الواجهة الرئيسيةدراساتشؤون خليجيةشؤون عربيةمقالاتملفات مميزة

مقالات: جهيمان ومأساة المهدي عبر التاريخ

كيوبوست – مقالات

د.عبد الله الرشيد 

لأحمد أمين كتاب مختصر لطيف عن “المهدي والمهدوية”؛ تناول فيه أثر عقيدة المهدي المنتظر في تاريخ الحضارة الإسلامية، ودورها البالغ في خلق كثير من الثورات والاضطرابات التي مزَّقت الرقعة الجغرافية للعالم الإسلامي في حينه، كما أسهمت هذه العقيدة بشكل مباشر وفعال في تكاثر الفرق والمذاهب العقائدية داخل الإسلام.

فكرة المهدية في تاريخنا كانت “مأساة”.. هكذا يصفها أحمد أمين، ثوراتها تكاد تكون متلاحقة متلاصقة، كل ثائر متمرد خارج على السلطان يجد في المهدوية حلمًا وأملًا يدفعه نحو السلطة ووقودًا عاطفيًّا يؤجِّج به العامة والغوغاء.

إننا حين نتأمل جل منعطفات التاريخ الإسلامي نجد أن فكرة المهدوية كانت حاضرة، بارزة، تطل برأسها عند كل مفترق.. منذ الصراع المبكر بين الأمويين والهاشميين، ومنذ تلك اللحظة التي امتنع فيها محمد بن الحنفية عن مبايعة عبد الله بن الزبير، وهرب من مكة، فادَّعى أصحابه أنه المهدي، “هو لم يمُت، وعنده عينان نضاختان تجريان عسلًا وماءً؛ لأنه يرجع إلى الدنيا فيملؤها عدلًا”، فأضيفت كلمة “المنتظر” إلى المهدي، وأصبح الشيعة العلويون في حمأة صراعهم بين العباسيين والأمويين، يخفون إمامهم عن الأعين خوفًا من قتله،لم يقولوا بموته، ولكنهم كانوا يقولون عليه “مهدي منتظر، يرجع إذا جاء ميعاد خروجه المقدر، فيخرج الناس معه، ويزيل المظالم، ويحقق العدل”، أصبحت هذه العقيدة الركن الركين، والمركز المتين في الفكر الشيعي. في خضم مواجهاتهم المتكررة مع السلطة القائمة كان المهدي المنتظر في الخفاء يرسم الأفكار والخطط، أو تُرسم باسمه.

اقرأ أيضًا: الدراما الخليجية في رمضان.. القوة الناعمة في مواجهة التطرف

هنا انفجرت ماسورة التاريخ عن فرق وثورات متتالية ترفع راية المهدي، لا تُفنى واحدة إلا تعقبها أخرى. ظهر الفاطميون، فقال عبيد الله: أنا المهدي المنتظر، ثم نكَّل بداعيته أبي عبد الله الشيعي، كما نكَّل المنصور بأبي مسلم الخراساني. وأسَّس في سنة 300هـ بلدة اسمها “المهدية”، وأصبحت الدولة الفاطمية أكبر مركز للتشيُّع، وأمتن رباط مع الفرس.

ثم جاءت ثورة القرامطة، تلك كانت أيضًا فتنة شيعية مهدوية.. على حين غرة ظهر حمدان بن قرمط في العراق، الذي واصل دعوته إلى مهدية إمامهم المنتظر محمد بن إسماعيل، وتشكَّلت دولتهم على فكرة المهدية، والانشقاق من رحمها، والخلاف حولها. عظُم أمرهم بالبحرين فأغاروا على نواحيها، وقرب بعضهم من البصرة، ونادى منادٍ بينهم بأنه رسول الإمام، وأن الإمام مقيم في بعض هذه الجبال، وهو المهدي المنتظر، وأنه في سنة ثلاثمئة للهجرة يخرج ويملك الأرض كلها. فلما كانت سنة ثلاثمئةلم يظهر الإمام الموعود، لكن بعدها بسنوات انفلت عقال القرامطة من مربطه، فاقتحموا بيت الله الحرام وارتكبوا فيه الفظاعات؛ نهبوا الكعبة، وسرقوا الحجر الأسود، و”قتلوا زهاء ثلاثين ألفًا من أهل البلد والحجاج وسبوا النساء والذراري”.

اقرأ أيضَا: ما سبب انقطاع السينما السعودية في فترة الثمانينيات؟

 ثم جاء الحشاشون فأرهبوا العامة، ونكلوا بالناس، وبثُّوا في قلوبهم الخوف، أسَّسوا دولة الرعب الجبلية، وشيَّد الحسن بن الصبّاح قلعته في آلموت، حافظ على ولائه النزاري، وأقنع أتباعه بأن نزار بن المستنصر بالله لم يمُت “وإنما غاب كغيبة المهدي، وسيعاود الظهور بعد فترة من الزمن”.

لم تتوقف ماكينة “المهدي” عن خلق الانشقاقات والتصدعات السياسية، وبث الأساطير والأوهام، وتخدير العامة والأتباع؛ خرجت فرق موغلة في الماورائيات، تنسج عالمها الخاص من رحم البحث عن المنقذ المطهر، المخلص المنتظر؛ فينفصل الإنسان عن واقعه ويعيش في عالم مفرط من الأحلام، وحين يحاول الربط بين الاثنين، يقع الصدام، فتُسفك الدماء.

لم تكن حركة جهيمان العتيبي وأتباعه عن ذلك بدعًا؛ جماعة بسيطة تبحث عن الخلاص، تتعلَّق بأهداب الغيب وأحلام المنام، تنعزل في الصحراء، تشعر أنها محاصرة، الكون من حولها يضجّ بالمنكرات، إذن لقد اقتربت نهاية الزمان، وبدأت أمارات يوم القيامة، “نحن الأتقياء الأنقياء”.. هكذا يتهامسون في ما بينهم.. نحن مَن يصح فينا القول “لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة”، يخلدون إلى النوم، فتداعب خيالات المهدي أحلامهم، يستيقظون فيجدونه ماثلًا أمامهم، هذه المرة لم يكن منتظرًا، بل هو واحد منهم.. تثور ثائرتهم، لقد حانت الملحمة، و”نحن فرسان الملاحم”، تنطمس عقولهم فيخرجون يدنِّسون أطهر بقاع الأرض عند المسلمين وعندهم.

مهدي جماعة جهيمان المزعوم محمد بن عبد الله القحطاني وقد لقي مصرعه بعد تطهير الحرم

تعود القصة اليوم إلى المشهد، بعد أن كُسر حاجز الصمت عنها “دراميًّا”.. عمل تليفزيوني في مسلسل “العاصوف” يعيد الذاكرة إلى تلك الواقعة بكل أوجاعها وأحزانها، وفاجعتها، والدماء المسفوكة على ضريحها.

ذلك إرثها.. الدروس والعبر والألم.

ولم تترك فكرة المهدي عبر التاريخ من إرث.. إلا الوهم، والشقاق والمأساة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

♦ كاتب وباحث سعودي، عضو هيئة التدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وكاتب في صحيفة عكاظ، مختص في دراسة الحركات الإسلامية، ومهتم بعلوم التراث الإسلامي. 

 

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة