الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

ملفات سرية: كيف تدور معارك ترامب مع وكالات الاستخبارات الأمريكية؟ (2)

كيوبوست – ترجمات

روبرت دريبر♦

في عهد ترامب، تعلم مسؤولو المخابرات “تطوير لعبة الإحاطة الاقتصادية”، كما أخبرني أحدهم. لكن الصدام الثقافي طرح مشكلات أكثر خطورة أيضاً. فقد اعتاد ترامب على إبرام الصفقات ومشاركة النميمة على هاتفه المحمول الخاص، وغالباً بصوت عالٍ. كما استمتع بكونه قريباً من المليارديرات، الذين كان يتباهى لهم ببعض الأشياء التي يعتقد أنها رائعة؛ مثل قدرات أنظمة الأسلحة المختلفة، كما يتذكر مسؤول كبير سابق في الإدارة.

ومن جانب آخر، كان هناك قلق بشأن ستيفن فينبرج؛ الرئيس التنفيذي لشركة “سيربيروس كابيتال مانجمنت”، التي تمتلك شركة مقاولات دفاعية كبرى فازت بالعديد من العقود العسكرية المربحة. وهو صديق لصهر الرئيس، جاريد كوشنر، الذي أدى دوره الواسع في الإدارة الجديدة أيضاً إلى خلق حالةٍ من عدم الارتياح داخل مجتمع الاستخبارات. ويتذكر مسؤول مخابرات سابق عن كوشنر أن “موقفه يشبه موقف والد زوجته، الذي كان يعتقد دائماً أن الأشخاص الذين لا يحاولون أن يكونوا أثرياء وأن يذهبوا بدلاً من ذلك للعمل في الخدمة العامة هم الأدنى”.

اقرأ أيضاً: ثورة ملونة في الولايات المتحدة الأمريكية

أيضاً هناك قضايا أمنية واضحة بشأن سلوك كوشنر، الذي “ترك السفير الصيني وأتباعه يتجولون في الجناح الغربي دون مرافقة”، كما يتذكر مسؤول كبير سابق في الإدارة. بينما يتعارض ذلك مع قواعد البيت الأبيض؛ حيث قالت ماكناني في بيان: “لا يُسمح للأجانب بالتجول بحرية في الجناح الغربي”. وفي وقتٍ مبكر من عمل الإدارة، حضر كوشنر إلى مقر لانجلي؛ لحضور اجتماع لمعرفة كيفية عمل وكالة المخابرات المركزية. ووفقاً لأحد المشاركين في الاجتماع، نشأ قلق داخل الوكالة بشأن صراعات كوشنر المحتملة.

جاريد كوشنر يتحدث إلى الرئيس ترامب خلال حفل توقيع قانون إصلاح العدالة الجنائية في المكتب البيضاوي للبيت الأبيض.. 2018- “أسوشييتد برس”

وأثارت اهتمامات كوشنر التجارية الدولية المعقدة مخاوف جدية بين المسؤولين المكلفين بمنح أوراق الاعتماد الأمنية. وقال مسؤول استخباراتي سابق إن مصدر قلق آخر تمثل في “موقفه المتعجرف الذي يقول أنا أعرف ما أفعله، دون أي فهم لسبب كون الأشياء سرية، وهو أمر من شأنه أن يعرض استخباراتنا إلى الخطر”.

وبسبب طيش ترامب، أخبرني مسؤول استخباراتي كبير سابق أن مكتب المخابرات لدولة أجنبية واحدة على الأقل -حليف في الناتو وأرسلت قواتٍ إلى أفغانستان- قد منعه رئيس ذلك البلد من التفاعل مع نظرائه الأمريكيين؛ خوفاً من إطلاع ترامب على المعلومات، ومن ثمَّ تقديمها إلى الروس.

اقرأ أيضاً: حوار مع رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي

وهذا ما فعله ترامب بالضبط بعد 4 أشهر من ولايته؛ حيث تبادل معلومات حساسة حول “داعش” مع وزير الخارجية والسفير الروسي خلال اجتماعٍ في المكتب البيضاوي. وحسب ما ورد، فإنه كشف عن مصدر للمخابرات الإسرائيلية في هذه العملية. وبعد ذلك بعامَين، نشر ترامب على “تويتر” صورة استطلاع لمنشأة متضررة في إيران؛ وهي صورة حساسة أَتَت من طائرةٍ أمريكية دون طيار أو قمر صناعي.

ومن حملة 2016 إلى أوائل 2019، كان تيد جيستارو؛ المسؤول الأول عن تقديم الإفادات لترامب، وهو ضابط مخضرم بوكالة المخابرات المركزية، ويحظى باحترام كبير ويناديه الرئيس بقوله “تيد صديقي”. وفي وقتٍ ما في ربيع 2019، قبِل جيستارو منصباً في الخارج؛ ولكن ليس قبل أن يتخلص من أعبائه بالبوح لزميل سابق. حيث قال ضمن ما قال: “علمت أنك سمعت ما هو سيئ. لكن صدقني، هناك أسوأ من ذلك”.

أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي خلال جلسة مناقشة بشأن التحقيق الذي أجرته المخابرات الأسترالية حول قضية ترامب وروسيا.. ديسمبر 2019-_”أسوشييتد برس”

وبحلول ذلك الربيع، كان ترامب يزعج رئيس جيستارو، دان كوتس. وكان كوتس، وهو سيناتور جمهوري سابق، يبلغ من العمر 77 عاماً، وكان مرشحاً لمنصب وزير دفاع جورج بوش، قد شجب ترامب خلال ترشيحه؛ بسبب تعليقاته “غير اللائقة والمثيرة للاشمئزاز”. ولم يعرب عن اهتمامه بوظيفة مدير المخابرات الوطنية، ولم يكلف ترامب نفسه عناء مقابلته من أجل ذلك. وكان نائب الرئيس مايك بنس، وهو صديق من ولاية إنديانا، هو الذي قدم العرض نيابةً عن ترامب، وجعله يؤدي اليمين أمامه لاحقاً.

وبعد فترةٍ وجيزة من ترشيح كوتس لمنصب المدير، دعاه ترامب إلى حفل عشاء في البيت الأبيض. ووفقاً لتقرير المدعي الخاص روبرت مولر حول تحقيقه في التدخل الروسي في الانتخابات عام 2016 وشهادة كوتس أمام لجنة المخابرات بمجلس النواب، سأل ترامب ضيوفه عن رأيهم في جيمس كومي. وعندما سأل ترامب عما إذا كان أيٌّ من الحضور يعرف كومي شخصياً، أجاب كوتس أن كومي كان مديراً جيداً لمكتب التحقيقات الاتحادي، ونصح الرئيس بالتعرف عليه بشكل أفضل.

اقرأ أيضاً: هل يطيح كتاب برئيس أكبر دولة في العالم؟

ووفقاً للتقرير، وبعد أسبوع تقريباً من تولِّي كوتس منصب مدير المخابرات الوطنية، طلب منه ترامب تبرئة الرئيس علناً من المخالفات المتعلقة بروسيا. وأجاب كوتس بحرص أنه ليس من اختصاصه القيام بذلك. وفي مارس 2018، حذَّرت وزيرة الأمن الداخلي كيرستين نيلسن، مجموعة من الدبلوماسيين الأجانب من أنه ستكون هناك عواقب وخيمة للتدخل في انتخابات التجديد النصفي لعام 2018، وعندها انسحب المندوب الروسي غاضباً من الاجتماع. وفي وقتٍ لاحق، اشتكى مكتب الاتصالات بالبيت الأبيض بشكل خاص إلى وزارة الأمن الداخلي من أن تصريحات نيلسن لا تعكس وجهة النظر الرسمية.

ترامب يغادر مقر وكالة المخابرات المركزية بعد اجتماعه بالقادة وأبرز الضباط.. فيرجينيا يناير 2017- “رويترز”

وكان كوتس أيضاً في اجتماع لمجلس الأمن القومي؛ حيث تلقى مزيداً من التجاهل العلني للموضوع، وعندما رد الرئيس ترامب، وهو يقف جنباً إلى جنب مع بوتين في المؤتمر الصحفي في هلسنكي، على سؤال حول التدخل الروسي في انتخابات عام 2016، بالقول: “جاء دان كوتس إليَّ وكذلك آخرون، وقالوا إنهم يعتقدون في تدخل روسيا”. وتابع ترامب: “كان الرئيس بوتين قوياً للغاية ومتشدداً في إنكاره اليوم هذه الادعاءات”. بينما رد كوتس، في وقتٍ لاحق، ببيان يعيد التأكيد من جديد على “تقييماتنا للتدخل الروسي في انتخابات عام 2016”. كما كتب بولتون عن دفاع كوتس، قائلاً إنه “أضاف الوقود إلى النار”.

شاهد: مدير “برافدا روسيا”: قوى العالم الجديد تعيد صياغة قوانين اللعبة السياسية

وعلى هذه الخلفية، عمل كل من كوتس ونيلسن ووزير الخارجية مايك بومبيو، ووزير الدفاع جيم ماتيس، معاً لكتابة أمر تنفيذي في صيف عام 2018 من شأنه أن يسمح بفرض عقوبات على الدول الأجنبية التي تحاول التدخل في العملية الانتخابية الأمريكية. ولم يتم إطلاع ترامب على هذه الجهود؛ لأنه، كما ذكر أحد الأفراد المشاركين في العملية، “كان هناك اعتقاد بأن مثل هذا الاجتماع سينتهي نهاية سيئة”.

وفي يوم الأحد، 28 يوليو، أعلن ترامب عبر “تويتر” أنه سيتم استبدال النائب جون راتكليف من تكساس بكوتس، وهو جمهوري ومدافع صريح عن ترامب. وقبل 4 أيام فقط، وأثناء استجواب مولر في جلسة استماع للجنة القضائية بمجلس النواب بشأن تقرير المدعي الخاص، قال راتكليف إنه بينما لا ينبغي أن يكون ترامب فوق القانون، فإنه “متأكد من أنه لا ينبغي أن يكون تحت القانون؛ حيث يضعه الحكم رقم 2 من هذا التقرير”. وتكهن البعض في ذلك الوقت بأن أداء راتكليف كان اختباراً للوظيفة.

المقدم ألكسندر فيندمان مدير مجلس الأمن الوطني للشؤون الأوروبية خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة المخابرات بمجلس النواب.. واشنطن 2019-_موقع “ميليتاري تايمز”

لكن ترشيح راتكليف لمنصب المدير توقف على الفور؛ بسبب اتهامات بأنه ضخَّم كثيراً من سيرته الذاتية. وفي غضون ذلك، اقترح آدم شيف، الذي أصبح الآن أحد أبرز منتقدي ترامب في الكونغرس، أن سو جوردون ستكون “مؤهلة بشكل ممتاز” للعمل كمديرة بالوكالة. بينما غرَّد نجل ترامب دونالد جونيور، على الفور: “إذا كان آدم شيف يريدها هناك، فإن الشائعات حول كونها صديقة مقربة من برينان، وبقية كادر المهرجين يجب أن تكون صحيحة بنسبة 100 في المئة”. واختارت جوردون الاستقالة.

اقرأ أيضاً: المرأة الحديدية التي قد توقف “انفلات” ترامب: من هي نانسي بيلوسي؟

وفي 19 يوليو 2019، أي قبل تسعة أيام من إعلان ترامب رحيل كوتس، أنشأ كوتس منصباً جديداً داخل مجتمع الاستخبارات، وهو “مسؤول تنفيذي للتهديدات الانتخابية”. ومنح الوظيفة لمحللة تُدعى شيلبي بيرسون، كانت قد عملت في مجتمع الاستخبارات لأكثر من عقدين، وكان آخر منصب لها مديرة لقضايا روسيا، قبل أن يطلب منها كوتس عام 2018 أن تعمل كمديرة أزمات لأمن الانتخابات بمكتب مدير الاستخبارات الوطنية.

وفي صباح 13 فبراير، أدلَت بيرسون بشهادتها أمام لجنة المخابرات بمجلس النواب في غرفة الاستماع الآمنة أسفل مركز زوار الكابيتول التي تستخدمها اللجنة للإفادات السرية؛ حيث عقدت اللجنة مؤخراً جلسات استماع في المكان لمحاكمة ترامب، وكانت الأعصاب متوترة والمواجهات الحزبية حتمية. وفي اليوم السابق لجلسة الاستماع، اتصل مسؤول بالبيت الأبيض بموظفي اللجنة؛ ليسألهم عما إذا كان شخص ما من الجناح الغربي يمكنه حضور جلسة الاستماع بالغة السرية. وعندما رُفض الإذن بذلك، ظهر موظف من مكتب المستشار القانوني بالبيت الأبيض في ذلك الصباح ومُنع من الدخول.

جون راتكليف يتحدث إلى الصحافة بالتزامن مع ترشيحه للعمل مديراً للاستخبارات الوطنية- “فرانس برس”

وفي منتصف الإحاطة، قاطع ترامب موجهاً حديثه إلى ماجواير: “مرحباً جو، أفهم أنك أطلعت آدم شيف وأخبرته أن روسيا تفضلني. فلماذا أخبرت شيف بذلك؟”، ومضى ترامب يقول إنه سمع ذلك من عدة أعضاء في اللجنة، وأراد أن يعرف سبب عدم إبلاغ ماجواير له بذلك. بينما حاول ماجواير أن يشرح أن مسؤولاً استخباراتياً آخر هو الذي أدلى بشهادته خلال جلسة استماع روتينية بين الحزبين؛ لكن ترامب استمر في استجواب ماجواير، ثم انتهى الاجتماع.

اقرأ أيضاً: ما تأثير تحقيقات روبرت مولر على المجتمع الأمريكي؟

وترك ماجواير المكتب البيضاوي، وهو يعلم أنه سيُطرد قريباً. وفي مساء يوم 19 فبراير، أبلغه روبرت أوبراين، الذي خلف بولتون كمستشار للأمن القومي، أن البديل المحتمل له سيحتاج إلى السماح له بالعمل في مقر مكتب مدير المخابرات الوطنية في صباح اليوم التالي. وفي ذلك الصباح، استقبل ماجواير خليفته، وتمنى له الخير وغادر المبنى نهائياً. وكان القائم بأعمال المدير الجديد ريتشارد جرينيل، سفيراً لترامب في ألمانيا، ومستشاراً إعلامياً وليست لديه خبرة سابقة في الاستخبارات. كما اشتهر جرينيل بأنه من الموالين المشاكسين لترامب؛ حيث أدلى بتعليقاتٍ غير دبلوماسية حول عدم رغبة الدولة المضيفة في المساهمة بشكل أكبر في حلف الناتو.

وفور تقلده منصبه، أصدر موظفو جرينيل تعليمات إلى كبير موظفي ماجواير، فيراج ميراني، بإخلاء مكتبه. وتبع ذلك رحيل آخرين خلال فترة جرينيل؛ من بينهم: النائب الأول لمكتب مدير المخابرات الوطنية أندرو هولمان، ورئيس عمليات المكتب ديردري والش، والمفتش العام مايكل أتكينسون، الذي سلَّم شكوى عن المخالفات في أوكرانيا إلى لجنة المخابرات بمجلس النواب بعد أن رفض ماجواير القيام بذلك، وأرسل ترافرز بديل ماجواير بالإنابة الذي عمل كمدير للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب.

لحظة وصول روبرت مولر لعرض تقريره أمام اللجنة القضائية بمجلس النواب بشأن تحقيقه في التدخل الروسي في انتخابات 2016.. واشنطن- “أسوشييتد برس”

ومع رحيل كلٍّ من كوتس وماجواير، تم تلبية طلب البيت الأبيض بخفض موظفي مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، حسب شخص مطلع على الأحداث. وكان القلق داخل مجتمع الاستخبارات يتمحور حول منهج التقليص الذي قد يقدم ذريعة لتطهير أفراد؛ مثل محلل وكالة المخابرات المركزية المجهول الذي قدَّم شكوى الفساد عن المخالفات في أوكرانيا.

ويعتقد شيف أن قرار جوزيف ماجواير بعدم إحالة شكوى المبلغين عن المخالفات الأوكرانية إلى الكونغرس كان لحظة مفيدة. وقال لي: “بالنظر إلى قرار المدير ماجواير بحجب الشكوى، لا أعتقد أنه سيصبح سعيداً لو أنه لم يفعل”.

ولا شك أن الخيارات التي واجهها مجتمع الاستخبارات خلال رئاسة ترامب قاسية؛ حيث كان عليهم تجنب إثارة غضب الرئيس، وحتى الاستقلال الظاهري للوكالات قد تعرض إلى الخطر، ومن فكر فيهم في تحقيق ذلك الاستقلال وجد نفسه مستبدلاً ببديل أكثر تملقاً.

اقرأ أيضاً: كيف تتفكك القوة الأمريكية وتنتهي هيمنة القطب الأوحد بلا عودة؟

وبينما كان هذا الموضوع في طريقه للنشر، قُدمت قائمة بأسئلة إلى مكتب مدير الاستخبارات الوطنية في ما يتعلق بنضالها لتجنب التعرض إلى الخطر سياسياً؛ فأصدر مكتب مدير الاستخبارات الوطنية بياناً أخيراً وبشكل علني يؤكد أن روسيا “تستخدم مجموعة من الإجراءات لتشويه سمعة نائب الرئيس السابق بايدن”.

وقد استدعى الأمر إلى الذهن شيئاً مما قاله مايكل موريل، القائم بأعمال مدير وكالة المخابرات المركزية السابق، عندما كنا نناقش تدخل روسيا في الانتخابات؛ حيث قال: “هذه هي المرة الوحيدة في التاريخ الأمريكي التي نتعرض فيها إلى الهجوم من قِبل دولة أجنبية ولا نتحد كأمة”. وأضاف موريل: “في الواقع، لقد قسَّمنا الأمر أكثر؛ كانت مهمة سرية غير مكلفة وسهلة التنفيذ نسبياً، لكنها عمقت انقساماتنا. أنا مقتنع تماماً بأن ضباط المخابرات الروس الذين اجتمعوا وأداروا الهجوم على ديمقراطيتنا عام 2016 جميعهم حصلوا على ميداليات شخصية من فلاديمير بوتين”.

♦صحفي أمريكي

المصدر: نيويورك تايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة