الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

مع شهرة البرازيل بإنتاج اللحوم فإن النباتيين في صعود!

كيوبوست- ترجمات

إرنيستو لوندونيو♦

بعد سنوات من عملها في تحضير الوجبات النباتية في مركز لجلسات تأمل في الجبال القريبة من ريو دي جانيرو، وجدت لويزا دي ماريلاك تافاريز حياتها وقد انقلبت رأساً على عقب، وأصبحت عاطلة عن العمل بعد أن أغلق المركز أبوابه بسبب الجائحة.

بدأت بالطهي من المنزل على أمل أن تتمكن من أن تكسب قوت يومها من تحضير طلبات أشخاص من معارفها؛ ولكن ما حصل هو أن الطلبات تزايدت بشكل كبير على طعامها الرائع. وبقليلٍ من التسويق على موقع “إنستغرام” وجدت نفسها في خضم الطلب المتزايد على الأطعمة النباتية في البرازيل.

اقرأ أيضاً: العلاقة بين الإفراط في تناول اللحوم الحمراء والإصابة بالسرطان

وقد شهدت البرازيل، وهي أكبر مصدِّر للحوم البقر في العالم، تحولاً دراماتيكياً نحو الأطعمة النباتية. وتضاعف عدد النباتيين في البرازيل خلال فترة ست سنوات، ووفقاً لاستطلاع أجرته شركة “Ibope” للأبحاث عام 2018 فإن 30 مليون شخص أو ما نسبته 14% من البرازيليين هم من النباتيين.

تنتمي السيدة تافاريز إلى مجموعة هاري كريشنا (مجموعة دينية هندوسية تأسست في نيويورك عام 1956- المترجم)، وهي تؤمن أن الطهي هو عمل مقدس يقربها من الله. تقول السيدة تافاريز: “هنالك تحول في الوعي ينتشر في الوقت الحاضر”. ولكن هذه الموجة من التحولات لا تقتصر على أتباع معتقدات دينية معينة.

أصبحت محلات السوبر ماركت الكبيرة تكدس الأطعمة المصنوعة من البروتينات النباتية إلى جانب اللحوم والدواجن والأسماك. وفي الأحياء الراقية، في العواصم الكبرى، بدأت المطاعم التي تولي اهتماماً بالمناخ يوازي اهتمامها بالطعام، بتقديم وجبات مبتكرة خالية من اللحوم لزبائنها.

لويزا تافاريز ترتدي كمامة سوداء تتحدث مع زبائنها بينما يتناولون غداءهم- “نيويورك تايمز”

نقل هذا التوجه الجديد بلد المئتين واثني عشر مليوناً -الذي يشتهر بمطاعمه التي تقدم وجبات مفتوحة “كل ما تستطيع تناوله” من شرائح اللحم، والذي يعاني الضغوط العالمية بسبب الانبعاثات الكربونية الناتجة عن مزارع الماشية فيه- إلى مركز قوة لابتكارات صناعة الأطعمة النباتية.

شهدت المنشآت البرازيلية القائمة على الأغذية النباتية طلباً متزايداً منذ أن أصبحت بدائل البروتين الحيواني متوفرة على نطاق واسع في محلات السوبر ماركت والمطاعم في عام 2019. ويتوقع أصحاب هذه المنشآت أن المستهلك لن يكون قادراً خلال خمس سنوات على التمييز بين قطعة برجر من اللحم البقري، وتلك المصنوعة من بروتين البقول، وعصير الشوندر، ونشاء البطاطا.

برونو فونسيكا، الشريك المؤسس في شركة “الجزارين الجدد”؛ وهي إحدى الشركات البرازيلية الجديدة التي تصنع بدائل نباتية للحوم الحيوانية، مثل قطع البرغر وبدائل صدور الدجاج والسلمون، يقول: “نحن نعيش في مرحلة ثورة”.

شاهد: 5 خرافات حول التغذية

يقول الخبراء إن الوعي الصحي هو الدافع الأكبر وراء التحول عن البروتين الحيواني. فقد ازداد انتشار السمنة والسكري وأمراض القلب والأوعية في البرازيل في السنوات الأخيرة؛ بسبب تبني الناس أسلوب حياة تقل فيه الحركة، وتدني أسعار الوجبات السريعة، وسهولة الوصول إليها.

كما أن قطع الغابات المتزايد الذي تقف وراءه صناعة اللحوم، إلى جانب حركات حقوق الحيوان التي تزداد قوة وتأثيراً، تشكل عوامل ثانوية تدفع البرازيليين إلى التقليل من أو الامتناع عن إدخال المنتجات الحيوانية في نظامهم الغذائي.

غابة محروقة مجاورة لمزرعة ماشية في منطقة أبياكاس في ولاية ماتو غروسو البرازيلة- “نيويورك تايمز”

بالنسبة إلى معظم البرازيليين، لم يكن التخلي عن تناول اللحوم أمراً يمكن التفكير فيه قبل سنواتٍ قليلة، فوجبة فيجوادا؛ الطبق الشعبي الأكثر انتشاراً في البرازيل، تتألف من حبوب الفاصولياء ولحم الخنزير، كما أن حفلات الشواء في عطلة نهاية الأسبوع تعتبر تقليداً شعبياً يجمع الأصدقاء والعائلة حول طاولة غنية بشرائح اللحم والدجاج.

يقول غوستافو غوادانييني؛ المدير الإداري في مؤسسة “الطعام الجيد” البرازيلية، التي تقدم الدعم للشركات التي تصنع البدائل النباتية: “إن تناول الطعام هو ثقافة قائمة.. والأمر يتعلق بالمنطقة التي تنتمي إليها وبالوصفات العائلية”. وهو يرى أنه حتى وقتٍ قريب مضى، كان اقتراح أن يتوقف البرازيليون عن تناول اللحوم يعني الطلب إليهم أن يتخلوا عن جزء من هويتهم، ويقول: “الآن نحن نوفر الطعام نفسه الذي اعتاد الناس على تناوله؛ ولكن بطريقة تعتمد على تقنيات جديدة.. وأصبح بإمكانهم الاختيار بسهولة تامة”.

اقرأ أيضاً: أعداد الأمريكيين الذين يعانون الجوع تتزايد

يشجع أنصار النظام الغذائي النباتي في البرازيل الناس على البدء بتغيرات تدريجية، مثل الامتناع عن تناول اللحوم يوم الاثنين، على سبيل المثال.

سارة لوبيز؛ مديرة مؤسسة “الرحمة للحيوانات” تشرف على فريق يقوم بتحريات سرية عن الممارسات القاسية في مزارع الأغذية. وإلى جانب سياستها التقليدية في التشهير بمَن يمارسونها، تمكنت المؤسسة من تحقيق نجاح كبير في حمل العديد من المناطق التعليمية والشركات على التقليل من اللحوم الحيوانية التي يقدمونها.

قالت السيدة لوبيز إن العديد من المدارس العامة في البلاد قد وافقت على تخفيض نسبة البروتين الحيواني الذي تقدمه بنسبة 20%، وذلك من خلال عدم تقديم اللحوم يوماً واحداً في الأسبوع. وهذه الخطوة تقدم البدائل النباتية للأولاد في سن مبكرة، وتعطي المسؤولين الشعور بالرضا لدعمهم قطاعاً في الصناعات الغذائية يعمل ضمن شروط أكثر استدامة.

تقول السيدة لوبيز: “نحن لا نطلب الشيء الكثير، والأولاد يحبون الأطعمة البديلة التي تقدم لهم”.

سوق الخضار والفواكه في ريو دي جانيرو- “نيويورك تايمز”

لاقت مجموعات مثل “الرحمة للحيوانات” التي افتتحت مكتباً لها في البرازيل عام 2015 دعماً قوياً من أهم المشاهير في البلاد.

تقول أنيتا، وهي واحدة من أهم فناني التسجيلات في البرازيل، إنها قلصت استهلاكها للحوم كثيراً؛ بسبب اهتماماتها البيئية.

اقرأ أيضاً: نظرية جديدة حول تماثيل “فينوس” يقدمها باحثون

فيليبي نيتو، مدون الفيديو الرائد الذي يتابعه أكثر من 40 مليون شخص على “يوتيوب”، أعلن في العام الماضي أنه أصبح نباتياً بعد أن أثارت البرازيل غضباً دولياً في أعقاب موسم حرائق مدمر للغاية في منطقة الأمازون. وقال العام الماضي؛ موضحاً الدوافع وراء تحوله: “أنت تعرف هذا الشعور، عندما تفعل أمراً خاطئاً وأنت تدرك أنه خطأ، فإن عواقبه سوف تؤثر على ضميرك”.

تعتبر مقدمة البرامج التليفزيونية زوزا مينيغيل، التي اشتهرت برامجها في أنحاء أمريكا اللاتينية، من أهم المشاهير المناضلين النباتيين في البرازيل. وقد عزَت مينيغيل الفضل في تعزيز طاقتها ورغبتها الجنسية إلى نظامها الغذائي النباتي، وقالت إن مشاهدة برامج وثائقية؛ مثل ” Cowspiracy” و”What the Health”، جعلتها تؤمن أن أكل الحيوانات ليس ضاراً بالصحة فقط؛ بل هو أمر عديم الضمير. وقالت: “أود أن أشجع الناس على الإقلاع عن عادة الاحتفال بأعياد الميلاد، والمناسبات الأخرى، بالتجمع حول طاولة تعج بالأطباق التي تحتوي على الحيوانات النافقة.. أتمنى أن أرى الناس يقللون من استهلاكهم للجثث”.

طهاة يعدون غداءً نباتياً في أحد معابد هاري كريشنا في ريو دي جانيرو- “نيويورك تايمز”

لاحظت الشركات التي تعتمد على حب البرازيليين للحوم هذا التحول في الرؤية والذوق، وبدأت بالالتفاف نحو أسواق المنتجات النباتية المتنامية.

وأطلقت سلسلة مطاعم “أوتباك ستيك هاوس” الشهيرة في البرازيل، في بداية هذا العام، شطيرة برغر نباتي مصنوع من القنبيط والبروكلي.

وفي العام الماضي أيضاً، تعرَّضت شركة “JBS” البرازيلية؛ وهي من كبرى شركات العالم المصنعة لمنتجات اللحوم، إلى هجومٍ كبير نتيجة دورها المزعوم في قطع الغابات بشكل مخالف للقانون في الأمازون، ثم أطلقت خطاً من المنتجات النباتية التي تسوقها على أنها تتمتع بنفس قوام وطعم اللحوم الحيوانية. وترى الشركة أن توسيع هذا القطاع هو الطريقة الوحيدة لضمن استدامة تغذية البشر في العقود القادمة.

اقرأ أيضاً: التعديل الجيني على البشر والحيوان والنبات.. خطر مميت يلوح في الأفق

قالت الشركة، في بيان وزع عبر البريد الإلكتروني: “بحلول عام 2050 سيبلغ عدد سكان العالم عشرة مليارات وسوف يزداد الطلب على الطعام، وسيكون من الضروري توفير البدائل. تسعى استراتيجية البروتين النباتي من شركة (JBS) إلى تأمين بدائل جديدة للمستهلكين نباتيين أو غير ذلك”.

ماركوس ليتا، مؤسس شركة “Fazenda Futuro” (مزرعة المستقبل) التي أصبحت عام 2019 أول شركة برازيلية ناشئة كبرى تبيع منتجات اللحوم النباتية في متاجر المواد الغذائية، قام بدراسة سلاسل توريد صناعة اللحوم في البلاد وطرق التصدير، وهو يعتقد أن البرازيل لديها الإمكانية لتصبح مصدِّراً رئيسياً للمواد الغذائية النباتية.

عمال في خط إنتاج شرائح السمك النباتية في أحد مصانع شركة “الجزارين الجدد” في ساو باولو- “نيويورك تايمز”

يعبِّر السيد ليتا عن سعادته لرؤية منتجاته معروضة في محلات السوبر ماركت، إلى جانب علب الدجاج واللحوم المثلجة، ويقول إنها مسألة وقت فقط قبل أن يتمكن هو ومنافسوه من الإنتاج على نطاق يمكنهم من منافسة اللحوم والدواجن الرخيصة.

وأكد أنه يأكل اللحوم فقط كجزء من عمله في البحث والتطوير للوصول إلى القوام والطعم المناسبَين لمنتجاته، ويقول: “إن مَن ينافسني هم الجزارون، ورسالة الشركة هي أن تتمكن في يومٍ ما من إنهاء وجود مصانع تعبئة وتغليف اللحوم”. وهو يعتقد أن شركته تحقق تقدماً نحو تحقيق هذا الهدف. فقد بدأ مؤخراً بتصدير منتجاته، التي تضم بدائل عن كرات اللحم واللحم المفروم والسجق، إلى هولندا. وقد وقع عقوداً مع موزعين في المملكة المتحدة وألمانيا والعديد من الدول في أمريكا اللاتينية.

إن ذكر هذه الشركات التي تسعى لتوفير بدائل عن اللحوم يثير انتباه السيدة تافاريز ذات الستين عاماً التي تعمل ساعات طويلة لإعداد نحو 400 وجبة أسبوعياً بمساعدة طهاة في معبد هاري كريشنا في ريو دي جانيرو.

وترى السيدة تافاريز أن هذه الشركات قد تكون نقطة انطلاق للكثيرين نحو اكتشاف التنوع والمتعة التي وجدتها في تحضير وتناول وجبات نباتية تشبه النباتات في طعمها وشكلها. وتقول: “عندما تصبح نباتياً؛ فالأمر يبدو وكأنك دخلت عالماً جديداً، فأنت ستبدأ برؤية الأشياء بطريقة مختلفة”.

♦مدير مكتب “نيويورك تايمز” في البرازيل، مقيم في ريو دي جانيرو.

المصدر: نيويورك تايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة