الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

مقبرة “أُمنا حواء” بين التراث والعلم.. حقيقة أم وهم؟

على الرغم من عدم وجود دليل علمي يؤكد صحة الرواية القائلة إن "حواء" دفنت في مقبرة "أُمنا حواء" الواقعة في مدينة جدة السعودية.. فإن تلك الأسطورة موجودة ولا تزال متوارثة بين الأجيال

كيوبوست

من بين التفسيرات المرتبطة بمقبرة “أُمِّنا حواء” الواقعة في مدينة جدة السعودية، هو اسم مدينة جدة؛ إذ يعيد البعض كلمة “جَدة” إلى معناها: أُم الأب أو أُم الأم؛ كناية عن حواء باعتبارها جدة للبشرية، بينما يرى الكثيرون أن الاسم هو “جُدَّة”، ويعني بالعربية شاطئ البحر؛ حيث يرتبط اسمها بموقعها على شاطئ البحر الأحمر.

حول المقبرة

تعتبر مقبرة “أُمنا حواء” أقدم مقابر جدة، وتقع في حي العمارية وسط المدينة، ويعود تاريخها إلى زمنٍ بعيد؛ فهي أقدم من مدينة جدة نفسها، وبجانبها كان سور المدينة الذي أُزيل، بينما بقيت هي، وعلى سورها توجد لافتة صغيرة كُتب عليها “مقبرة أُمنا حواء”.

زار المقبرة مؤرخون ورحالة كثر؛ منهم ابن جبير الذي ذكر أن الموقع يضم قبة قديمة، وكانت حواء تُقيم هناك، وشاركه بالوصف الرحالة ابن بطوطة الذي أشار إلى وجود القبة، بينما تشير رواية أخرى إلى أن المقبرة كانت تضم ثلاث قباب مشيدة على إحدى المقابر الكبيرة داخل المقبرة، ويعتقد أنها قبر حواء.

ووصف المستكشف التركي “أوليا جلبي” المقبرة، بعد رحلته إلى الحجاز، بأنها “تضم قبة صغيرة على المكان الذي ترقد فيه أُمنا حواء.. مع أن المكان رملي وسط الصحراء؛ إلا أنه بسيط وغير مزيَّن.. والقبر مغطى بالحرير الأطلسي الأخضر، وخارج الضريح وحوله مغطى بالحصى ناحية رأسها الشريف وكذا ناحية قدمَيها”.

اقرأ أيضاً: تأثير الحضارمة في الحضارة الإنسانية

وقد ذكر بعض المؤرخين أن مكان المقبرة، كان هيكلاً عبدته قبيلة قضاعة قبل الإسلام، وأُقيم عليه القبر بعد ظهوره.

ويعتقد أن طول القبر كان يبلغ نحو 120 متراً، وعرضه ثلاثة أمتار، وارتفاعه 6 أمتار، بينما لا تضم المقبرة شواهد قبور أو أسماء تشير إلى المكان المحدد الذي دفنت فيه حواء، في حال صحت الرواية.

بين التراث والعلم

ارتباط مدينة جدة بحواء أبعد من موتها، فحسب الطبري في كتابه (تاريخ الطبري) نقلاً عن رواية الصحابي عبدالله بن عباس، فإن النبي آدم هبط، بعد طرده من الجنة، بالهند على جبل يُسمى “واسم”، بينما هبطت حواء بجدة في أرض مكة المكرمة، وبقيا في شتات حتى تمكَّنا من  الالتقاء عند جبل عرفة.

هبوط حواء في جدة يلقى اتفاقاً بين بعض المؤرخين العرب، إلا أن مكان موتها ودفنها غير محسوم؛ فلا يوجد دليل علمي يؤكد أن مقبرة “أُمنا حواء” تضم بالفعل رفاتها، تحديداً، وأن التغييرات التي طرأت على المقبرة أدت إلى إزالة القبر، بينما تتشابه كل القبور الموجودة فيها حالياً؛ إذ تشمل المقبرة على رفات 2000 شخص تقريباً.

مقبرة “أُمنا حواء” من الداخل

لكن تلك الرواية العابرة للأجيال أعطت المكان قيمة روحانية ومكانة مقدسة؛ ما دفع الحجاج المسلمين إلى زيارة الموقع خلال موسم الحج. وفي هذا السياق، يوضح المؤرخ محمد طاهر الكردي المكي، في كتابه «التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم»، أن مقبرة حواء كانت تستقبل عدداً كبيراً من الزوار، وجرى استغلالهم من قِبل محتالين اعتادوا بيعهم حفنات من تراب المقبرة، على اعتبار أن ترابها يحمل قيمة دينية خاصة!

اقرأ أيضاً: بعد انفجار المرفأ.. تراث بيروت المعماري مهدد بالاندثار

قادت تلك الممارسات التي تعتبر خارجة عن سياق ومناسك الحج، إلى اتخاذ إجراءات من قِبل السلطات؛ فقد أمر الملك عبد العزيز آل سعود، عام 1928، بهدم القبر. ثم قامت “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” عام 1975، بطمره بالأسمنت؛ ما أفقد المقبرة أهم مكنوناتها، وجرى إهمال الموقع، اعتقاداً بأن الاهتمام بالأماكن الأثرية نوع من “البدع” التي قد تقود إلى الشرك وعبادة الأصنام والأوثان.

وفي هذا السياق، أوضحت المؤرخة الألمانية البريطانية فراوك هيرد باي، أن جزءاً من مشكلة العثور على أي دليل قاطع بأن المقبرة تضم رفات حواء بالفعل، هو الطريقة المتبعة في التعامل مع المواقع والمعالم التاريخية؛ حيث يُحرِّم التيار السلفي (المتشدد) صيانة وحماية القطع والأماكن الأثرية، لأن ذلك قد يؤدي إلى “الشرك”.

لا تزال المقبرة المحاطة بالأسرار متاحة لدفن الموتى، وقبل عدة أعوام جرى تجديد سورها بالرخام من الخارج، وتم إنشاء ممرات داخلها، كما أنها لا تزال مزاراً للمسلمين؛ تحديداً القادمين من آسيا الوسطى.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة