الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

مغربية محتجزة في مخيمات “قسد”: “داعش” دمَّرني.. وأنتظر ترحيلي

المغرب- حسن الأشرف

تسرد سيدة مغربية عالقة في مخيمات الاحتجاز القسري الخاضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في حوار مع “كيوبوست”، قصة رحيلها رفقة زوجها من شمال المغرب إلى معسكرات تنظيم داعش الإرهابي، وكيف أنها تبعت زوجها (الذي قُتل لاحقاً في معارك “داعش”) دون أي اقتناع أيديولوجي.

ووَفق المغربية العالقة (أم لطفلَين)، فإن “(داعش) كان السبب في تشريدها وتدمير طفولة ابنيها”، مبرزةً الأوضاع الاجتماعية والنفسية والأمنية المزرية حالياً داخل هذه المخيمات التي تقبع فيها العديد من المغربيات وأطفالهن، رفقة نساء أخريات من مختلف الجنسيات.

اقرأ أيضاً: إعادة جهاديين مغاربة في سوريا.. بين الاجتماعي والأمني

وفي ذات الحوار، تؤكد المتحدثة وجود ظاهرة لجوء عدد من النساء في المخيمات إلى الزواج عبر الإنترنت برجال يقدمون رشاوى مالية لتحريرهن وإنقاذهن من الاحتجاز، مطالبةً السلطات المغربية بترحيل العالقات؛ خصوصاً الأرامل واللائي ليست لديهن مشكلة في إثبات هوياتهن وهويات أطفالهن.

وهذا نص الحوار:

في البداية.. هل يمكنكِ تعريف القارئ العربي بهويتكِ كاملة؟

أنا امرأة مغربية عالقة في مخيمات الاحتجاز القسري الخاضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بإيعاز من التحالف الدولي لمكافحة تنظيم “الدولة الإسلامية” المعروف اختصاراً بـ”داعش”. أنا أم ثلاثينية؛ أرملة من مخلفات المجتمع الذكوري، مسقط رأسي في شمال المغرب؛ حيث العرف العائلي والعادة الاجتماعية لها قداسة فوق كل اعتبار نفسي وشخصي آخر، ومن بيئة جد محافظة بالتوارث لا بالتمسك بالدين.

يعيش القاطنون في المخيم في ظروف إنسانية سيئة- وكالات

تزوجت وقريناتي يلعبن لعبة (الغُميضة)، وهكذا تم إرفاقي مع “جهاز عرسي” في بيت الزوجية إلى محطة أخرى في حياتي، لتشكل بعد ذلك محطة فارقة في عمري، وهأنذا أدفع ثمنها من سنوات شبابي.

لننطلق منذ بداية القصة.. لماذا قرر زوجك الذي قُتل في معارك “داعش” الانتقال من المغرب إلى معسكرات هذا التنظيم الإرهابي؟ ما الذي أغراه تحديداً؟ البحث عن “الجنة”؟ أم البحث عن عوائد مادية من طرف “داعش”؟

بعد الصخب الإعلامي الموالي والمعادي للتنظيم، انكب زوجي على تتبع الأخبار هنا وهناك، وأخذ مساحة ما لبثت أن تحولت إلى فجوة بينه وبين الإعلام الرسمي، وكان تواقاً للهجرة (السفر) إلى ربوع الخرافة (لا الخلافة) مثل توقه إلى مصافحة “بن لادن” في تورا بورا، وهذا الذي ستكشفه لي الأيام بعد زواجنا، فأنا ما كنت أعرف عنه وعن أفكاره شيئاً.

وبعد إعلان “الخرافة” شطحَ زوجي ونطح وصمم على السفر (الهجرة) إلى أرض تطبق شرع الله وتحكم بالدستور الرباني، وَفق زعمهم.

اقرأ أيضاً: هل ينجح الأكراد في اجتثاث الدواعش من مخيم الهول؟

أما الإغراء فقد جاء على شكل الانتقال من الجحيم الاقتصادي والإقصاء الاجتماعي إلى الفردوس المفقود؛ حيث الناس تسند إلى مهام تلائم مستويات تعليمها، والطبقية معدمة، والخلائق سواسية والحياة المجانية.

أما بخصوص البحث عن الجنة؛ فهل هناك دافع أقوى من هذا يقنع المرء نفسه به حتى يلقي بها إلى التهلكة، في غياب كلي لمفهوم الحديث الشريف “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”.

 سفرك رفقة زوجك إلى بؤر التوتر، هل كان اقتناعاً دينياً وأيديولوجيا بالرغبة في مشاركته في “الجهاد”، أم فقط طاعة لزوجك؟

كنت امرأة تقليدية وما زلت؛ لكن بحدود.. امرأة مُنية قلبها لمعة الرضا في عينَي زوجها.. كلمته لا تناقش وقراره يُنفذ.. فأي اقتناع أيديولوجي؟! ولم أكن أعرف مَن ابن تيمية والشهرستاني؟

صورة من تحقيق سابق لـ(الواشنطن بوست)

ألم تُقَدِّري حينها خطورة الخطوة التي أقدم عليها زوجك الراحل؟

زوجي خريج حقوق، كان يلتهم كتب القانون؛ مثل لقمة كسكس، وعندما سألته عن الأمر قال لي: النساء ما عليهن شيء في القانون المغربي، وأنا الغبية البلهاء صدقته حينها، كيف لزوجي عزوتي وتاج رأسي أن يعرضني إلى الخطر أو يغامر بي وبطفلَيه.

هذا من جانب، وكان هناك جانب آخر هو العائلة؛ ما كانت لتقبل أن أنفصل عنه، وإلا بهذا كنت سأصبح أول مطلقة في سلالتنا (ولا أبالغ)، وهذا الذي ما كان ليحدث ولو على حساب حياتي.. وهذا الذي كان، ومهما شرحت عن انعدام الاحتواء العائلي للمرأة في مجتمعنا الوصي، لن أفلح في إيصال الصورة.

اقرأ أيضًا: فيروسات التكفير والتطرف تنبعث في زمن “كورونا” بالمغرب

هل تؤيدين “داعش”؟

بكل تأكيد لا أفعل؛ بل إني مناوئة لهم بشكل خاص، فقد كانوا السبب في دمار طفولة أولادي وتشريدي وتعريضي إلى إهانات نفسية لفظية لن أتجاوزها إلا إذا لقحت بـ”ألزهايمر”!

أنتِ الآن توجدين في مخيمات سوريا.. ما وضع المغربيات وأطفالهن هناك؟

تحديد مكاني يعرضني ويعرض المغربيات إلى خطر المداهمات والتفتيش والسَّوق بعد ذلك إلى الحبس الانفرادي.

 وضعهن مترنح بين تماطل الساسة في تفعيل قرار ترحيلنا وبين الوضع الكارثي والانفلات الأمني الذي دخلته المنطقة بعد التوتر القائم للأكراد مع دولة تركيا، وطبعاً بعدما طلّ تنظيم داعش بقرنَيه مؤخراً في أحداث غويران، أما الأطفال فذاك جرح مصبوب به ملح صخري.

أطفال في مخيم الهول- صورة: “الواشنطن بوست”

كشف تحقيق صحفي بريطاني عن بحث عدد من النساء الأرامل أو العزباوات في المخيم عن الزواج عبر الإنترنت من رجال يقدمون رشاوى وأموالاً لتحرير وإنقاذ هؤلاء النساء من المخيم.. إلى أي حد هذا الوضع صحيح؟

أولاً: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهن به، ونسأل الله الهداية لنا ولهن.

وثانياً: للأسف هذا صحيح. وكما تعلم سيدي لكل سبب مسبب؛ فهؤلاء النسوة ما قُمن بهذا من فراغ، وأنا هنا لا أبرر الفعل؛ لكني لا أحكم على السبب، قبل معرفة الدوافع…

هناك نساء عوائلهن تخلين عنهن معنوياً ومادياً، وتم إهمالهن من قِبل دولهن، فتجد الواحدة منهن، فوق الاعتقال وظروفه السيئة جداً، ممنوعة من العمل، وتتحمل مأكل ومشرب وكسوة وتطبيب وعلاج كومة من الأطفال الذين لا يعرفون ماذا يعني “ليس معي ثمن هذا”، فما كان من بعضهن إلا الرضوخ للكلاب الافتراضية الضالة.. وأحب أن أخبرهن من خلال هذا الحوار أن “الحرة تموت جوعاً ولا تأكل بثدييها”.

اقرأ أيضاً: دوافع تطرف النساء والدور المتنامي للجهاديات

هل هناك بالفعل علاقات متوترة داخل المخيم بين النساء المؤيدات لـ”داعش” (المهاجرات) وأُخريات رافضات للتنظيم وراغبات في الرجوع إلى بلادهن؟

نعم؛ التوتر وصل إلى القطيعة بين الفئتَين، فهن يرون الرافضات للتنظيم مرتدات كافرات وجب بغضهن ومعاداتهن وإقصاؤهن ونبذهن.

هناك إشكال بخصوص تحول المخيمات إلى تفريخ وتعشيش أيديولوجيا “داعش” الإرهابية في عقول الصغار هناك.. ألا تشعرين بالخوف على طفلَيكِ؟

ما دام هذا احتمالاً قائماً، لماذا هذا التأخر في تسريع عملية الترحيل للفئات التي لا إشكال فيها وفي أطفالها!

أخاف على الأطفال من غدر “مريدات التنظيم”، والخوف الأكبر نزعهم مني بعد بلوغ 12 سنة وسوقهم إلى جهة مجهولة من قِبل الأكراد.

أما أن يتعرض أطفالي إلى تأثير مريدات التنظيم على أفكارهم، فهذا احتمال بعيد؛ لأنني مرتدة في نظرهن، وأطفالي حكمهم من حكمي في عقيدتهن، فالولاء والبراء يشملانهم أيضاً.

أوضاع مزرية في مخيم الهول- (أ.ف.ب)

هل تتعرضون إلى التعنيف في المخيم؟ ومَن يقوم بذلك؟

هناك تجاوزات فردية بين الفينة والأخرى؛ ولا يمكننا شمل الكادر التسييري بذلك، يده نظيفة ولا دليل على مباركتهم الأمر، وإذا حصل لا يكون إلا من قِبل عسكريات في دوريات المراقبة والحراسة.

هل تتوقعين أن تنظر الدولة المغربية في ملف إرجاعكن مع أطفالكن؟

لا أتوقع.. توقفت عن الأحلام منذ فترة؛ إنما أنتظر ذلك بكل ثقة في كون المغرب لن يتخلى عن بناته وأطفاله، وقد دخل الملف إلى البرلمان، وتم تشكيل لجنة استطلاعية أخرجت تقريراً يؤكد هذا، مع منح ملفنا فسحة لا يستهان بها في إعلامنا الرسمي وغير الرسمي. أنا أنتظر ترحيلي ولا أتوقع.

اقرأ أيضاً: التعامل مع المقاتلين الأجانب العائدين: أفكار من الخبرات المغربية

هناك تخوف رسمي من تحول العائدين والعائدات من بؤر التوتر إلى المغرب إلى مشروعات إرهابية جديدة.. هل تتفقين مع هذه التخوفات؟

لا شأن لي بالعائدين.. أما العائدات فلا أتفق مع هذا الطرح ألبتة؛ ليس لأنني أريد العودة فأقول أي كلام تسويقي، ولكن أتحدث من منطلق ما رأيناه وعشناه وما زلنا نكابد سرطنته لأيامنا، فالذي عاش الذي عشناه وما زال يتذكر ربه واسمه يستحيل أن يخطئ في حق بلده، وصدقني إن لم يتحولوا إلى الحائط المنيع للذود عن حمى وطنهم لن يضروه قيد أنملة، وكذلك جهازنا الأمني ليس نائماً.

ماذا تقترحين كمغربية تود العودة إلى بلادها لتيسير هذه العملية؟

أن يتم البدء بترحيلنا بشكل استعجالي على دفعات، باللواتي لا إشكال لديهن في ثبوتية هويتهن وهوية أطفالهن؛ والأرامل على وجه الخصوص، واللواتي أثبتت سنوات اعتقالهن ردمهن خندق “الراديكالية” بسلميتهن وتفتحهن ونبذهن التطرف الديني.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة