الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دوليةشؤون عربية

مع توسع الإرهاب في منطقة الساحل.. هل الجزائر هي الحلقة المفقودة؟

تاريخ الجزائر الطويل في مكافحة الإرهاب المحلي يمكن أن يكون مفيداً في منطقة الساحل وما عليها سوى الانخراط في الجهود الرامية لدحر التنظيمات الإرهابية

كيوبوست- ترجمات

كاميسا كامارا♦

في مقالةٍ نشرها موقع معهد الشرق الأوسط للدراسات في واشنطن، قالت الخبيرة المختصة في شؤون منطقة الساحل، كاميسا كامارا، إنه على مدى العامين الماضيين، لم يحظ التوسع المطرد للتهديدات الإرهابية والأصولية في منطقة الساحل بالاهتمام الذي يستحقه، نظراً للانقلابات العسكرية، والاضطرابات السياسية المتكررة في المنطقة. 

اقرأ أيضاً: نمو السلفية الجهادية في منطقة الساحل: انتشار النزعة القاعدية

ونظراً لانتقال عدوى الانقلابات العسكرية، فقد أدى عدم الاستقرار السياسي في منطقة الساحل إلى تركيز إقليمي ودولي على الجداول الزمنية للانتخابات والحكم الدستوري، مع التغاضي عن صعود الجماعات الإرهابية، التي تواصل إحراز تقدم، وتهدد وجود بلدان الساحل ذاتها.

وبصفتها الجار الأقرب للمنطقة، وبلد يعتمد أمنه على أمن منطقة الساحل، فإن الجزائر بعيدة عن مسرح الأحداث، على حد قول كامارا. وأضافت أنه لطالما تم الإشادة بالجزائر باعتبارها طرفاً فاعلاً بالغ الأهمية للسلام والاستقرار في المنطقة، إلا أنها كانت أقل انخراطاً بشكلٍ ملحوظ في جميع أنحاء منطقة الساحل، ولا سيما في ظل قيادتها العسكرية الجديدة، في فترة ما بعد الانقلاب.

الرئيس النيجيري محمد بازوم خلال استقبال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في النيجر

ونتيجة لذلك، تلاشى ببطء ظهورها ونفوذها كلاعبٍ أساسي. ومع ذلك، فإن النفوذ الدبلوماسي الإقليمي للجزائر، وقوتها العسكرية، وخبرتها في مكافحة الإرهاب، من الممكن أن يساعد دول الساحل في درء الانهيار السياسي والأمني الوشيك. حيث أوردت كامارا أربعة أسباب لذلك، كالتالي:

الجزائر لديها سجل حافل بالنجاح في دحر الإرهاب

خلال الحرب الأهلية الجزائرية (1992-2002)، نجحت الحكومة الجزائرية في هزيمة الجماعات الإسلامية المسلحة، بما في ذلك الجماعة السلفية للدعوة والقتال، والتي تم إحياؤها لاحقاً في مالي باسم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.

اقرأ أيضاً: بعد الانسحاب الفرنسي.. كيف ستبدو خارطة الإرهاب في مالي والساحل؟

وعلى هذا النحو، فإن تاريخ الجزائر الطويل في مكافحة الإرهاب المحلي يمكن أن يكون مفيداً في منطقة الساحل، حيث تتشابه الجهات الفاعلة مع تلك التي حاربتها الجزائر في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

ولكن منذ ذلك الوقت، تغير السياق: فبالإضافة إلى النمو الهائل لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي من حيث الحجم والانتشار الجغرافي والقدرات العملياتية، فقد تضاعفت الجماعات الإرهابية ككيانات غامضة، مما جعل منطقة الساحل ساحة معركة مختلفة تماماً عما كانت عليه الجزائر.

عناصر القوات المسلحة الجزائرية خلال مداهمة وكر لإرهابيين في مدينة باتنة الجزائرية، 2017

وفي إشارة إلى التصاعد الكبير للنشاط الإرهابي في المنطقة، أظهر مقطع فيديو تم تداوله في أواخر شهر يوليو، على وسائل التواصل الاجتماعي، عضواً في جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الجهادية يشرح باللغة البَمبرية، اللغة الوطنية لمالي، أن عاصمة البلاد ستكون قريباً هدفاً للجهود التوسعية للجماعة.

وقد أكدت المعارك الأخيرة بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى في جميع أنحاء مالي، الصراع على القيادة الذي تخوضه المنظمتان الإرهابيتان في الأجزاء الجنوبية والوسطى من مالي، وفي بوركينا فاسو والنيجر المجاورتين.

رحيل فرنسا من شأنه أن يخلق فرصة للجزائر

في 9 نوفمبر 2022، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون الانتهاء الرسمي لعملية “برخان”، وهي عملية عسكرية إقليمية دامت ثماني سنوات ومقرها تشاد، وكان هدفها محاربة الإرهاب على المستوى الإقليمي.

ومنذ تشكيل “برخان”، توطدت المشاعر المعادية للفرنسيين في جميع أنحاء منطقة الساحل، بسبب عجز القوة الاستعمارية السابقة عن هزيمة التهديد الإرهابي، وتدخلها الملحوظ في السياسة المحلية.

اقرأ أيضاً: دلالات وتداعيات إنهاء عمليات “برخان” ضد الجهاديين في منطقة الساحل

وتشترك الجزائر فيما يقرب من 3000 كيلومتر من الحدود مع موريتانيا ومالي والنيجر، وقد أعربت علناً وبشكلٍ رسمي عن رغبتها في استعادة الاستقرار في منطقة الساحل.

وفي عام 2014، تولت الجزائر دور المفاوض والميسّر في محادثات السلام بين حكومة مالي والجماعات المتمردة الانفصالية السابقة التي حملت السلاح ضدها في عام 2012.

قائد القوات المشتركة في الساحل العميد، أومارو ناماتا، خلال لقائه بقائد عملية “برخان” قبيل انسحاب القوات الفرنسية، النيجر

وفي أعقاب التوقيع على اتفاقية السلام في مالي في عام 2015، والتي كانت انتصاراً دبلوماسياً إقليمياً للجزائر، تم تكريس البلاد لاحقاً لضمان التنفيذ الفعال للاتفاقية، في حين أخذت فرنسا زمام المبادرة على الجبهة الأمنية، ما مكَّنها من إبراز دورها أكثر من أي قوة أجنبية أخرى في المنطقة.

 وباعتبارها القوة الاستعمارية السابقة لمالي، والنيجر، وموريتانيا، وبوركينا فاسو، وتشاد، كانت فرنسا منخرطةً بعمق في الحفاظ على استقرار منطقة الساحل المتقلبة على نحوٍ متزايد طيلة العقود الستة الماضية.

شاهد: فيديوغراف.. الإمارات طرف رئيس في منطقة الساحل

كما كان التدخل العسكري الفرنسي في مالي في عام 2013 سبباً في منع البلاد من الوقوع في أيدي الجهاديين، الذين استولوا على المدن الكبرى، وكانوا يشقون طريقهم نحو باماكو. وقد تكون الجزائر هي اللاعب الإقليمي الوحيد الذي يحظى جيشه بالاحترام، ويساء فهمه على حد سواء، بسبب عدم تقديم الدعم المباشر لجيرانها في منطقة الساحل، حتى عندما يُطلب منها ذلك.

بدون مشاركة الجزائر، تظل المبادرات الأمنية في منطقة الساحل غير مكتملة

إن مبادرات التعاون العسكري والاستخباراتي المتعددة التي تم الاضطلاع بها، بين منطقة الساحل والمغرب العربي، في مواجهة التهديد الإرهابي المتزايد في المنطقة، هي شهادة على المخاوف الأمنية المتشابكة والمترابطة التي تواجهها المنطقتان.

صورة نشرتها وزارة الدفاع الجزائرية لإرهابيين ناشطين في منطقة الساحل تم القبض عليهم في ولاية باجي مختار

ففي أكتوبر الماضي، استضافت الجزائر العاصمة اجتماعاً خاصاً للجنة الأركان العسكرية المشتركة بعد شهرٍ واحد فقط من زيارة وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة لمالي للمطالبة بإعادة تفعيلها.

ولجنة الأركان العسكرية المشتركة هي مبادرة جزائرية تأسست في 2010، وتضم جيران الجزائر في منطقة الساحل، النيجر وموريتانيا ومالي.

ولم تنطلق لجنة الأركان العسكرية المشتركة قط، وماتت ببطء بعد إنشاء “مجموعة دول الساحل الخمس” في عام 2014، وهي مجموعة أمنية إقليمية -بدعمٍ قوي من فرنسا- لمكافحة الإرهاب في المناطق الحدودية في منطقة الساحل.

وعلى الرغم من أن مجموعة دول الساحل الخمس استبعدت الجزائر، فإنها ضمت الدول الأعضاء في لجنة الأركان العسكرية المشتركة، النيجر وموريتانيا ومالي، إلى جانب بوركينا فاسو وتشاد.

اقرأ أيضاً: جماعة أنصار الإسلام والمسلمين تشكل تهديداً خطيراً لأمن منطقة الساحل

ورغم أن مجموعة دول الساحل الخمس كانت واعدة كمبادرة أمنية إقليمية، فقد أعلن رئيس النيجر محمد بازوم رسمياً وفاتها في مايو الماضي، بعد انسحاب مالي، مما حال دون التنسيق الفعال وتبادل المعلومات الاستخبارية بين القوات العسكرية لشركاء منطقة الساحل.

الجزائر ترغب في لعب دورٍ أقوى يمكن أن يبدأ في منطقة الساحل

قد تشير الزيارات الأخيرة إلى مالي التي قام بها وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة، واللجنة رفيعة المستوى للسلام والتنمية في منطقة الساحل بتفويض من الأمم المتحدة إلى استعداد الجزائر لاستئناف الانخراط في المنطقة بشكلٍ أكثر قوة.

وزير الخارجية الجزائري مع نظيره المالي الذي كان يزور الجزائر في إطار المشاورات السياسية المنتظمة بين البلدين

فقد تطورت علاقة الجزائر مع بلدان الساحل بشكلٍ ملحوظ على مرِّ السنين، ومنذ توقيع اتفاقات السلام بين مالي والمتمردين المسلحين السابقين في عام 2015، عمَّقت الجزائر من مشاركتها في تنفيذ الاتفاقية.

وقد يكون أهم استثمار للجزائر في منطقة الساحل هو مشروع الطريق السريع العابر للصحراء، الذي يهدف إلى ربط الجزائر بلاغوس عبر تونس وباماكو ونيامي وندجامينا. حيث إن استثمار الجزائر البالغ 3 مليارات دولار في المشروع، يوفِّر للبلاد نفوذاً إقليمياً قوياً.

اقرأ أيضاً: هل التفتت الجزائر إلى قوتها الناعمة لاستعادة عمقها الإفريقي؟

وهذه الأدوات الاقتصادية الإضافية التي تعزِّز الاعتماد المتبادل بين الجزائر ودول الساحل، إلى جانب قدراتها الاستراتيجية والعسكرية، من شأنها أن تسهل صعود الجزائر كطرف فاعل لا غنى عنه في مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل.

♦باحثة في معهد الشرق الأوسط، وخبيرة زائرة لمنطقة الساحل في معهد الولايات المتحدة للسلام.

المصدر: معهد الشرق الأوسط للدراسات

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة