الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

معركة الأربعين عاماً لبسام الطيبي ضد الأصولية المتطرفة

الفيلسوف يتحدث عن آماله في عصر التنوير العربي الجديد

كيوبوست- ترجمات

إيد حسين♦

عندما دمَّر تنظيم القاعدة برجَي مركز التجارة العالمي قبل نحو 19 عاماً، لم تكن أهداف المنظمة الإرهابية من هذا الهجوم واضحة بالنسبة إلى الكثيرين في وسائل الإعلام الغربية. فلم تكن غاية أسامة بن لادن شن حرب على العالم غير المسلم فحسب؛ بل تقديم نفسه -ونظريته الجهادية- على أنهما الصوت الجديد للإسلام. لقد كان يخوض حرب أفكار إلى جانب حرب الإرهاب. وأفضل سبيل لفهم ومحاربة الجانب الأيديولوجي للحركة الجهادية هو قراءة أعمال الفيلسوف بسام الطيبي، الذي ما زال يحارب الأفكار الأصولية المتطرفة منذ أربعة عقود.

فجميع أعماله -خطبه ومقالاته وأكثر من 40 كتاباً له- تتتبع أساليب عمل الإسلامويين، وتشرح بدقة بالغة طرقهم التي تخالف تماماً الجزء الأكبر من تاريخ الإسلام. وكتب ذات مرة: “لحماية أنفسهم من النقد ابتكر الإسلامويون صيغة الإسلاموفوبيا لتشويه صورة منتقديهم، ولاستعمال هذه الكلمة سلاحاً ضد كل مَن لا يتبنى الدعاية الإسلاموية، بمَن في ذلك المسلمون الليبراليون”.

تنظيم القاعدة يواجه أزمة في تجنيد المقاتلين- “الغارديان”

نشأ الطيبي في دمشق، وحفظ القرآن في سن السادسة، وكان يدور في رأسه صراع حضارات. قال: “كانت عائلتي ضد الاستعمار والإمبريالية وهيمنة الغرب؛ ولكننا كنا معجبين بالغرب، كنا نذهب إلى مدارس قرآنية، وبعد صلاة الجمعة كنا نذهب إلى الحفلات لنرقص على موسيقى الروك آند رول. كنا نتطلع إلى الثقافة الأمريكية”. ويعترف الطيبي قائلاً: “عندما جئت إلى ألمانيا كنت معادياً للسامية، هكذا تعلمنا، فعندما كنت أضرب أخي الصغير، كانت أمي -التي لم تكن معادية للسامية- تقول لي لا تفعل ذلك بأخيك؛ فهو ليس يهودياً”. في ما بعد التقيت يهوديَّين غيرا مجرى حياتي؛ هما: تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، وهما مؤسسا معهد فرانكفورت للتفكير النقدي. وقد حاولا البحث عن الأسباب التي دفعت بالإنسانية إلى الغرق في نوع جديد من البربرية في القرن العشرين بعد أن عاشت مرحلة التنوير بكل منطقها وجمالها.

اقرأ أيضاً: قيادة القاعدة: الوفيات والتداعيات!

كانت لدى الطيبي نفس التساؤلات بالنسبة إلى الإسلام والحركات الإسلاموية. وقد رسخ يهودي ثالث، إرنست بلوخ، تفكير الطيبي في العقلانية الإسلامية، من خلال كتاباته عن ابن سينا الذي كان له باع طويل في البحث حول المساواة الإنسانية، والتشابك بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي.

قال لي الطيبي: “يقول بلوخ إن التنوير بدأ في عصور الإسلام الوسطى”، ويميز الطيبي تمييزاً مهماً بين عالم “إسلام الفتاوى” وعالم “إسلام التنوير” الذي تحدث عنه بلوخ. فعالم “إسلام الفتاوى” يقود المسلمين إلى الوراء كما يقول الطيبي. ويسعى الطيبي إلى شرح وإحياء وتعزيز إسلام عصر التنوير- إسلام النور.

الفيلسوف الألماني إرنست بلوخ- وكالات

سألته متى بدأ يلاحظ وجود خلل ما في العالم الإسلامي، فأجاب: “لقد بدأ الأمر مع حرب الأيام الستة؛ فقد كان انتصار إسرائيل إهانة كبيرة للأنظمة العربية العلمانية في عيون مواطنيها، خصوصاً عندما احتلت إسرائيل قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء من مصر”. في ذلك الوقت أمل الطيبي في أن يكون رد الفعل هو ظهور تنوير عربي جديد؛ ولكن بدلاً من ذلك ارتقى المتطرفون الدينيون إلى مناصب رفيعة في السلطة. وكانت مواجهته الأولى معهم في عام 1979 عندما قدم بحثاً أكاديمياً في القاهرة أدى إلى اتهامه بالهرطقة.

وقد لفتت أعماله المبكرة حول المؤسسات السياسية في القاهرة نظر عالم السياسة صامويل هنتينغتون، الذي اكتسب شهرة عالمية بفضل مقاله الشهير “صدام الحضارات” الذي رأى فيه أن الإيمان (والإسلام بشكل خاص) سيكون خط المعركة التالية في العالم. وهي نظرية حاول الطيبي مطولاً إقناعه بخطئها. يقول الطيبي: “كنت أحاول تصحيح معرفته بالإسلام؛ فأنا أقول إنه صراع بين الحضارات وليس صداماً، إلا أن التعاطي مع هنتينغتون كان كالتعاطي مع الإسلامويين؛ فإذا كنا نتحدث عن صدام فإن الأمر يكون قد انتهى، أما في الصراع فهنالك تسوية، ومجال للتفاوض والحوار. أنا أقول إن هنالك صراعاً غربياً إسلامياً، وهنالك وسائل للتعامل مع هذا الصراع. أما الصدام فهو كلمة جوهرية تعني أننـا، المسلمين، أناس متخلفون”.

اقرأ أيضاً: موسوعة الجماعات والتنظيمات والحركات والفرق “الإسلامية”

والطيبي أيضاً خبير بالشريعة، التي غالباً ما تستعملها الدول الأصولية للإيحاء بأنها تلتزم بتعاليم الإسلام؛ ولكن الطيبي يقول إن الشريعة ليست أساسية في الإسلام. فلو كانت الشريعة كما يراها الإسلاميون لكانت ذكرت في كل صفحة أو صفحتين من القرآن الكريم، ولكنها ذكرت مرة واحدة فقط، وليس بمعنى القانون بل بالمعنى الإرشادي أو الأخلاقي. ولم تظهر مدارس الشريعة إلا بعد مئة عام من نزول القرآن. ويقول أيضاً إن استخدام الشريعة بالمعنى السياسي الحديث بدأ في القرن العشرين مع الإخوان المسلمين في مصر.

اقرأ أيضًا: هل تأخر بيان كبار فقهاء السعودية عن تصنيف الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً؟

ويقول الطيبي إن الأجندة الإسلامية هي أكثر حداثة بكثير مما يريد الإسلاميون الاعتراف به، وهي تنبع من الشمولية السياسية التي ابتدعت في القرن الماضي. وهو يصنف جميع جوانب الدين السياسي على أنها سلطوية، ويستخلص الطبيعة الشمولية العصرية للإسلامويين في بحثه. فعلى سبيل المثال، في تحليله لأعمال حسن البنا مؤسس “الإخوان المسلمين” عام 1928، يقول الطيبي: “لقد كانت هذه الحركة هي التي جاءت بالفكرة الجهادية المعاصرة، وفرضية فكرة أن الإسلام لا يتوافق مع القيم الغربية”.

الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط 1724- 1804

ويرجع الطيبي إلى لغة العقلانيين المسلمين في العصور الوسطى من الفارابي إلى ابن رشد الذي يشتهر في الغرب باسم “أفارّوس”، فيعرف الإسلام التنويري على أنه المدافع عن أولوية العقل. ويأخذ أيضاً تعريف التنوير من كانط: العقل هو المحكمة التي يجب على كل أمر أن يثبت نفسه أمامها. ويقول إن ابن رشد قد أوضح هذه النقطة منذ القرن الثاني عشر. “لماذا نصنَّف اليوم نحن المسلمين على أننا متخلفون، بينما استشرف فيلسوفنا العظيم ابن رشد أموراً قبل ستة قرون من أعظم فلاسفة أوروبا؟”.. ويتابع “في الواقع ربما يكون ابن رشد أقرب إلى واقع عصرنا، عصر عودة الدين؛ لأن عمله تركز حول وحدة العقل والإيمان”.

إن الإصلاح الذي نحن في أمسّ الحاجة إليه الآن في الإسلام هو إعطاء الأولوية للعقل، وليس الاهتمام بالحجاب واللحية. وهذا هو جوهر المعركة الآن؛ فالإرهاب لن ينتهي إلا عندما نتوقف عن الأخذ بحرفية النص الديني. وفي السعي إلى مثل هذا المستقبل المستنير يمكن لعمل الطيبي أن يذكر الغربيين والمسلمين بتاريخ مختلف أقل تبايناً.

♦مؤلف كتاب «بيت الإسلام.. تاريخ عالمي»، وأحد مؤسسي منظمة “كويليم” لمكافحة التطرف في لندن، وكان مستشاراً لرئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير.

المصدر: ذا سبيكتيتر

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة