الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

مغناطيس الشفقة

كيوبوست- ترجمات

ريبيكا توسيغ

أشعر وكأنني مغناطيس للشفقة، فجسدي يجذب المساعدة من جميع أرجاء الكون إلى كرسيّي المتحرك؛ سواء في مواقف السيارات أو المراكز التجارية أو المطارات أو المكتبات أو ….

قد أشعر بعدم الارتياح؛ لأن كثيرين لا ينتبهون إلى وجودي، أو ينفرون مني فيضمون طفلهم إلى صدرهم أو ينكمشون على أنفسهم حين أمر بقربهم على الكرسي المتحرك؛ ولكن ما يزعجني حقيقة هو اللطف الزائد، إذ يبدو مثل ذبابة لا تتوقف عن الطنين ولا تنتظرني بما يكفي لأضربها. إنها غير مؤذية حقاً؛ ولكن لا أدري لماذا أشعر برغبة في تحطيم المنزل كلما سمعت طنينها؟

أصابني الشلل حين تعالجت من السرطان في طفولتي المبكرة، وبدأت في استعمال الكرسي المتحرك منذ سنتي الأولى في المدرسة، فكان لديَّ ثلاثون عاماً لأتعرف على قدراتي الكبيرة، ولأعرف كم كان الناس يفترضون أنني عاجزة.

بشكل عام يظن الأمريكيون أنهم قد فهموا مسألة الإعاقة. لا تقل كلمة مُعاق، لا تسخر، الإعاقة لا تحدد هوية الشخص، حاول أن تقدم المساعدة، والقاعدة التي تحكم كل هذه الأمور هي: كُن لطيفاً. ولكنْ عندما يقول لي أحدهم متلاطفاً: “كل ما أراه عندما أنظر إليك هو امرأة جميلة؛ حتى إنني لا ألاحظ كرسيك المتحرك”، يبدو لي وكأنه يمحوني من الوجود.

اقرأ أيضاً: الأثر الذي تركه ستيفن هوكينغ

 إن تجاهل الناس للإعاقة يعني أنهم يرونها مأساوية أو دونية تتعارض مع الصحة التامة والجمال والكمال والنجاح والسعادة، ويرون من اللطف أن يُقْصوا هذه الصفة القبيحة عن شخص يعتقدون أنه جيد. ولكن هل نحاول إقصاء الرشاقة أو الشهادات العليا أو الثراء عمّن يمتلكها؟ بالطبع لا؛ لأننا نرى هذه الخصائص إيجابية بطبيعتها. وسواء أكان أصحاب هذه الخصائص يعتبرونها جزءاً من هويتهم أم لا؛ فإننا لا نتكبد عناء إخبارهم أننا نرى أجسامهم الرشيقة أو شهاداتهم العليا وأكوام النقود التي يمتلكونها.

كثيراً ما ينزعج الناس عندما أخبرهم عن مشاعري لكوني على الجانب المتلقي من معادلة اللطف، وربما يرجع ذلك إلى حقيقة أن الكثيرين منا يعتقدون أن اللطف هو أحد أهم الخصائص التي يمكن أن يمتلكها الإنسان. إن إساءة فهمنا لمسألة اللطف تعتبر تهديداً كبيراً لإحساسنا بأنفسنا ولفهمنا للعالم من حولنا. ولكنني كمغناطيس لطف مخضرم، أعتقد أن محاولة الناس أن يكونوا لطفاء يمكن أن تكون شافية أو مؤذية، مفيدة أو صادمة.

في اليوم العادي أسحب الكرسي وألقيه في سيارتي ما لا يقل عن ثماني مرات، وعادة لا يستغرق ذلك مني أكثر من 30 ثانية. وفي أحد الأيام، وبينما كنت أهمّ بذلك سمعت رجلاً يصيح بي ويعرض عليَّ المساعدة. وعبثاً حاولت أن أقنعه أنه لن يستطيع تسهيل الأمر عليَّ، فظل يردد تنبيهاته لي من السقوط حتى أفقدني هدوئي، وأشحت عنه بوجهي.

اقرأ أيضاً: الغطرسة الاجتماعية مفتاح للنجاح؟ علم النفس يجيب

إنه تأثير الأفكار المسبقة أحادية البعد المتأصلة في ثقافتنا، بعض الناس ضحايا وبعضهم أبطال. الناس لا يملون من قصص الإعاقة واللطف تماماً مثل قصص حفلات الزفاف الملكية أو قصص الحيوانات التي تحتضن مولوداً من فصيلة أخرى. حتى إن هنالك نوعاً جديداً من القصص الإخبارية ينتشر على الإنترنت حول نجوم كرة القدم الذين يصطحبون أطفالاً معاقين إلى الحفلات الموسيقية.

ريبيكا توسيغ في الخامسة من عمرها- “التايم”

في عام 2018، كانت الشابة كلارا دالي على متن طائرة عندما سمعت نداء “هل من أحد يعرف لغة الإشارة الأمريكية؟”، وعرفت بوجود مسافر أصم ومكفوف على متن الطائرة ولا أحد يستطيع التواصل معه، فتقدمت للمساعدة وأخذت تنقر الكلمات على كف يده. لاحقاً، كان هنالك أربع صور على الأقل على صفحات “فيسبوك”؛ ثلاث منها كانت الكاميرا فيها تركز على الفتاة وكأنها قادمة من عالم آخر، فيبدو شعرها الأشقر وخداها المتوردان، بينما لم يظهر من الرجل سوى الجهة الخلفية من رأسه وطرف لحيته!

وفي وقت لاحق، ظهر الرجل في لقاء على محطة أخبار محلية، وقال إنه معتاد على العزلة، وشكر الفتاة على مساعدته؛ ولكن هذا التفصيل كان مجرد لمسة من الشفقة على القصة ولم يأخذ بعده الطبيعي، إذ إن عنوانها لم يكن “رجلاً ضريراً وأصم يلقي الضوء على النبذ الاجتماعي للمعاقين”، ولم تبد المقابلة أي اهتمام في حل مشكلة “وصمة الإعاقة” أو النبذ الاجتماعي أو حتى كيفية ملاءمة الطائرات للمعاقين، بل تحولت إلى قصة ممجوجة حول فتاة جميلة ساعدت رجلاً معاقاً لإثارة مشاعر المشاهدين لا أكثر ولا أقل!

اقرأ أيضاً: هل من الممكن اختزان تأثير الصدمات النفسية في الجسم؟

المشكلة هي أننا تجاهلنا وجهات نظر المعاقين وصوتهم لوقت طويل؛ فغابت عنا احتياجاتهم الفعلية ومشاعرهم ومعاناتهم. فنحن ننظر إليهم بأعين الأشخاص السليمين بشكل نمطي؛ حتى إننا لا نطرح عليهم الأسئلة التي تتعلق بهم، مثل: “هل تريد المساعدة من أحد؟ وهل كانت المساعدة مفيدة؟ وما احتياجاتك التي ظلت غير معروفة أو تم تجاهلها؟ وما الذي يمكن عمله كي لا تبقى بحاجة إلى مساعدة أشخاص غرباء قد لا يتوافرون في المرة القادمة؟ هل تعرف أنه تم التقاط صورك؟ هل ترغب في أن يتشارك الناس صورك؟ ما شعورك؟ كم مرة تم وضعك في هذا الموقف من قبل؟

عندما كنت في السابعة عشرة من عمري ذهبت مع صديقي سام في رحلة مع مجموعة من الأصدقاء، وعندما وصلنا إلى مدخل أحد الكهوف، قُلت لسام: اذهب وأنا سأنتظرك عند مخرج الكهف، إلا أنه أصر بشدة على أن يحملني على ظهره على الرغم من طول المسافة ووعورة الأرض. كانت رحلة شاقة مؤلمة جداً بالنسبة إليَّ، ولكن ما آلمني أكثر هو الفتاة التي استمرت في التقاط صور لسام وهو يحملني، وباهتمامها الذي تركز على البطل الذي يحمل الفتاة أكثر من الكهف نفسه. ولو أن هذا حدث اليوم لأصبحنا قصة أخرى من قصص الإنترنت: “فتى شجاع يحمل صديقته المعاقة عبر الكهف.. ما زال هنالك أمل للبشرية”.

أنا الآن في عامي الرابع والعشرين بعيد طلاقي، وأحاول تدبر أمور حياتي اليومية بنفسي. وفي مشهد روتيني أخرج من محل البقالة حاملة في حضني حقيبة ضخمة فيها كومة كبيرة من الحاجيات المختلفة، بينما أرفض شاكرةً عروض المساعدة التي تنهال عليَّ. وفي أحد تلك الأيام اقترب مني رجل في سن والدي ليعرض مساعدته لركوب السيارة، فشكرته قائلةً إني أستطيع أن أتدبر أمري، فنظر إليّ باستغراب وكأنني قُلت إني سأقفز من فوق سيارتي، وتراجع إلى سيارته ووقف يراقبني.

اقرأ أيضاً: لماذا نبكي؟ اكتشافات علم النفس بشأن الدموع العاطفية

يومها حاولت أن أتجاهل ثقل نظرات الرجل؛ ولكنني شعرت بيدَي ترتجفان وبدأت أتصبب عرقاً. وعلى الرغم من ارتباكي فقد أنجزت عملي وبقيت الخطوة الأخيرة، وهي أن أسحب حقيبة المشتريات فوق جسدي وأضعها على مقعد السيارة؛ ولكن الحقيبة كانت عالقة وكلما سحبتها بقوة أكثر شعرت بالضيق أكثر وازداد تنفسي صعوبة. أخيراً قُلت له “إنك تسبب لي التوتر، هلا، توقفت عن مراقبتي؟”.

دون أن يتفوه بكلمة واحدة مشى إلى الجانب الآخر من سيارته ووقف وأدار ظهره لي. شرعت في تناول حاجياتي قطعة بعد أخرى ورميتها على مقعد السيارة بجانبي، وأغلقت باب سيارتي بعنف وانطلقت، أمتار قليلة وكانت دموعي تنساب على وجنتي.

مجموعة من ذكريات ريبيكا توسيغ- المؤلفة

في السابعة والعشرين، أجلس وحيدة في مقهى مزدحم، أصحح ورقة امتحان اللغة الإنجليزية لطالب مستجد، تقترب فتاة من طاولتي، وتسألني إذا كنت لا أمانع في أن تصلي لأجلي كي أتعافى وأتمكن من المشي مجدداً. أردت أن أصرخ في وجهها؛ ولكني تمالكت نفسي وقُلت لها “لا شكراً، لا أظن أنني سأكون مرتاحة لذلك”، شعرت بالفخر؛ لأنني قلت كلمة “لا”، فهي كلمة جديدة في قاموسي. ولكنها أصرت قائلة: “لن أفعل ما قد يزعجك، فقط سوف أدعو لك بالشفاء”.

أردت أن أتمسك برفضي؛ ولكن من يمكنه أن يرفض الدعاء؟ لم أرغب في أن أكون امرأة عابسة تجلس على كرسي متحرك وتصب جام غضبها على فاعلة خير مبتسمة. رضخت لطلبها، وضعت يدها على كتفي، أشعر أن معدتي باتت في حنجرتي، بدأ الناس ينظرون إلينا. أنهت الفتاة صلاتها فشكرتها على لطفها رغماً عني؛ لأني كنت أشكرها على أمر فعلته وجعلني أشعر بأنني صغيرة جداً.

اقرأ أيضاً: هكذا تتجاوز الإحباط وتحب قدرك

لِمَ لا أستطيع أن أخبرها عما جعلتني أشعر به؟ هل أحميها أم أحمي نفسي؟ أفكار تدور في رأسي بينما أحدق في شاشة كمبيوتري وأشعر بفراغ رهيب. لا تجعلي من الأمر قضية، إنها مجرد فتاة لطيفة تصلي لشفائك. أشعر بغصة في حلقي، وكذلك في عينَي.

ربما يسأل بعضكم: كيف يمكنني أن أقدم المساعدة؟ وكيف لي أن أعرف متى يكون الشخص محتاجاً أو غير محتاج إلى المساعدة؟ وما القواعد الصحيحة؟ في الحقيقة، التفكير البشري معقد، والتواصل يمكن أن يكون مركباً ودقيقاً. فعبارات مثل “لا، شكراً” أو “لا أشعر بالارتياح لذلك” ليس من الضروري أن يتم البوح بها دائماً عن طريق اللغة. عليك الانتباه إلى الإنسان الذي يقف أمامك. ما الإشارات التي يرسلها إليك؟ ما التعابير التي تراها على وجهه؟ انتبه إلى عينَيه، هل تتجنبان نظراتك أم تنظران إليك بترحاب؟ وإذا لم تكن متأكداً يمكنك أن تسأل؛ ولكن، إذا قال أحدهم “لا شكراً”، فعليك أن تستمع إليه.

عندما نرى شخصاً محروماً من نعمة نتمتع نحن بها غالباً ما ينتابنا شعور بالذنب. هنالك شعور بعدم الراحة من رؤية شخص يعاني بشدة ليقوم بعمل نستطيع فعله بيُسر وسهولة، ويمكننا تلطيف هذا الشعور بالانزعاج عندما نمد يد العون لذلك الشخص. ولكننا عندما نركز على التخفيف من انزعاجنا؛ فإننا لا ننظر إلى وجه الشخص الذي نمسك بيده. هل ندري حقاً ما الذي يحتاج إليه هذا الشخص بالفعل؟ هل هي مشكلة آنية يجب أن نحلها في حينها أم أن هذا اللقاء العابر يكشف عن الحاجة إلى تغيير بنيوي حقيقي؟

كأي شخص آخر، فإن المعاقين لديهم مقدراتهم؛ ولكنهم في الوقت نفسه يحتاجون إلى بعض المساعدة من الآخرين. تماماً مثل بقية الناس؛ فإن إمكانات واحتياجات كل واحد منهم فريدة من نوعها، ويجب عليك الانتباه إلى فهمها. فإذا أردتم أن تكونوا لطيفين فعلاً مع ذوي الإعاقة فعليكم دعوتهم إلى الانضمام إلى مؤسساتكم وأعمالكم وبرامجكم، اسمحوا لهم بأن يلعبوا أدواراً أكبر من دور متلقي الإحسان الممتنين. قوموا بتوظيف أصحاب الإعاقة في مختلف المهن ليشاركوا في عالمكم، وافعلوا ما في وسعكم لجعل هذا العالم في متناولهم. وإذا كنتم لا تزالون مصرين على توصيف هذا النوع من السلوك على أنه “لطف” فعليكم أن تدركوا أن دمج ذوي الإعاقة هو لطف تجاهنا جميعاً؛ لأن الاستماع إلى الأصوات المكبوتة يعطينا جميعاً التنوع والإبداع وقوة التحمل والجمال والابتكار والقوة.

بعد ظهر أحد الأيام، عندما أوقفت سيارتي أمام أحد مراكز الصيانة رأيت رجلاً يراقبني وأنا أخرج كرسيّي المتحرك من سيارتي وأقوم بتركيبه على الرصيف المجاور، وهذا أمر عادة ما ينتهي بشعوري بالضعف؛ إلا أنني هذه المرة جهزت الكرسي بسرعة فائقة، فلم أترك له المجال ليراني شخصاً ضعيفاً ويائساً.

جملة بسيطة قالها “يبدو أنك بارعة في ذلك” جعلتني أرفع رأسي نحوه، وأقول له: “نعم، بالفعل أنا كذلك”.

المصدر: التايم

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات