الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون خليجية

معهد بروكينغز الأمريكي يدير دعايةً قطرية – إيرانية

ملايين الدولارات من أجل تحسين سمعة الدولة أمام العالم

ترجمة كيو بوست – 

نشرت مجلة “فرنت بيج ماجازين” الأمريكية تقريرًا تكشِفُ فيهِ أن الدّوحة تعمل على تجنيد المراكز البحثية الدولية بأموال طائلة، بغرض استغلال نفوذها وسمعتها في نشر الدعايتين القطرية والإيرانية. ووفقًا للتقرير، فإن أبرز المراكز البحثية التي تروّج للرواية القطرية هو معهد بروكينغز الأمريكي الشهير، الذي “يكتُب وينشُر كل ما يصبّ في صالح الدّوحة، ويتجنّب توجيه أيّ انتقاد لها”.

وتؤكّد المجلة أن “قطر أصبحت جزءًا من التحالف الإيراني”، ونتيجة لذلك، شَرَعَ “بروكينغز” في تقديم تفسيرات “ظريفة” للحوثيين المدعومين من إيران، وتصويرهم بالاعتدال، مدّعيًا إساءة فهمهم من قِبل العرب، وأنّ تأييد الحصار السعودي دفعهم إلى الانحياز نحو إيران وحزب الله.

وتستند المجلة في تقريرها إلى أرقامٍ ومعطيات وَرَدَت في مصادر مختلفة، وأهمها تحقيقٍ صحفيّ نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في شهر سبتمبر أيلول عام 2014، تحت عنوان “القوى العالمية تشتري نفوذ المراكز البحثية”، وأربعة تحقيقات صحفية أخرى صادرة عن مركز أبحاث شؤون الإرهاب الأمريكي “Investigative Project” أجراها في شهر أكتوبر من العام ذاته، وحملت عنوان “سلسلة تحقيقات من أربعة أجزاء: تأثير قطر الماكر على معهد بروكينغز”.

 

أولًا، نيويورك تايمز: “القوى العالمية تشتري نفوذ المراكز البحثية”

يفيد التحقيق الصحفي الذي أجرته نيويورك تايمز أن قطر قدّمت أموالًا باهظة لمعهد بروكينغز مقابل عدم توجيهه أي نقدٍ للحكومة القطرية، بالإضافة إلى مهمّة نقل صورةٍ مشرقة عن قطر لوسائل الإعلام العالمية. وتؤكّد الصحيفة أنّ “قطر قدّمت عام 2013 مبلغًا ماليًا لبروكينغز بقيمة 14,8 مليون دولار على شكل تبرّعات سخيّة، الأمر الذي ساعد في تمويل المقرّ التابع للمعهد في قطر، فضلًا عن دعم مشروعٍ يتعلق بعلاقات الولايات المتحدة مع العالم الإسلامي”. وبالتالي، باتت الحكومة القطرية هي المموّل الأكبر للمعهد على الإطلاق. ووفقًا لما ورَدَ في التحقيق، فإن هذه التبرعات أدّت إلى “اتفاقات ضمنية تفيد بأن المعهد سيُحجِم عن أي نقد للحكومة المتبرّعة”.

ويقول سليم علي -الذي عمل سابقًا في معهد بروكينغز في الدوحة- إن المسؤولين في المعهد أبلغوه مُسبقًا خلال مقابلة العمل أنه “لا يستطيع اتخاذ مواقف ناقدة وحسّاسة تجاه الحكومة القطرية” في الأوراق البحثية.

اقرأ أيضًا: مترجم: كيف تستخدم قطر الرياضة من أجل تحسين سمعتها في العالم؟

ولذلك، يدعو علي إلى توخّي الحذر عند قراءة تقارير بروكينغز؛ لأنها منقوصة ولا تقدّم الصورة الشاملة. ويضيف: “على أعضاء الكونغرس التيقّظ عند قراءة تقارير بروكينغز، إذ لن يحصلوا على القصة الكاملة، قد لا يحصلون على معلوماتٍ خاطئة، ولكنهم لا يحصلون على القصة كاملة.”

ويؤكّد علي أن “هذه السياسة كانت واضحةً رغم أنها لم تكن مكتوبةً، فقد كانت هناك منطقةٌ محظورة عندما يتعلق الأمر بانتقاد الحكومة القطرية”. ووفقًا له: “كان الأمر مقلقًا للأكاديميين هناك، ولكنّه كان الثمن الذي يجب أن ندفعه.”

وحسب التحقيق الصحفي، فإن مسؤولي بروكينغز أقرّوا بأنهم يعقدون اجتماعاتٍ دورية مع الحكومة القطرية بشأن نشاطات المركز وميزانيته، وأن رئيس الوزراء القطري الأسبق عضوٌ في الهيئة الاستشارية للمركز. وقد وُقعت “اتفاقية منقحة” بين بروكينجز والحكومة القطرية عام 2012، وحينها أشادت وزارة الشؤون الخارجية القطرية بالاتفاقية على موقعها الرسمي، وصرّحت بأن “المعهد سيباشر دوره في نقل صورةٍ مشرقةٍ عن قطر إلى وسائل الإعلام العالمية، ولا سيما الأمريكية منها”.

وتضيف نيويورك تايمز في تحقيقها أن قطر سخيةٌ في منح الأموال لمراكز البحوث، فهي منخرطة في معركةٍ دائرة لتشكيل الرأي العام الغربي، كما وترى أن “نموذج الإسلام السياسي الذي تمثله جماعة الإخوان المسلمين هو أفضل آمال العالم العربي للديمقراطية”.

وتنهي الصحيفة بالقول إن “المسؤولين الأجانب يصفون هذه العلاقات بالمحوريّة لكسب النفوذ على مسرح واشنطن المعقد، إذا تهرع مئات الدول من أجل كسب اهتمام الحكومة الأمريكية. وهنا تختلف الترتيبات: فبعض الدول تعمل مباشرةً مع مراكز البحوث من خلال إبرام عقودٍ تحدد نطاق واتجاه الأبحاث. والبعض الآخر يتبرع بأموالٍ من شأنها أن تدفع مجموعات الضغط ومستشاري العلاقات العامة إلى حث مراكز البحوث على العمل من أجل تعزيز أجندة هذه الدول”. ولذلك، بات بإمكان دول صغيرة كسب نفوذٍ كبير بالتعاون المشترك مع المنظمات البحثية الأمريكية.

 

ثانيًا، مؤسسة بحثية أمريكية: “تأثير قطر الماكر على معهد بروكينغز”

أجرى مركز أبحاث شؤون الإرهاب الأمريكي (IPT) سلسلة تحقيقات صحفية من أربعة أجزاء، أطلق عليها عبارة “بروكينغز يبيع نفسه لأجندة قطر”، تبحث في تأثير قطر ونفوذها المتزايد على معهد بروكينغز. وخلُصت التحقيقات إلى أن بروكينغز بات يعمل كـ”منصّة للدعاية القطرية، ويتجنّب كل ما ينتقدها، بل ويبرر سياساتها الخارجية الداعمة للفِكر الإسلامي المتطرّف”. ويفيد التحقيق كذلك أن علاقة الحكومة القطرية “السّامة” ببروكينغز تُلقي بظلال الشكّ على مصداقية المعهد الذي طالما اعتبر نفسه الأكثر تأثيرًا وثقةً وفكريّةً على مستوى العالم.

اقرأ أيضًا: مترجم: 7 شركات أمريكية استأجرتها قطر لتحسين صورتها

يتطرق التحقيق في البداية إلى المبالغ المالية التي قدّمتها الدوحة لمعهد بروكينغز، وهي كما يلي: 2,9 مليون دولار عام 2011، ومئة ألف دولار عام 2012، و14,8 مليون دولار عام 2013. وبهذا، تكون قطر هي أكبر ممولٍ للمعهد على المستوى العالم. ويشير التحقيق كذلك إلى أن بروكنيغز لم يكشف أبدًا عن حجم التمويل القطري له خلال الفترة الواقعة ما بين 2002 و2010، علمًا بأن الدّوحة عملت على دعم وصول بروكينغز إلى العالم الإسلامي ابتداء من عام 2002، وحتى يومنا هذا.

يؤكد مركز أبحاث شؤون الإرهاب “IPT” أن “التبرّعات” ليست المشكلة بحد ذاتها، ولا يمكن لمصادر التمويل أن تؤدي إلى تشويه سمعة المؤسّسة المستفيدة، إلا أن الحقائق والمعطيات التي تحيط بمعهد بروكنغز تلقي “غمامةً سوداء” على مصداقيته وتوجّهاته. ولذلك، بدأ المركز تحقيقاته بمراجعة وثائق ومحاضر اجتماع خاصّة باثني عشر مؤتمر سنوي، عُقدت برعاية مشتركة من بروكينغز والحكومة القطرية، وتتكوّن من 125 خطاب ومقابلة ومحاضرة وندوة. وبالإضافة إلى ذلك، قام المركز بتحليل 27 بحث ودراسة صدرت عن معهد بروكينغز في واشنطن، وفرعه الآخر في الدوحة.

وتفيد النتائج أن بروكينغز يمثّل أداةً لترويج الدعاية القطرية من خلال الأبحاث والدراسات والمنشورات التي يجريها من حين لآخر، مستغلًا السمّعة الدولية التي يتمتّع بها. وتبيّن النتائج بشكلٍ لا لبس فيه أن بروكينغز “تحوّل إلى منظمة تستضيف الإسلاميين بشكل روتيني، ممن يبررون الهجمات الإرهابية، ويناصرون شرائع تحرّم انتقاد الإسلاميين، ويحرّمون انتقاد حكومة قطر”. وفي الحقيقة، اعترفت حكومة قطر بتبعيّة المعهد لأجندتها؛ إذ قالت في بيانٍ عام 2012، بعد التوقيع على مذكرة تفاهم، إن بروكينغز “سينقل صورة مشرقة عن قطر لوسائل الإعلام الدولية، وخصوصًا الأمريكية منها”.

وبحسب التحقيق الصحفي، فإن الباحثين في معهد بروكينغز يرون قطر “بنظارات ورديّة”، ويتجاهلون العلاقات المتعددة التي تربط الدوحة بالمجموعات الإسلامية المتطرفة والتنظيمات الإرهابية. ومثال على ذلك، تقرير نشره بروكينغز عام 2012 تحت عنوان “الربيع القطري: دور قطر الناشئ في صنع السلام”، إذ يشبّه قطر “بصانعة السلام في العالم الإسلامي، وقوّة دافعة من أجل الخير”، بل ويمنح الدّوحة مكانةً سامية، فيقول: “ظهرت قطر خلال الرّبيع العربي كمصلِحٍ وزعيمٍ تقدّمي للدول العربية الحديثة”، وبالطبع تجاهَلَ دور قطر في إسقاط نظام القذافي، وإحداث فوضى واضطرابات في عددٍ من الدول العربية التي أدت إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط، بالإضافة إلى تاريخ النظام القطري الطويل في إيواء المتطرفين وتقديم كامل الدعم والتسهيلات لهم.

من الواضح جدًا أن المشاركة القطرية في بروكينغز تتجاوز العلاقات التقليدية بين المانحين، وهو ما يتجلى في تعيين الشيخ حمد بن جاسم رئيسًا لمجلس المستشارين في مركز بروكينغز بالدوحة. والأكثر غرابةً هو سعي قطر بعد هجمات 11 سبتمبر إلى مناقشة بناء الجسور ما بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، من خلال بروكينغز، في ظل علاقات الدوحة الوثيقة بالجماعات الإسلامية المتطرفة والأفراد المتورطين بهجمات إرهابية.

يضيف التحقيق الصحفي أن النتائج تًظهر بوضوح أن معهد بروكينغز يدعم جماعة الإخوان المسلمين و”أسلمة” تركيا. ومن بين الأمثلة الكثيرة التي تدلّل على ذلك، ما قاله السيّد بيتر سينغر، منسّق مؤتمر بروكينغز لعام 2002، حين قال “إن هنالك حاجة إلى دمج الأحزاب الإسلامية في النُظُم السياسية في البلدان ذات الأغلبية الإسلامية”. كما ودعا “الأطراف الخارجية” إلى دعم صعود الأحزاب الإسلامية بدلًا من استبعادها؛ ذلك أن الاندماج يساعد على الاعتدال بدلًا من التوجّه إلى العنف. ومن الأمثلة الأخرى، ما كتبه السيّد “أحمت كورو”، وهو زميل زائر في بروكينغز، في بحثٍ له قائلًا إن “حزب العدالة والتنمية يمثّل نموذج حكمٍ للإسلاميين في جميع أنحاء الشرق الأوسط… وقد نجح حزب العدالة والتنمية في إقناع الولايات المتحدة والدول الأوروبية أن حزبًا بجذورٍ إسلامويةٍ يمكن الاعتماد عليه كحليف موثوق”.

وفي النهاية، يقول الباحث جيمز فيليبس إن معهد بروكينغز ربما “أصبح أداة من أدوات قطر بعدَ أن قبِلَ بأموالها”؛ الأمر الذي ساعد في إضفاء الشرعية على كثيرٍ من الجماعات الإسلامية المتطرفة. وبحسب فيليبس، فإن قطر تعمل على تمويل الكيانات الأجنبية بغرض دفعِ أهداف سياساتها الخارجية، التي تنطوي على العمل بشكلٍ وثيق مع الأيدلوجيات الإسلامية، من أجل تمكين حركاتٍ سنيّة مثل الإخوان المسلمين.

إن تحيّز باحثي بروكينغز نحو الدوحة لا يقتصر على الثناء على النظام القطري وسياساته الإقليمية فحسب؛ بل وصل الأمر إلى حذف المحتوى المناهض لها. وهذا ما تظهره العديد من الدراسات التي أجراها بروكينغز، التي تصف قطر بـ”قوة السلام الملتزمة بالديمقراطية وحقوق الإنسان والتعليم”. والأسوأ من ذلك، نشر تقاريرٍ تلمّع الحقائق القاسية “للجهاد الإرهابي” والإسلاموية والفِكر الإسلامي المتطرف.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة