الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

مقطوعة بيتهوفن “فور إيليز” لا تستحق منكم نظرات الملل!

كثيراً ما تعزف في موسيقى البوب.. ولكن عازف البيانو إيغور ليفيت يقول "إنها واحدة من أجمل القطع التي عرفتها"

كيوبوست- ترجمات

جوشـوا بارون♦

حتى إذا كنت لا تعرف “فور إيليز” فأنت تعرف “فور إيليز”.

طقطوقة بطول أغاني البوب، يمكن تمييز مقطوعة بيتهوفن الخفيفة من أولى نغماتها؛ تراوح بين النغمات المنخفضة والعالية يقود إلى لحن سمعته في كل مكان تقريباً، من رنات الهواتف المحمولة إلى ألعاب الأطفال، دخلت في موسيقى الراب، وظهرت في ألبوم بيبي أينشتاين، ومن الممكن أن تظهر في دراما جادة أو في فيلم رسوم متحركة للأطفال. “فور إيليز” هي اختصار للموسيقى الكلاسيكية نفسها، وقد استعمل فيلم “مغامرات بيل وتيد الممتازة” هذه المقطوعة للإشارة إلى بيتهوفن، دون ذكر اسمه.

ولكن على الأرجح فأنت لم تسمع “فور إيليز” في قاعات الحفلات الموسيقية. وهذه المقطوعة التي يرجح أن تستحضر نظرات الاستهجان بين ذواقة الموسيقى الكلاسيكية نادراً ما توضع على برامج هذه الحفلات، على العكس من سمفونية بيتهوفن الخامس أو سمفونيته التاسعة التي تنتهي بمقطوعة “Ode to Jpy”.

وقد شغل غياب مقطوعة “فور إيليز” عن الحفلات الاحترافية منذ أن قابلت لأول مرة عازف البيانو إيغور ليفيت، في مقابلة وحفل موسيقي عبر “فيسبوك لايف” عام 2017؛ حيث قدم المقطوعة كمفاجأة في نهاية البث. لم يقُل اسم المقطوعة؛ بل قال: “سوف أعزف إحدى أجمل المقطوعات التي أعرفها”.

اقرأ أيضاً: كيف يصنع الصمتُ الموسيقى؟

وبعد مرور نحو أربع سنوات، استخدمت الذكرى 250 لميلاد بيتهوفن ذريعة كي أطلب من السيد ليفيت أن يشرح لي جمال مقطوعة “فور إيليز” بتفصيلٍ أكثر، ولماذا استرعت انتباهه بدلاً من أن تثير سخطه. قال لي، عبر مكالمة مرئية من منزله في برلين، “إنها قطعة لم نعد نسمعها، ولم يعد أحد يعزفها، وهذا أمر مؤسف”. وأضاف السيد ليفيت أنه عندما يعزفها يميل الناس إلى الضحك أو الاستغراب؛ إذ لا يتوقع من الموسيقيين الجادين بناء حياتهم المهنية على هذه القطعة، ولا الجمهور يندفع إلى الحفلات الموسيقية لسماعها.

إن انتشار “فور إليز” لا يبطل صنعتها المتقنة ولا يمنع أداءها في عروض على مستوى عروض السيد ليفيت؛ ولكن نظرات الملل تستمر. كتب جان كايير في كتابه “بيتهوفن.. الحياة” الذي تُرجم مؤخراً إلى الإنجليزية أن المقطوعة “اكتسبت أهمية في أعمال بيتهوفن لا تتناسب مع محتواها الموسيقي”..

قد يكون ذلك صحيحاً؛ ولكنه حكم قاسٍ. يمكننا أن نرجع الفضل في شهرتها إلى العنوان الجذاب، الذي هو اختصار لإهدائها الذي ينص: “إلى إيليز، في 27 أبريل، كذكرى من لودفيك فان بيتهوفن”. ألفها بيتهوفن وأهداها عام 1810؛ لكنها لم تنشر أثناء حياته. ويعتقد أنه قام بتنقيحها في أوائل العشرينيات من القرن التاسع عشر، ومن المرجح أنه كان ينوي إرفاقها مع مجموعته” Op. 119 Bagatelles”؛ ولكنه في نهاية المطاف لم يفعل. لاحقاً اكتشفها الموسيقي الدارس لودفيغ نول ونشرها عام 1860، وأثار بذلك جدلاً كبيراً حول هوية إيليز، لا يزال مستمراً حتى اليوم.

أصبحت المقطوعة جزءاً أساسياً في دروس الموسيقى، وانتشرت بسرعة مع تطور وسائل الإعلام، ووجدت جمهوراً عند الخط الفاصل وغير الواضح بين الثقافة العالية والمنخفضة، وكل ذلك أدى إلى انتشار “فور إيليز” في كل مكان. منذ طفولتي في أوائل التسعينيات كل ما كان عليَّ فعله هو أن أضغط على زر يشبه البيانو على أحد ألعابي كي أسمع نغماتها. وقد رسخت في ذهني إلى درجة أنني تمكنت من عزفها، ولو بشكل مبدئي قبل أن أتمكن من قراءة النوتة الموسيقية.

اقرأ أيضاً: لماذا تجعلنا الموسيقى نشعر بالسعادة؟

يستذكر السيد ليفيت أيضاً تجربة مشابهة؛ فهو أيضاً تعلم “فور إيليز” عن طريق السمع، ثم أصبح مفتوناً بها أو بالتنافر العابر لنغماتها أو بمرور الرقة الغامرة في أنغامها. ويقول عنها: “هذه القطعة هي جوهرة بكل معنى الكلمة”.

يبرز الإحساس باتجاه المعزوفة بشكل أوضح عندما تدخل اليد اليسرى وتتبادل النغمات مع اليمنى في تتابعاتٍ صاعدة فيها جاذبية القصص الخيالية، كما يقول السيد ليفيت، أو على الأقل كما كانت تبدو له عندما وجد نفسه يلهو بها ويضاعف من سرعة نغماتها لتخرج مثل حلم متدفق. يقول ليفيت: “يكون لديك هذه البداية غير محددة الاتجاه، ثم يتبعها ذلك الإحساس الذي تشعر به عند سماعك عبارة كان يا ما كان، في قديم الزمان..”.

وبعد النغمات المتكررة في الافتتاحية، تستمر المقطوعة في نغمات تصعد وتهبط بلطف ونعومة تشبه تردد الأنفاس. يرى فيها السيد ليفيت عناقاً موسيقياً: “عندما تصعد النغمات تشعر بأنك تفتح ذراعيك، وعندما تنخفض فأنت تضمهما”.

اقرأ أيضاً: إلياس الرحباني.. الأب الروحي للموسيقى اللبنانية الحديثة

ويقول أيضاً إن تقديم اللحن هنا من المؤكد أنه سيجعلك تذوب، “إنه جميل جداً؛ ولكن بأسلوب مبسط”. إنها تشبه أعمال فرقة البيتلز وإلتون جون، وتذكرنا بأعمال يوهان باخلبيل الذي يتردد صدى معزوفته “كانون” في مقطوعات موسيقى البوب اليوم، والتي تعتبر واحدة من المقطوعات القليلة التي تنافس مقطوعة “فور إيليز” على ظهورها في الأعمال الموسيقية المعاصرة.

تعود روح افتتاحية المقطوعة من خلال انتقال يثير الصدمة لشدة سرعته؛ حيث يلعب النغمة E بشكلٍ متكرر، ولكنه يعطي انطباعاً بالتغيير من خلال القفز على الأوكتافات، إنها ومضة من موسيقى الراحل بيتهوفن في أبهى صورها. إنها واحدة من تلك اللحظات التي تتجلى روعتها في تكرار نغمات البيانو والتي تذكر السيد ليفيت بمعزوفة “كامبانيللا” للمؤلف فرانس ليزت، و”إيتيود” للمؤلف مارك أندريه أميلاين؛ التي استوحاها من ليزت.

اقرأ أيضاً: 250  عاماً على ميلاد بيتهوفن.. الموهبة العبقرية والشخصية عميقة الألم

يرى ليفيت أن إحدى مآثر بيتهوفن هنا هي قدرته على إضفاء الطابع المسرحي على البساطة من خلال تمرير نغمات E جيئة وذهاباً بين اليدَين اليمنى واليسرى. ويقول: “إنها مجرد فراغ، كم يجب أن يكون المؤلف عظيماً كي يسمح لنفسه أن يكتب عن أي شيء”.

يرى السيد ليفيت أن اللحن الحقيقي في “فور إيليز” لا يبدأ قبل انقضاء الدقيقة الأولى منها؛ فالافتتاحية ليست شيئاً يمكن أن يقلده الصوت البشري، إنها أسلوب بيتهوفن في خلق المساحة. ثم تأتي المقاطع المكتوبة بأسلوبٍ أقرب إلى التقليدي بنغمات من اليد اليمنى فوق تلك التي تلعبها اليد اليسرى. ويقول: “لا أعتقد أن المطلع معبر جداً؛ ولكن عندما تدخل نغمة F ماجور فإنها تدفعك للغناء حقاً، وهذا يجعلها سهلة العزف”.

اقرأ أيضاً: بيتهوفن.. مع مصطفى سعيد

تستمر سهولة العزف حتى ظهور اندفاعة من النغمات -ربما هي أصعب أربعة مقاطع في المعزوفة- تقود فجأة إلى روح مطلع المقطوعة. إن هذا الانتقال، أو عدمه، هو سمة من سمات بيتهوفن التي يصفها ليفيت بأنها تشبه “لحظة حادث سيارة”.

وبعد العودة إلى الأجواء الافتتاحية يغير بيتهوفن فجأة حرارة المقطوعة بفاصلٍ عاصف من نغمات اليد اليمنى على خلفية هادئة من النغمات المنخفضة المتكررة. يستعمل ليفيت كلمة “رقيقة” لوصف مقطوعة “فور إيليز”؛ ولكن ليس في هذا الجزء. يقول: “إنه دراماتيكي للغاية، وأصواته عالية بشكل تلقائي؛ لأن صوت البيانو يرتفع بمجرد استعمالك الدواسة”.

لكن الدراما سرعان ما تنتهي بـ”حادث سيارة” آخر: نغمتان ثم ثلاثية من ست عشرة نوتة ترتفع وتنخفض على مدى أكثر من ثلاثة أوكتافات. يمكن بسهولة ملاحظة ذلك على أنه ذروة -سواء للقسم الأوسط العاصف، أو للقطعة بأكملها- ولكن بيتهوفن يطبع هذه النغمات بنعومة فائقة تماثل نعومة الافتتاحية. يقول ليفيت: “إنها كالشبح، كآلة رياح النعومة”.

♦محرر رئيسي في القسم الثقافي، يكتب عن الموسيقى الكلاسيكية، والرقص والمسرح، والفنون البصرية، والهندسة المعمارية.

المصدر: نيويورك تايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة