الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

معركة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من منظور مراسل لقارة متغيرة

ألان كويل المراسل المخضرم لصحيفة "نيويورك تايمز" يتذكر أوروبا مختلفة: ضوابط للعملات.. ومعاملات رسمية معقدة.. وإجراءات مرهقة لعبور الحدود

كيوبوست- ترجمات

ألان كويل♦

أستعيد من ذاكرتي واحدة من صور الخمسينيات الداكنة: سياح بريطانيون يقفون بجانب حقل قمح صيفي مشوب بالخشخاش في شمالي فرنسا، لتناول كوب من الشاي يعدونه بأنفسهم على موقد بارافين يدوي، بينما تمر بجانبهم سيارات ستروين دو شوفو، ورينو دوفين، يقودها فرنسيون ينظرون إليهم بذهول تارة، وبازدراء تارة أخرى، بينما يلوّح سائقو السيارات البريطانيون العابرون بأيديهم عندما يرون لوحات السيارات البريطانية في استراحة الشاي.

كثيراً ما يُقال -خصوصاً بعد أن وقَّع رئيس الوزراء بوريس جونسون، صفقة تجارية مع الاتحاد الأوروبي بعد خروج البلاد منه- إن رغبة بريطانيا بمغادرة الاتحاد الأوروبي ترجع بجذورها إلى الحنين إلى الماضي، والتوق إلى أمجاد الماضي للأمة القوية. وكان لشعارات مثل “استرجاع زمام المبادرة” أو “استعادة السيطرة” صدى قويّ بما يكفي ليربح بوريس جونسون الانتخابات بأغلبية ساحقة قبل عام مضى.

اقرأ أيضًا: هل يفيد وهم تشرشل في تغيير الحقيقة القاتمة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟

في الواقع، ونظراً لكون معظم البلاد خاضعة لشبه إغلاق في مواجهة نوع متحور سريع الانتشار من فيروس كورونا، فقد أصبحت فكرة الانفصال واستعادة السيطرة بحد ذاتها أكثر إقناعاً، كما لو أن السياسات والجائحة قد اتحدتا لتأييد الانفصال والمناداة بالسيادة التي قد تبدو متعارضة مع عالم تجاوز فيه الاقتصاد والجائحة الحدود الوطنية بسهولة تامة.

هذا الأسبوع، بدا وكأن الاثنين قد اجتمعا معاً؛ فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يقبع في الحجر الصحي بعد أن تبينت إصابته بـ”كوفيد-19″، استشعر خطر الفيروس الجديد في بريطانيا، وأمر بإغلاق الحدود الفرنسية، وكذلك فرضت 50 دولة قيوداً أو حظراً تاماً على دخول المسافرين القادمين من بريطانيا.

علقت آلاف الشاحنات في بريطانيا مع حلول عيد الميلاد واقتراب الموعد النهائي لإبرام الاتفاق التجاري لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتزاحمت في الطرق المؤدية إلى ميناء دوفر ومداخل نفق القنال.

ميناء دوفر المغلق يوم الإثنين بعد أن منعت العديد من الدول الأوروبية دخول القادمين من بريطانيا؛ بسبب انتشار فايروس كورونا المتحوّر فيها – نيويورك تايمز

ربما يكون الأمر مطروقاً كثيراً؛ ولكن كان من المغري مقارنة الأحداث، بينما كانت بريطانيا على وشك أن تودع الاتحاد الأوروبي، تركها “كوفيد-19” معزولة عن العالم. يبدو أن فوضى الشاحنات العالقة على الطرق السريعة في بريطانيا وفي مطار سابق مهجور في أرياف مدينة كنت، تعطي فكرة عما قد تكون عليه الحياة خارج الاتحاد الأوروبي.

وفي مواجهة مثل هذه الاضطرابات الخطيرة، فإن تلك الصورة من الماضي لشمال فرنسا عندما كانت ذكرى الصراعات الدولية ماثلة في الأذهان، تروي حكاية توق من نوع آخر.

الخشخاش في تلك الصور يرمز إلى قتلى الحرب العالمية الأولى؛ ولكنه يرمز إلى التجدد في الحرب العالمية الثانية. وبكل تواضع، فإن العائلة التي تعد الشاي (عائلتي) وتتجول في حقول القارة في أواخر الخمسينيات، شكلت جزءاً من طليعة التقارب الحذر التي أدت في يناير 1973 إلى عضوية بريطانيا في ما كان يُعرف في ذلك الحين بالجماعة الأوروبية التي تم تأكيدها في استفتاء جرى بعد عامَين.

شاهد: فيديوغراف …أبرز المتغيرات بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

كان الاستفتاء الثاني الذي جرى عام 2016 مثل الاستفتاء الأول، غير ملزم من الناحية التقنية؛ ولكنه لم يكن موضع بحث من الناحية السياسية. أكثر من نصف الناخبين (52%) صوتوا لصالح الخروج، في إشارة إلى عدم الرضا والشعور بالانفصال، ورأوا في الخروج فرصة لتوجيه ضربة إلى النخبة؛ ولكن بالنسبة إلى مَن صوتوا لصالح البقاء (48%) في الاتحاد الأوروبي الذي أصبح أكبر حجماً من المجموعة الأوروبية، كان خيارهم نابعاً من الإحساس بالهوية والمصير المشترك في هذا الجسم الذي ساعد على تعزيز السلام في أوروبا، السلام الذي حارب جيل والدي من أجله.

الشاحنات العالقة على الطريق السريع المؤدي إلى دوفر يوم الاثنين- “نيويورك تايمز”

على مدى أربع سنوات من المفاوضات المشحونة والعمل السياسي، لم يُخفَّف الانقسام. وأصبحت كلمة “الخروج” تعويذة في الشارع البريطاني، كما كانت في الحقبة الاستعمارية، تجوب المحيطات البعيدة سعياً وراء التجارة والازدهار، والسيطرة على المصير بعيداً عن تدخلات الغرباء. الكاتب الروائي ديفيد كورنويل، الذي كتب تحت الاسم المستعار جون لو كاريه، ظل حتى يوم وفاته في وقتٍ سابق من الشهر الماضي يصفها بالحنين الزائف.

ومع ذلك، كانت كلمة “البقاء” أيضاً صرخة تحذير قادمة من ماضٍ أقرب تميَّز بالاستقرار والرخاء، وحرية الحركة والعالمية. يقول الطرفان إنهما يتطلعان إلى الأمام؛ ولكن في بعض الأحيان يبدو أن كلا الطرفين يتطلع إلى الوراء -ويتخطى أحدهما الآخر- بنفس التشوه اللوني في نظّارتَيهما ورديتَي اللون.

على الجانب الإيجابي لمعسكر “البقاء”، جاءت عضوية الاتحاد الأوروبي ببعض الرفاهيات؛ مثل بطاقة التأمين الصحي الأوروبية الزرقاء التي توفر للبريطانيين الوصول إلى العناية الصحية الحكومية في 27 بلداً، وبرنامج تبادل الطلاب، ورخصة قيادة سارية في بولونيا كما هي سارية في برايتون. قد تتحول هذه الامتيازات إلى جزء من التضحيات التي تتطلبها رؤية مؤيدي الخروج من أجل تحرير سيادة بريطانيا من القيود البيروقراطية لبروكسل؛ لتتمكن من النهوض إلى مصيرها الحقيقي.

يرى مؤيدو البقاء وآخرون غيرهم أنه ستكون هنالك تكاليف أخرى؛ مثل انكماش الاقتصاد البريطاني والتساؤلات حول الثغرات في الاتفاقية الجديدة، وأبرزها عدم وجود ضمانات للخدمات المالية البريطانية التي جعلت البنوك وشركات الوساطة والتجار وشركات التأمين تشكل مصدراً لقوة تغذِّي الجزء الأكبر من الاقتصاد البريطاني. ومع أن الاتفاقية الجديدة توفر للشركات البريطانية الوصول إلى الأسواق الأوروبية دون أي تعريفات عقابية أو حصص تقييدية، فإن احتمال عودة التعقيدات البيروقراطية والفروق الوطنية القديمة يبقى ماثلاً.

مجموعة من الجنود المتقاعدين بعد التصويت على الاستفتاء في تشيلسي عام 2016- “نيويورك تايمز”

عندما أرجع بالذاكرة إلى أيام حقول الخشخاش في شمال فرنسا، أتذكر أننا كنا نحتاج إلى وثيقة تُسمى “كارنيه” لعبور سيارة العائلة للحدود الأوروبية العديدة، وكوبونات لشراء الوقود في فرنسا، والشيكات السياحية لتحويلها إلى فرنكات فرنسية، وماركات ألمانية، وليرات إيطالية، وبقية العملات التي كانت مستعملة قبل عملة اليورو الموحدة.

عندما أقلب صفحات جوازات سفر من السبعينيات بأغلفتها الزرقاء السميكة أرى صفحات يسجل عليها لوائح التحكم في الصرف التي سجلت تعاملاتي بالعملات الأجنبية، وأجد أيضاً تأشيرات الدخول والمغادرة بين بلجيكا وسويسرا ودول أخرى، لم تعد تطلب مثل هذه الإجراءات من المسافرين البريطانيين.

ولكن ما كان يُشار إليه بلمحاتٍ بسيطة غامضة، أثناء الحملة الداعمة للخروج من الاتحاد الأوروبي، هو تلك التعقيدات الهائلة والانقسام الوطني الذي سينبثق من فصل بريطانيا عن شبكة أوروبية من الروابط والعداوات والمنافسة والتحالفات.

اقرأ أيضًا: هل تقف بريطانيا أمام تكلفة باهظة بعد الانفصال عن الاتحاد الأوروبي؟

يمثل خروج بريطانيا في جوهره نصراً لأولئك في حزب المحافظين الذين غيروا بشكل جذري حسابات الأمة بشأن مكان وجود مصالحها، ونصراً على البراغماتية التي تباهى بها البريطانيون ذات يوم.

إنه تحول أساسي تجاهل بشكل كبير مشاعر الناخبين الذين شكلوا ما أطلق عليه دعاة الخروج من قبيل السخرية تسمية “النواحين”. وكذلك ضخَّم هذا التحول القوة النابذة التي تطرد مكونات المملكة المتحدة؛ خصوصاً إسكتلندا التي صوتت لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي، والتي تتزايد فيها الأصوات الداعية إلى الانفصال عن المملكة المتحدة التي يبلغ عمرها 300 عام.

ومثل أي أمر آخر، فإن تزامن “كوفيد-19″ مع عملية الخروج، يُعيد تأكيد الشغف البريطاني بتهنئة الذات بالتميز البريطاني. يشير رئيس الوزراء بشكل روتيني إلى العِلم في بريطانيا على أنه يتفوق على العالم، مع أن البلاد قد سجلت ثاني أعلى عدد في الوفيات بـ”كوفيد-19” في أوروبا بعد ألمانيا. وتحدَّث وزير في الحكومة البريطانية بأن بلده ببساطة أفضل من بقية العالم؛ لأنه كان أول مَن وافق على طرح اللقاح الذي طورته ألمانيا، وصنعته بلجيكا. وقال وزير التعليم غافين ويليامسون: “لدينا أفضل الناس في هذا البلد، وبالتأكيد لدينا أفضل المنظمين في القطاع الصحي، أفضل بكثير مما لدى الفرنسيين، وأفضل بكثير مما لدى البلجيكيين، وأفضل بكثير مما لدى الأمريكيين؛ وهذا لا يفاجئني على الإطلاق، لأننا بلد أفضل من كل هذه البلدان. ألسنا كذلك؟”.

متظاهرون في لندن يطالبون بإعادة التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي- “نيويورك تايمز”

مع اقتراب غروب شمس اليوم الأخير من عضوية بريطانيا في أنجح تكتل تجاري في فترة ما بعد الحرب، لا يمكن لأي تقييم أن يتجنب الإشارة إلى مؤهلات الشخص الذي يجري هذا التقييم.

ومؤهلاتي تصبغها سنوات عديدة من النظر إلى بريطانيا من الخارج والعيش بالهوية الأوروبية. على مدى سنوات عديدة في إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، عشت في أوقات مختلفة في سويسرا وألمانيا واليونان وإيطاليا وفرنسا. وسافرت في أنحاء أوروبا من أقصى شمالها وصولاً إلى بحر البلطيق، وإلى ضوء شمس البحر المتوسط، وسفك الدماء في البلقان. وقد استمتعت بحقيقة أن هويتي الأوروبية كانت منقوشة على جواز سفري البريطاني أوروبي الطراز خوخي اللون.

اقرأ أيضًا: الانتخابات البريطانية.. أوهام النخبة وفشل حزب العمال يحسمان معركة البريكست

يأمل رئيس الوزراء بوريس جونسون، وداعموه، أن يكون الشعور السائد بين البريطانيين حيال الاتفاقية الجديدة هو الارتياح؛ ولكن ما يثير القلق هو أن استطلاعات الرأي أظهرت أدلة قوية تشير إلى أن الكثير من البريطانيين يتمسكون بالآراء التي عبروا عنها في استفتاء عام 2016، مما يشير إلى أن انقسام الأمة لم يعالج بعد. لم تعد خيارات 2016 مطروحة على الطاولة؛ فبانفصالها عن الاتحاد الأوروبي، أشارت بريطانيا إلى تحول عميق، ليس فقط في علاقتها ببروكسل؛ ولكن أيضاً في الطريقة التي ينظر بها العالم إلى المشروع الأوروبي.

داعمو الخروج من الاتحاد الأوروبي يتظاهرون في لندن 2019- “نيويورك تايمز”

قالت أورسولا فون دير لاين؛ رئيسة المفوضية الأوروبية، الذراع التنفيذية للاتحاد: “هذه اللحظة تمثل نهاية رحلة طويلة”. ومثل الرحلة في حقول الخشخاش في شمال فرنسا، منذ عقودٍ مضت، كانت هذه الرحلة قفزة في المجهول.

♦مراسل خارجي لصحيفة “نيويورك تايمز” لأكثر من ثلاثة عقود، وهو الآن يكتب كمستقل في صحيفة “ذا تايمز”.

المصدر: نيويورك تايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة