك. وفي غضون ما حدث، وعلى الرغم من كل ما تحمله؛ فلا يندم لاو على المشاركة في ذلك اليوم.

فمنذ هجرته إلى الولايات المتحدة من هونغ كونغ في سن 3 سنوات، واجه لاو العنصرية لفترة طويلة -وكان زملاؤه في المدرسة الابتدائية يتنمرون عليه كثيراً بسبب اسمه، كوك واه لاو، لدرجة أن معلمه قام بتغييره إلى تومي- وكان قد سئم من ذلك؛ حيث يقول: “إن حثالة الناس هم مَن يهاجمون كبار السن، وأنا لا أستطيع تحمل ذلك بعد الآن”.

♦كاتبة وصحفية وناشطة

المصدر: مجلة تايم

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة