الواجهة الرئيسيةشؤون خليجية

ملاعب كأس العالم في قطر تُشيد فوق جماجم البشر

كيوبوست

وكأن الرشاوى التي دفعتها قطر للحصول على حق استضافة كأس العالم 2022 لم تكن كافية لأن تكون النسخة القادمة من مونديال كرة القدم هي الأكثر إثارة للجدل في تاريخ الدول المضيفة للحدث الكروي الأبرز عالميًّا، ولكن هذه المرة إثارتها مختلفة عن التشويق والمنافسة؛ إثارة تعيد عصر الاستعباد في العمالة بالقرن الحادي والعشرين، استعبادًا سجلته المنظمات الحقوقية المختلفة على مدى سنوات.

شاهد: فيديوغراف.. قطر تَتَكَتَّم على إضرابات العمال

منذ حصول قطر على حق تنظيم المونديال في 2010، وبدء العمل في مشروعات ملاعب الكرة والبنية التحتية المتفق عليها مع “فيفا”؛ لتأهيل البلد الصغير لاستضافة المونديال وملايين المشجعين، وانتهاكات حقوق العمال المنفذين لهذه المشروعات في تزايد مستمر في وقت يتجاهل فيه القطريون أبسط معايير حقوق الإنسان مع العمالة الوافدة.

انتهاكات وثَّقها عديد من المنظمات الدولية؛ في مقدمتها “العفو الدولية” و”هيومن رايتس ووتش“، في تقارير أصبحت تصدر بصورة شبه دورية، منتقدةً سوء أوضاع العمالة، والظروف غير الآدمية التي يعمل ويعيش فيها الوافدون من دول آسيا، بالإضافة إلى تخفيض أجورهم وتهديدهم بالسجن والترحيل، فضلًا عن الصعوبات التي تواجههم حال رغبتهم في الخروج من الدوحة.

شاهد: وثائقي قطر تحالف خطير

ورغم بعض الإجراءات الشكلية القانونية التي يتم الإعلان عنها من قِبَل نظام الحمدين لتحسين أوضاع العمالة؛ فإن هذه الإجراءات لا تُطبق على أرض الواقع، ولكن يتم الاكتفاء بالإعلان عنها فقط؛ فضلًا عن استمرار منع العمال من ممارسة حقِّهم في الإضراب أو التظاهر احتجاجًا على سوء أوضاعهم؛ وهي القوانين التي تحداها العمال في موقعَين خلال الأسبوع الماضي، حسب ما ذكره تقرير “هيومن رايتس ووتش”.

يأتي ذلك في وقت تغاضت فيه قناة “الجزيرة” التي تركز على الإضرابات المختلفة بالدول العربية، وتجاهلت ما يحدث على بُعد أمتار قليلة من مقر محطة الشبكة الإخبارية التي تدَّعى الحياد والمهنية في تغطيتها للإضرابات العمالية؛ فما ذكرته منظمة العفو الدولية، في تقريرها الصادر خلال شهر فبراير الماضي، بعنوان “الواقع عن كثب.. أوضاع حقوق العمال الأجانب قبل أقل من أربع سنوات من بدء بطولة كأس العالم لعام 2022 في قطر” يتشابه إلى حد التطابق مع ما ذكرته منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقرير جديد صدر قبل يومَين وثَّق تظاهرات واعتراضات عمالية.

شاهد: قطر وبنك الريان

دفعت قطر ملايين الدولارات في صورة رشاوى لعديد من المسؤولين بـ”فيفا”، حسب التحقيقات التي لا تزال تُجرى حتى الآن في واحد من أكثر ملفات الفساد التي شهدها “فيفا” في عهد رئيسها الأسبق جوزيف بلاتر، والتي تنكشف تفاصيلها يومًا بعد الآخر باعترافات المسؤولين؛ لكن هذه الأموال يبدو أنها كانت أيضًا مقابل الصمت عن الانتهاكات التي تصل إلى حد الموت للعمال البسطاء الذين جاؤوا من بلادهم أملًا في توفير حياة أفضل لهم ولأسرهم؛ لكن صدمهم الواقع المرير ببيئة العمل التي قد يدفعون حياتهم ثمنًا لغياب عناصر الأمن والسلامة عنها، بالإضافة إلى تدنِّي الأجور وابتزاز الكفلاء لهم.

بلاتيني بعد إحدى جلسات التحقيق معه- “رويترز”

فللموت بين ركام أعمال البناء والتشييد لملاعب كأس العالم 2022 قصص أخرى أكثر قتامة، يرويها نحيب الثكالى، وصرخات الأرامل، ووجوه الأطفال اليتامى الشاحبة والمصدومة، في القرى الفقيرة فوق جبال النيبال، أو في سفوح الوديان في الهند وبنغلاديش، والذين لم تلقِ لهم السلطات القطرية بالًا، وعمدت إلى التكتُّم على حالات موت أبنائهم وأزواجهم ومعيليهم، والتعتيم على أعدادهم الحقيقية، وعلى الظروف والأسباب الفعلية التي أدَّت إلى موتهم وهم على رأس العمل، والمماطلة في دفع التعويضات لأهاليهم وأبنائهم دون أدنى شعور بالمسؤولية والإنسانية والرحمة تجاه هؤلاء الفقراء والمعوزين من الأيتام والأرامل.

شاهد: ارتباك لولوة الخاطر في ردودها على أسئلة تيم سيباستيان حول دعم قطر للإرهاب

لكن الطريقة التي تتعامل بها قطر مع البسطاء القادمين من آسيا لم تكن ملائمة في التعامل مع المهندس البريطاني زاك كوكس، الذي سقط عام 2016 خلال عمله بالدوحة؛ فالحكومة البريطانية والمحاكم البريطانية وذوو الضحية البريطاني، جعلوا اللجنة القطرية ترضخ وتعتذر وتسمح بتحقيق مستقل؛ كي لا يكون الحادث في منأى عن المساءلة القانونية وملاحقة الإعلام الغربي الذي ركز على القضية في وقت أدان فيه تقرير الطب الشرعي النهائي نظام العمل في إنشاء الملاعب؛ حيث ثبت أن سقوط كوكس جاء نتيجة استخدام معدات غير آمنة، ما قد يتسبب في دفع الدوحة ملايين الدولارات تعويضًا لعائلة المهندس الشاب.

أحد الاستادات القطرية تحت الإنشاء- “يورو نيوز”

يقول أحد العمال في تقرير مصوَّر لصحيفة “الجارديان” البريطانية، التي زارت إحدى القرى النيبالية، لتشهد وصول جثمان أحد أبنائها من ضحايا الملاعب القطرية: “نحن العمال النيباليين لا يهتم أحد لموتنا”.

 وكشف تقرير مصور بثَّته محطة “WDR” الألمانية، في وقت سابق، عن موت ما لا يقل عن 1400 عامل من النيبال وحدها، ووَفقًا لأرقام الحكومة النيبالية فإن حوادث موقع البناء والظروف المعيشية القاسية التي يضعهم فيها القائمون على تلك المشروعات في قطر تقتل ما يقارب 110 مواطنين نيباليين كل عام، وهو عدد قريب مما يحدث مع العمالة البنغالية.

ويموت ما يقارب الـ250 عاملًا هنديًّا في السنة وَفق تقرير للاتحاد الدولي للنقابات نُشر قبل عدة سنوات؛ حيث اتصل الاتحاد بسفارتَي النيبال والهند باعتبارهما تمثلان المصدر الأكبر والنسبة الكبرى من العمالة في مشروعات الملاعب القطرية والفنادق والبِنى التحتية هناك.

وكشفت السفارتان عن تلك الوقائع، مع ملاحظة أن العمالة من تلك البلدان تمثل 60% تقريبًا من إجمالي العمالة في قطر؛ إذ تستضيف قطر عمالًا من جنسيات أخرى من الفلبين ومصر وباكستان وإندونيسيا وسيرلانكا وغيرها؛ مما يعني أن الأرقام الحقيقية للضحايا قد تصل إلى ضعف هذه التقديرات.

تشييع جثمان أحد العمال النيباليين الذي لقي مصرعه في قطر

وتنقل صحيفة “الجارديان” عن رينوكا تشودري، أرملة أحد ضحايا الملاعب القطرية، أنها تلقَّت مكالمة هاتفية من قطر عبر رقم لم تتعرَّف عليه، بعدما توفي زوجها تارو “23 عامًا”، عندما سقط من ممشى مرتفع في ملعب الوكرة الذي تبلغ قيمة تشييده 512 مليون جنيه إسترليني.

وقالت رينوكا: “اتصل صديق له وقال لنا إنه سقط، وبعد عديد من الاتصالات تأكدنا أنه مات فعلًا، وتواصلنا مع اللجنة العليا المنظمة لكأس العالم 2022 في قطر، وقال لنا الرجل من اللجنة العليا (آسف).. سألته كيف مات زوجي؟ قال: إنهم يحققون في الوفاة”.. وحتى اليوم لا تزال رينوكا تشودري تنتظر الإجابة!

رينوكا تشودري.. أرملة العامل النيبالي.. فقدت وعيها بعد وصول جثمان زوجها من قطر

وأكدت “الجارديان” البريطانية، أن وفاة العامل النيبالي تعود إلى غياب أنظمة الأمن والسلامة في الملاعب القطرية. وقالت الصحيفة البريطانية واسعة الانتشار: “تحدثنا إلى أربعة أشخاص على علم مباشر بالحادث”؛ حيث تقول المصادر إنه كان يحمل لوحة كبيرة “ليلًا” على ممر يبلغ ارتفاعه 35 مترًا عندما وقع الحادث، لقد سقط من الممشى، بعدما أزال عمال آخرون لوحة “أرضية”؛ مما أدى إلى وجود فجوة.. فشل في رؤيتها وسقط من خلالها.

شاهد: فيديوغراف.. قطريات تحت تهديد نزع الجنسية

وتوفي ثلاثة عمال آخرون في استاد الوكرة هذا العام؛ جميعهم خارج الموقع، وتوفي بهوبندرا ماغار “35 عامًا”، ورمسيس مخية “52 عاما”، وهما نيبالبان كانا يعملان في استاد الوكرة، في معسكر عملهما بين الفترتَين في مايو ويونيو على التوالي، ولا تزال عائلتاهما تنتظران تعويضات من أصحاب العمل في قطر.

وقال موهان ماغار: “إن زوجة أخيه وطفلَيه يكافحون من أجل الوصول إلى هناك”، مضيفًا: “لا يزال طفلاه صغيرَين ولديه زوجة ليس لها دخل، ذهب ماغار إلى قطر فقط في محاولة لسداد دين ضخم كان قد تكبَّده عندما اقترض 4000 جنيه إسترليني تقريبًا للحصول على وظيفة في أفغانستان”.

ووَفقًا لشهادات الوفاة، توفي ماغار بفشل تنفسي حاد وقصور القلب الحاد؛ لكن الخبراء يقولون إن النتائج لا تشرح السبب الأساسي للوفاة، حيث أكد أخوه أنه ذهب إلى قطر بصحة ممتازة، وفي تقرير الوفاة للعاملين لعام 2017 صنَّفت اللجنة العليا 5 وفيات مماثلة لعمال الاستاد بأنها غير متعلقة بالعمل.

شاهدفيديوغراف.. الدوحة تمول جبهة النصرة

وكان تقرير لصحيفة “الإندبدنت” البريطانية، قد وصف الأعداد المهولة من الموتى بين صفوف العمال بـ”المأساة التراجيدية”، وكان تقرير آخر نشره الاتحاد الدولي لنقابات العمال (ITUC)، قد كشف عن أنه تم التأكد من موت ما لا يقل عن 1200 عامل منذ 2010م. ويتوقع الاتحاد الدولي للنقابات أنه بحلول موعد مباراة افتتاح كأس العالم 2022 سيصبح العدد مقاربًا إلى 4000 رغم محاولات اللجنة القطرية المسؤولة عن أعمال البناء والتنظيم لاستضافة بطولة كأس العالم 2022 التكتُّم عن الرقم الحقيقي، والتعتيم على الأُسر الفقيرة للضحايا من العمالة       عن الأسباب الحقيقية وراء “العدد الكبير” للوفيات بينهم، والتضليل عبر القول إنه موت “بسبب قصور في القلب”! رغم أن غالبية الضحايا في ريعان شبابها وذروة قوتها البدنية في العقدَين الثاني أو الثالث من العمر!

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة