الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

معركة خزان تشوزين

دروس من المعارك بين أمريكا والصين بعد سبعين عاماً من الحرب التي خاضتاها

كيوبوست – ترجمات

في مثل هذا الشهر قبل سبعين عاماً، ألحق جيش الفلاحين التابع لماو تسي تونغ، واحدة من أسوأ الهزائم العسكرية بالجيش الأمريكي على مدى تاريخ الولايات المتحدة. فقد قام مقاتلوه المتطوعون على مدى أسبوعين بمطاردة جيش مؤلف من 350.000 من الجنود وقوات المارينز الأمريكية، وحلفائهم الكوريين من الحدود الصينية على كامل مساحة كوريا الشمالية، وأجبروهم على عمليات إجلاء عاجلة براً وبحراً. ومع أن الصينيين قد تكبدوا خسائر فادحة في هذه المعركة، ومع أن الحرب ستستمر ثلاث سنوات أخرى (تقنياً لم تنتهِ هذه الحرب بعد)، فإن قوات الأمم المتحدة التي تقودها أمريكا لم تهدِّد مرة أخرى بإعادة توحيد شبه الجزيرة الكورية.

ومما جعل الأمر أكثر إهانة أن الجنرال دوغلاس مك آرثر، قائد القوة المصاب بجنون العظمة، كان قد أكد للرئيس هاري ترومان، قبل أسابيع قليلة، أن الصينيين لن يجتازوا نهر يالو. وقد نفى ضباطه المخلصون أن هذا قد حدث. وقد زعموا أن الجنود الصينيين بائسي التجهيز -الذين يرتدون ملابس قطنية وأحذية قماشية لخوض معركة في أعالي الجبال بدرجة حرارة 30 درجة مئوية تحت الصفر- لا يشكلون تهديداً جدياً. وقد وصفهم أحد الجنرالات الأمريكيين بأنهم “حفنة من عمال غسيل الملابس”.

الجنرال دوغلاس مك آرثر- أرشيف

كانت غطرسة القوى العظمى الكلاسيكية هذه تستحق الازدراء الذي عبَّر عنه الرئيس الصيني شي جين بينغ، في احتفالية الذكرى السبعين التي جرَت في أكتوبر الماضي. بعد خروجها منتصرة من الحرب العالمية الثانية وبعدد من الضحايا أقل من أية دولة رئيسية أخرى، شاركت في هذه الحرب (يقارب عدد ضحايا “كوفيد-19” حتى الآن في أمريكا عدد ضحاياها في الحرب العالمية الثانية)، ابتليت الولايات المتحدة عام 1950 بشعور خطير بالحصانة، وازدراء عنصري للقدرات الآسيوية، وبمجموعة من الجنرالات المغرورين بشكل سخيف؛ بمَن فيهم الجنرال مك آرثر. ومن غير المستغرب أن أمريكا المنشغلة بالإحراج الحالي الذي تسببت فيه جهود رئيسها لسرقة الانتخابات، لا تكاد تفكر في إحياء ذكرى حربها الأولى والوحيدة مع الصين.

اقرأ أيضاً: هل تعيد الولايات المتحدة والصين الحرب البيلوبونيسية مرة أخرى؟

ولكن هذه الحرب لا تستدعي الخجل على كل حال، وبغض النظر عن الحالة العاطفية للأمريكان حيال جيشهم، فإن معرفتهم العامة بانتصاراته وهزائمه ضحلة للغاية؛ فالمدارس الأمريكية لا تدرس الكثير من التاريخ العسكري، فالدول الديمقراطية لا تحشد الناس من خلال نظرة عسكرية إلى الماضي. وفي حالة الحرب الكورية، الحرب الأولى “المحدودة” في العصر النووي، فقد كان النسيان من نصيبها حتى قبل أن يكون هذا المفهوم سائداً. ومع ذلك، فإن هذه الحرب تحمل دروساً تحذيرية لطرفيها.

الحرب الكورية.. البطولة المنسية للجيش الأمريكي- “ذا ناشيونال إنترست”

فقد لخصت تلك الحروب قدرة القوة العظمى الدائمة على التصحيح الذاتي؛ وكان هذا واضحاً حتى في خضم الكارثة، كما تبيَّن من ذكريات ساحة المعركة التي رواها هذا الأسبوع في ليكسينغتون جاك لوكيت، جندي المارينز المتقاعد البالغ من العمر 91 عاماً، والذي كان يحتل سلسلة من التلال المشرفة على خزان تشوزين، بالقرب من أقصى نقطة شمالية وصل إليها الجنرال مك آرثر، في ليلة السابع والعشرين من نوفمبر 1950. في تلك الليلة استيقظ على صوت انفجارات ورأى رتلاً من الصينيين -ثمانية جنود في كل صف- يتقدم في ضوء القنابل المضيئة التي أطلقوها. قال لوكيت: “لقد كانوا يفوقوننا عدداً.. فتحنا عليهم النار؛ ولكنهم استمروا بالتقدم، كانوا ينفخون في الأبواق، ويطلقون علينا النار بينما يتساقطون على جانبَي التلة”.

قادة مخابرات ماو أكدوا له أن الجنود الأمريكيين، على الرغم من تفوقهم التكنولوجي، كانوا يفتقرون إلى العزيمة والجرأة على القتال. والمعركة التي استمرت سبعة عشر يوماً، والتي شارك فيها لوكيت حتى أسقطته قضمة الصقيع، أثبتت كذب ذلك. فقد نفذت فرقة المارينز الأولى المحاطة بـ120.000 جندي صيني تراجعاً قتالياً بطولياً عبر الجبال المتجمدة. وتكبد المارينز -وفرقة بريطانية صغيرة كانت تقاتل معهم- خسائر فادحة في الأرواح؛ فقد نجا من الإصابات ما لا يزيد على 11 جندياً من أصل 250 كانوا في مجموعة لوكيت. ومع ذلك قاموا بإخلاء جرحاهم ومعداتهم، وألحقوا خسائر أكبر بكثير بالصينيين. ويقدر أن فرقة لوكيت قد حيدت سبع فرق صينية.

معركة خزان تشوزين أصبحت جزءاً من الدعاية الإعلامية الصينية- “بزنس إنسايدر”

بالنسبة إلى قطعة عسكرية صغيرة الحجم، بالنسبة إلى حجم الجيش الأمريكي، قامت بعمل أسطوري يدعو إلى التأمل، فإن معركة خزان تشوزين تصنَّف إلى جانب معركة “أيوو جيما” (أول معركة يخوضها الجيش الأمريكي على الأرض اليابانية، انتصر فيها الأمريكان بعد تكبدهم خسائر كبيرة- المترجم) من حيث أهميتها. يقول الجنرال جوزف دنفورد، وهو قائد سابق في قوات المارينز: “ليس من المبالغة القول إن قوات المارينز اليوم يعزون الفضل في إنهاء الجدل حول ما إذا كان ينبغي أن يكون هناك شيء اسمه قوات المارينز، إلى جنود المارينز الذين قاتلوا في كوريا”. ويذكر أن والد دنفورد كان يحتفل بعيد ميلاده العشرين في خزان تشوزين يوم الهجوم الصيني.

اقرأ أيضاً: محاكمة التاريخ.. لماذا تهدد قضية “العمالة في زمن الحرب” مستقبل العلاقات السلمية بين اليابان وكوريا الجنوبية؟

يرى المؤرخ البريطاني ماكس هاستينغز، أنه من الممكن أن نشهد أثناء عملية البحث عن الذات التي أعقبت الانسحاب الأمريكي، نقاشاً مألوفاً حول نوع القوة العظمى التي يجب أن تكون عليها الولايات المتحدة. لم يستمع الجنرال مك آرثر، إلى توسلات الحلفاء، ورفض أن يتقبل حدود القوة الأمريكية التي كشف عنها عدم كفاءته. أراد أن يبيد الصينيين بالسلاح النووي؛ ولكن الرئيس ترومان قاومه. وبعد أن ناشد مك آرثر داعميه من الجمهوريين في الكونغرس، قام ترومان بإقالة هذا الجنرال الموقر. ربما كلفه ذلك فترة رئاسية ثانية؛ ولكن الأمر أرسى قواعد ومعايير ذهبية للعلاقة بين المدنيين والعسكريين لا تزال سائدة حتى اليوم.

اقرأ أيضاً: تسريبات تفضح طلب كوريا الشمالية من إسرائيل مليار دولار بسبب إيران!

وقد استمر نهج ترومان التعددي وضبط النفس الذي أبداه، عندما حافظ خلفه الجمهوري دوايت آيزنهاور، على نفس سلوكه في الحرب. عملت قيادة عسكرية أفضل في ذلك الوقت على استقرار الوضع، واستقرت كل من الولايات المتحدة والصين على أهدافهما الأولية؛ وهي على التوالي: ضمان أمن كوريا الجنوبية، الذي سيصبح أحد أكبر النجاحات الأمريكية في القرن العشرين. وعلى المقلب الآخر، تأمين حماية كورية من الوجود الأمريكي في آسيا. وفي هذا السياق، خسرت الولايات المتحدة 40.000 شخص، وربما خسرت الصين عشرة أمثال هذا العدد.

في 27 يونيو 1950 أمر الرئيس هاري ترومان الجيش الأمريكي بالتوجه إلى كوريا- موقع “هيستوري”

اعرف عدوك أولاً

إن غياب اهتمام الأمريكيين بهذا الماضي الخطير يعكس في نهاية المطاف الوضع المضطرب لديمقراطيتهم التي تستهلكها الدراما الجارية إلى حد يهدد مكانها في التاريخ. والمظاهر الحالية هي، على الرغم من ذلك، مصدر القوة الأمريكية؛ ولكن يبقى من المهم تأكيد درسَين من الحرب الأمريكية مع الصين. وسط تشوش الرؤية وسوء الفهم قام كل من الطرفَين بالاستهانة بالآخر إلى حد خطير، وكانت لدى كل منهما فكرة خاطئة عن الخطوط الحمر للآخر. هذان الأمران كانا الفتيل الذي أشعل المنافسة وحولها إلى حرب. قد يبدو الوضع اليوم مختلفاً بشكل جذري؛ فالترابط بين البلدَين وإدراك كل منهما للآخر قد أصبحا في مستوى مختلف تماماً، ولكن احتمال الاستهانة وسوء الفهم لا يزال حاضراً بشكل مقلق، وربما يتزايد مع احتدام المنافسة.

المصدر: ذا إيكونوميست

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة