شؤون عربية

مقابل الرواية التركية: روايات عن حكم الأكراد في عفرين

كيف كان الأكراد يديرون الحكم في عفرين وغيرها من مناطق سيطرتهم؟

كيو بوست – 

يلاحظ في وسائل الإعلام التابعة للحكومة التركية إلصاق وصف “إرهابي” بعناصر وحدات حماية الشعب الكردية في مدينة عفرين السورية، خلال الحديث عن المعركة الدائرة مع الجيش التركي والعناصر الموالية له من الفصائل المسلحة السورية. فهل عناصر الوحدات إرهابيون فعلًا؟ الحقائق تخالف ذلك تمامًا. 

الأكراد الذي تُركوا وحدهم في مواجهة الهجوم التركي، كانوا قد أسسوا حكمًا عادلًا قائمًا على الديمقراطية والمساواة في بلادهم، التي استعادوا السيطرة عليها بعد معارك دامية مع تنظيم داعش. وكان سقوط عفرين بمثابة ضربة قاضية لديمقراطية نشأت وتعززت في بيئة شرق أوسطية، تسيطر عليها أنظمة الفساد والتسلط. 

ولم تكن عفرين بيئة أو وكر إرهاب، كما تصر السلطات التركية في تشويهها للحقيقة.

ثمة روايات لمقاتلين أجانب انضموا من بين 150 مقاتلًا، للقتال إلى جانب الأكراد، في نضالهم دفاعًا عن بلدهم السوري، تعكس الصورة الحقيقية لطريقة الحكم والحياة السائدة هناك، في وقت تغيب فيه المعلومات من داخل عفرين.

لم يأتِ هؤلاء المقاتلين حاملين سياسات بلادهم أو مدافعين عنها في ضوء الزعم الذي روجه الغرب حول تبرير تدخلاتهم في الشرق الأوسط والبلاد العربية، كدفاع عن الديمقراطية ومحاربة الديكتاتوريات.

تركيا قتلت فرصة الأكراد في إقامة حكم عادل، إلا أنهم قدموا صورة مبهجة رغم قصر الفرصة.

“الإمبريالية هي التي خلقت الشرق الأوسط الحالي، دون أي اعتبار للاختلافات الدينية والقومية في المنطقة، ونحن في الغرب حاولنا -من موقف الجاهل وبفوقية وغطرسة- فرض أفكارنا ومثلنا على شعوب الشرق الأوسط، وأمامنا تجربة غزو العراق 2003 التي تثبت فشل هذه السياسة”، يقول أحد أوائل المقاتلين الأجانب في صفوف وحدات حماية الشعب، البريطاني ميسر غيفورد في مقابلة معه عام 2017، نشرتها قناة “bbc”.

 

“أمر يدعو للبهجة”

ترك غيفورد عمله في مجال المال والأعمال في بريطانيا، والتحق بجبهات القتال مع الأكراد، إبان محاربتهم تنظيم داعش، أحد أشد التنظيمات تطرفًا وإجرامًا في العصر الحديث.

“تجربتي في سوريا غيرت مسار حياتي من الناحية الفكرية، فموقف الأكراد من قضايا الديمقراطية والمساواة والحياة بشكل عام أمر يدعو للبهجة. هناك مساواة حتى على جبهات القتال، القائد الذي يعتقد المقاتلون أنه غير جدير بالقيادة، تجري الإطاحة به عبر التصويت”، أضاف غيفورد.

يصل تعداد الأكراد في الوطن العربي نحو 30 مليون شخص، يقطنون المثلث بين تركيا والعراق وسوريا، كما يتواجد جزء منهم في إيران، لكن رغم سنوات نضالهم الطويل إلا أنهم لم يحصلوا على مطلبهم في إدارة شؤونهم، غير أن الأزمة السورية أتاحت لهم إقامة نظام حكم على مناطقهم في الشمال السوري، خلال السنوات القليلة الفائتة. 

ومن مظاهر الإدارة المنصفة التي اتبعها الأكراد، تتجلى مشاركة المرأة مع الرجل، إذ تم تأسيس وحدات حماية الشعب أو المرأة، وكل عناصرها من النساء اللواتي يقاتلن إلى جانب الرجال في المعارك ضد تنظيم “داعش”.

مقاتلات في وحدات حماية الشعب الكردية

وعلى الجانب المدني، كانت المناطق التي تخضع لسيطرة الأكراد تدار بالاعتماد على مبدأ المجالس المحلية، وفيها يجري تخصيص نصف المناصب أو المقاعد في جميع المجالس للنساء، فيما تتشارك النساء مع الرجال في كل المناصب القيادية.

 

نكسة الكفاح من أجل شرق أوسط أفضل 

سيطرت القوات التركية خلال الأيام الأخيرة على مركز مدينة عفرين، ورفع مقاتلون موالون لها من الفصائل السورية المسلحة العلم التركي على مبنى البلدية في المدينة. إلى جانب ذلك، جرى تداول مقاطع فيديو تظهر عمليات نهب قام بها المسلحون الذين تقودهم تركيا، لمحال تجارية.

وخاض الأكراد أكثر من شهرين من القتال دفاعًا عن بلدهم، لكن يبدو أن الصمود أمام ثاني أكبر جيش في حلف الناتو لم يدم طويلًا.

في مقالة للكاتب الألماني راينر هيرمان نشرتها صحيفة فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ، قال إنه “على الرغم من أن المنطقة كانت نموذجًا من ناحية التعددية والمساواة، إلا أن الأكراد وقفوا وحدهم”.

ويرى هيرمان أن الغزو التركي لعفرين أسقط “نموذجًا سياسيًا مبشرًا بالخير”، لأنه في عفرين، تشارك المجموعات العرقية والدينية كافة في الحكم الذاتي، ويجري هناك تطبيق المساواة بين الرجل والمرأة. تُمارَس ديمقراطية تعددية لا مركزية في عفرين منذ عام 2013. ومن هنا، فإن سقوطها الوشيك هو نكسة في الكفاح من أجل شرق أوسط أفضل”.

 

استعادة الأحلام التركية على حساب الأكراد

القيادة التركية تنفذ الغزو في سوريا لسببين من وجهة نظر هيرمان: سبب داخلي، هو أن الرئيس أردوغان يحشد الأمة خلفه بهذه الطريقة. فعلى أردوغان أن يثبت أقدامه كرئيس حتى عام 2019 على أبعد تقدير، وبعدها ستكون لديه سلطات غير محدودة تقريبًا. والسبب الآخر خارجي، فتركيا تسيطر الآن على جزء من شمال سوريا مع عفرين ومنطقة جرابلوس الواقعة في شرقها. وقد أشارت أنقرة إلى أنها لن تتخلى عن هذه البقعة بعد الآن. والعلم التركي يرفرف بالفعل فوق مباني البلديات. وفي المنطقة الكردية، يتوقع توطين لاجئين سوريين يقيمون (الآن) في تركيا. 

ولا يغفل الكاتب تشكيك أردوغان للمرة الأولى، قبل نحو عامين، في معاهدة لوزان لعام 1923، التي تضع حدود تركيا الحالية.

ويقول إنه منذ ذلك الحين، تقوم صحف تركية بطباعة خريطة لحركة الاستقلال التركية، مرسوم عليها الممر من حلب إلى الموصل أيضًا كجزء من تركيا، وكذلك الجزر في بحر إيجة، التي تقع قبالة البر التركي الرئيس، وتنتمي إلى اليونان.

يبدو أن الفرصة أصبحت مواتية لتركيا لتحقيق مشروعها التوسعي، ولو على حساب دماء الأكراد، وبنموذج إحلالي للسكان. 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة