الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

مكافحة التطرف في فرنسا

أعلنت الحكومة الفرنسية إجراءات عديدة منها خطة لمكافحة الإرهاب منذ عدة سنوات.. لكنها جميعاً باءت بالفشل

كيوبوست- ترجمات

قصص النجاح وقصص الفشل

في بدايات عام 2014، واجهت الأجهزة الأمنية الفرنسية تحديات كبيرة، تمثَّلت في توجه الفرنسيين إلى مناطق القتال في سوريا والعراق. وفي أبريل 2014، تقدَّمت الحكومة الفرنسية بخطة أولية لمكافحة التطرف العنيف. وقد بشَّرت سلسلة الهجمات التي امتدت ثلاثة أيام في شهر يناير 2015، وأودت بحياة 8 أعضاء من فريق تحرير “تشارلي إيبدو”، بسلسلة طويلة من الأعمال الإرهابية الجهادية، والتي كانت أكثرها دموية تلك التي وقعت في باريس في 13 نوفمبر 2015. وفي أعقاب تلك الهجمات أعلنت الحكومة الفرنسية إجراءات عديدة؛ منها خطة لمكافحة الإرهاب، واتفاق أمني ثم “خطة العمل ضد التطرف والإرهاب” و”خطة لأمن السجون ومحاربة التطرف العنيف”. القاسم المشترك بين كل هذه المبادرات هو تركيزها بشكل رئيسي على العقاب، بالإضافة إلى أنها كانت ترمي إلى “نزع التطرف” عن المتطرفين أصلاً.

اقرأ أيضاً: بعد فرار ايكويسن… فرنسا تستعد لطرد المزيد من دعاة التطرف

لجأت السلطات الفرنسية المنهمكة إلى الاستعانة بأطراف خارجية؛ حيث أناطت مهمة توجيه الشباب الراغبين بالجهاد، الذين كان أغلبهم دون السن القانونية، إلى خبراء مختصين من القطاع الخاص. في أبريل 2014، تم تأسيس “مركز منع الانحرافات الطائفية المرتبطة بالإسلام” في مدينة ليل؛ ولكن المركز لم يلجأ إلى الخطاب الديني لحل المشكلة، بل اعتمد على مقاربة عاطفية تعتمد على ذكريات الطفولة كي يستعيد المراهقون الضالون دفء الأسرة قبل أن ينخرطوا بجلسات حوارية مع شباب “تراجعوا عن الجهاد”. كما اعتمدت منظمة “بيت الوقاية والأسرة” التي افتتحت بالقرب من باريس في خريف عام 2014، على جلسات حوارية شبيهة بتلك الخاصة بمحاربة الإدمان الكحولي، وقاربت محاربة التطرف من منطلقات دينية.

تراجعت هذه المنظمات بسرعة، حيث حُكِم على مؤسس “بيت الوقاية والأسرة” بالسجن لأربعة أشهر في أبريل عام 2017 بتهمة اختلاس أموال عامة، بينما كان “المركز” قد أنهى اتفاقية التعاون مع الداخلية الفرنسية في بداية عام 2016 بسبب خلافات سياسية. إضافةً إلى ذلك، تعرَّض “المركز” أيضاً إلى الكثير من الانتقادات؛ بسبب عمله مع عراب سابق لمنفذي هجوم “تشارلي إيبدو”، شكَّك كثيرون في إدانته للجهاد.

وزير الداخلية الفرنسي جيرار كولومب- أرشيف

باءت أولى محاولات الحكومة لـ”مكافحة التطرف” بالفشل؛ ففي سبتمبر عام 2016 تم تأسيس “مركز الوقاية وإعادة التأهيل وتعليم المواطنة” في بلدة تُدعى بونتورني في لوار. بميزانية سنوية بلغت 2.5 مليون يورو، كان على المؤسسة أن تعتني بخمسة وعشرين “متطرفاً”، إلا أنها لم تجمع سوى 9 أشخاص، وبات المركز خالياً بعد مرور خمسة أشهر من افتتاحه، وتم إغلاقه في يوليو 2017. وقد أسهم في فشل هذه الجهود قرار لوزير الداخلية، آنذاك، يقضي بعدم قبول مراكز مكافحة التطرف المتعاطفين مع “داعش”. وبذلك أصبحت هذه المراكز تكافح تطرف أشخاص غير متطرفين. كما أن الكثير من المقاطعات الفرنسية لم تبلغ عن المتطرفين المحتملين كما هو مطلوب؛ ربما خوفاً من افتتاح مراكز مشابهة فيها.

اقرأ أيضاً: جدل في فرنسا مع بدء إغلاق مساجد وحل جمعيات متهمة بالتطرف

وفي يوليو 2017، عبَّر اثنان من أعضاء مجلس الشيوخ عن قلقهما من “ارتباك” الحكومة و”تسرعها” في إطلاق برامج جديدة دون تأمين الرقابة والتقييم الكافيين. كما قالا: “وقتنا كسياسيين قصير، وهذا يتعارض مع الوقت اللازم لـ(إعادة دمج) المتطرفين بالمجتمع”. ومنذ ذلك الحين تم استبدال تعبير “إزالة التطرف” بـ”إعادة الدمج بالمجتمع”؛ حيث لم يعد الهدف يرمي إلى إبعاد الإسلاميين عن معتقداتهم الأصولية، بل إلى دفعهم لرفض العنف من تلقاء أنفسهم.

وحُكم على الراديكاليين الذين أُدينوا بجرائم غير دموية -مثل محاولة مغادرة البلاد إلى سوريا، أو الإعلان عن خطة اغتيال- بالسجن في سجون مفتوحة؛ حيث كان يتم العمل على تعزيز انتمائهم للوطن الفرنسي من خلال برامج مخصصة لبناء المواطنة. وسُمح لآخرين بزيارة علماء سياسة مشهورين، شرحوا لهم خلفية الحرب في اليمن وتاريخ مناطق القتال في سوريا والعراق. كما تم تنظيم رحلات إلى المتحف أو حدائق الحيوانات، وكان يسمح لهم بلعب كرة السلة أو التجول على طول شاطئ القناة الإنجليزية، برفقة مرشد أو اثنين. وكان المرشدون غالباً ما يعملون على اجتثاث النزعة الجهادية بشكل غير مباشر؛ ولكنهم في بعض الأحيان يهاجمون محتوى النظرة الجهادية للعالم وجهاً لوجه.

مسلمون بفرنسا- (صورة أرشيفية)

وهذا الأمر يتطلب الكثير من الارتجال، والكثير من التعاطف وإدراك الوقت المناسب للتطرُّق إلى العامل النفسي؛ فالهدف ليس استبدال حقيقة بأخرى، بل يجب أن يتلقى المتدربون جرعات كبيرة ومتنوعة من الغذاء الفكري تمكِّنهم من تناول “المصادر” المتاحة أمامهم بأنفسهم، من نصوص القرآن الكريم إلى تغريدات “داعش”، بطريقة نقدية. وحيثما أمكن، تتم مشاركة العائلات أيضاً، لأنهم في نهاية المطاف غالباً ما يكونون جزءاً من المشكلة. وأخيراً يتم بذل جهود كبيرة في التدريب وإعادة الدمج بالمجتمع، لتشمل هذه الجهود البحث عن المدرسة المناسبة، وإيجاد فرصة العمل والسكن المناسب. وكما هو معتاد في الأحكام مع وقف التنفيذ، يواجه المتدربون السجن في حال انتهاكهم الشروط بشكل متكرر. ولا تشمل الفئة المستهدفة من قِبل البرنامج المُحاضرين المتشددين والمتعصبين القتلة.

وتثير مثل هذه البرامج التساؤل المشروع حول مقدار الأموال والموارد التي يرغب مجتمع ما باستثمارها في محاولة إنقاذ أعضائه من السقوط الأزلي. هناك شيء واحد مؤكد: إن تجاهل مكافحة التطرف، سيكون تهوراً مميتاً. في السنوات القليلة المقبلة، سيكون المئات من الجهاديين “الصغار” قد قضوا أحكامهم بالسجن في فرنسا؛ بما في ذلك العديد ممن رجعوا منهم من سوريا؛ لأنه إذا لم تتم إعادة دمجهم بالمجتمع، فسيظل خطر عودتهم إلى التطرف قائماً.

المصدر: مركز دراسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة