الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

معرض في فرنسا يستلهم التاريخ المشترك بين اليهود والمسلمين

المغرب وقبيل انضمامه لاتفاقيات إبراهام عرف ديناميةً من أجل منح المكانة الاعتبارية لمواطنيه اليهود

المغرب- حسن الأشرف

انطلق معرض “اليهود والمسلمون من فرنسا الاستعمارية إلى هذه الأيام”، مؤخراً بالعاصمة الفرنسية، ويستمر إلى غاية شهر يوليو المقبل، ويروم إلقاء نظرة جديدة وموثقة على تاريخ العلاقات القديمة والتاريخية بين اليهود والمسلمين بفرنسا، وهو المعرض الذي يشرف عليه بنجامين ستورا؛ مؤرخ معروف ورئيس سابق للمتحف الوطني للهجرة، بمعية كريمة ديريش، متخصصة في التاريخ المعاصر، ومديرة الأبحاث في المركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا، ومليكة زيان، وكلوي دوبون، ومتخصصين آخرين.

المعرض يضم أكثر من مائة عمل فني تأريخي، من صورٍ وأشياء ووثائق وأرشيفيات سمعية بصرية لليهود والمسلمين بفرنسا، وهو ما اعتبره المؤرخ ستورا مغامرة ثقافية صعبة توثِّق ليس فقط للصدامات بين الطرفين، ولكن أيضاً للفرص والإمكانيات المتاحة لإرساء جسور ذاكرة مشتركة بين الطرفين.

اقرأ أيضاً: مقدمة مختصرة حول علاقة العمل الإسلامي اليهودي المشترك

ويمكن اعتبار هذا المعرض الجديد امتداداً للمعرض الذي احتضنه مؤخراً معهد العالم العربي “يهود الشرق تاريخ يمتد آلاف السنين”، كما أنه يتسم بعرض صورٍ ووثائق وملصقات ومقاطع مرئية وسمعية، تمتد عبر 3 مراحل رئيسة: الأولى بين عامي 1830 و1914 مع بدء الاستعمار الفرنسي في الجزائر وتونس والمغرب، والثانية مرحلة ما بين الحربين العالميتين ونظام “فيشي”، وانتهاء الاستعمار في المغرب وتونس، ثم الثالثة منذ حرب سنة 1967 إلى حدود اليوم.

واحتفت صحف ووسائل إعلام فرنسية بهذا المعرض ودلالاته السياسية والتاريخية والتوثيقية والفنية، وقال بعضها إنه غالباً ما يتم اختزال العلاقات بين اليهود والمسلمين في التوترات القائمة الحالية، ولكنها في الواقع تمتد في الفضاء الاستعماري للمنطقة المغاربية (المغرب والجزائر وتونس)، وتتواصل منذ عهد فرنسا الاستعمارية إلى أيامنا هذه، بالنظر إلى أن فرنسا تعد اليوم أكبر بلد في أوروبا يضم الجاليات المسلمة واليهودية.

مشهد من المعرض

وتوقفت الصحف الفرنسية عند وثيقة يعرضها المعرض المذكور، تعود إلى سنة 1870 تُمنح بموجبها الجنسية الفرنسية إلى 35 ألف من يهود الجزائر، ولا تمنح الجنسية لأكثر من 3 ملايين مسلم، وهو ما خلق لدى هؤلاء شعوراً بالحيف.

كما يعرض المعرض صداماً آخر يتمثل في أحداث مدينة قسطنطين بالجزائر، ذهب ضحيتها 25 يهودياً و3 مسلمين، ثم حرب 1967 التي تواجه فيها العرب والإسرائيليون، لكن المعرض أيضاً يُظهر مساحاتٍ من التقاطع والتفاهم والتفاعل بين اليهود والمسلمين، طيلة تلك الفترات التاريخية، خاصة في مجالات الموسيقى والرسم، سيما في فترة ما بين الحربين العالميتين.

اقرأ أيضاً: حاييم سعدون: إنكار الهولوكوست غير مقبول

تداعيات اتفاقيات إبراهام

ويربط عبد الرحيم شهيبي؛ الباحث الأكاديمي، تطبيع العلاقات بين عددٍ من الدول العربية وبين إسرائيل، وبين تنظيم مثل هذه المعارض التي تشي بنوع من التحول المفصلي في العلاقات بين المسلمين واليهود، ويقول في حديثٍ مع “كيوبوست” إن هذه الدينامية التي تعرفها العلاقات بين إسرائيل، ودول ما بات يعرف باتفاقات إبراهام، والتي من بينها المغرب، ساهمت بشكلٍ كبير في هذه التحولات والانفتاحات والرغبات في تطوير الصورة النمطية الحديثة التي بنتها وسائل الإعلام لدى المسلمين حول اليهود.

عبد الرحيم شهيبي

ويشرح شهيبي بالقول: “لنعد قليلاً إلى بضعة عقود، فقد كان موضوع اليهود والعلاقات بين اليهود والمسلمين يشكِّل تابوهاً في المجتمعات الإسلامية، وفي المغرب الذي كان يحتضن عدداً كبيرا من اليهود قبل هجرتهم، لم يكن هذا الموضوع يثير أي اهتمام لدى الباحثين المغاربة، نظراً لانتشار “إيديولوجيات يعقوبية” تضحي بالأقليات من أجل بناء وحدة تشمل العديد من البلدان من الشرق والغرب.

وأردف المتحدث “كنا في لحظة انتظارٍ إلى غاية منتصف السبعينيات، وظهور حركية محتشمة في الجامعات المغربية بدأت تمنح لليهود مكانة خاصة في أبحاثهم، ومنها البحث الجامعي حول “إينولتان” الذي أنجزه أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الحالي، وفي نفس الوقت كانت هناك حركية في إسرائيل لفتح موضوع يهود شمال إفريقيا من خلال ندوات دولية قادها معهد بن زفي نهاية السبعينيات، ليستمر المنوال إلى غاية بداية التسعينيات حيث ظهر التخصص الذي قاده في بدايته محمد كنبيب (مدير المعهد الملكي للبحث التاريخي حالياً) من خلال بحثه الجامعي المقدم في إحدى الجماعات الفرنسية، حول العلاقات بين اليهود والمسلمين في المغرب في الفترة المعاصرة.

اقرأ أيضاً: المغرب يحيي ذكرى “الهولوكوست”.. ذاكرة للتاريخ ودرس للمستقبل

وذهب شهيبي إلى أن فرنسا كانت مهيمنة على هذا الموضوع، حيث إن الأرشيف المتعلق بالبلدان المغاربية الثلاث (وهو يضم جزءاً كبيراً من الأرشيف المتعلق بظروفِ عيش اليهود إبان الفترة الاستعمارية) لا تزال فرنسا تحتكره بالرغم من أنه متاح للباحثين، إلا أنها لا ترغب في تسليم نسخ من هذا الأرشيفات للأرشيفات الوطنية للبلدان المعنية”، مشيراً إلى أن بنجامان ستورا باعتباره مؤرخاً فرنسياً من أصولٍ جزائرية، كان من بين الأوائل الذين اشتغلوا على مواضيع تخص بالدرجة الأولى يهود الجزائر، كما أنه نسَّق موسوعة تاريخية مهمة شارك فيها العديد من الباحثين تتعلق باليهود في البلدان الإسلامية.

وخلص الباحث إلى أن المغرب، وقبيل انضمامه لاتفاقيات إبراهام، عرف دينامية من أجل منح المكانة الاعتبارية ليهوده، من خلال “أولاً الاعتراف بالرافد العبراني ضمن الهوية المغربية، ثم تجديد العديد من دور العبادة والأحياء اليهودية، وأيضاً تأسيس بيت الذاكرة في مدينة الصويرة”، مبرزاً أن “هذه الدينامية وبالإضافة إلى اتفاقات إبراهام يمكنها أن تساهم بشكلٍ كبير في حركيةٍ ثقافية بين هذه البلدان التي تجمعها الاتفاقية”.

يهود المغرب- (صورة: متحف فن وتاريخ اليهودية)

دروس في التاريخ المشترك

من جانبه، يقول الكاتب الثقافي والناقد المغربي المقيم في هولندا، فؤاد زويريق، في حديثٍ مع “كيوبسوت”، إن هذا المعرض قد يبدو جسراً يربط بين ضفتي اليهود والمسلمين، يحسبهما البعضُ متوازيتين لا تلتقيان، لكن الحقيقة العكس تماما، فهناك تداخل قوي ومتشابك بينهما، وله جذوره في قاع التاريخ”.

فؤاد زويريق

ويكمل زويريق بأن معرض “يهود ومسلمون من فرنسا الاستعمارية إلى أيامنا هذه” يعد ذاكرة فكرية وبصرية وثقافية حية تؤكد العلاقة القوية المشتركة بين اليهود والمسلمين، وهذا هو هدف مثل هذه المعارض التي تؤرخ وتعرض معلوماتٍ تنشط الذاكرة، وتزيد من التقارب خصوصاً لدى الجيل الجديد في أوروبا، ذاك المغترب سواء مسلماً كان أو يهودياً”.

واسترسل المتحدث بأن “هذا الجيل يحتاج أكثر من غيره إلى المعرفة والاطلاع على الحقائق التي كانت وما زالت تجمعه ببعضه، فبعد هجرة الأجداد من وطن كان يجمعهم تحت سماء وراية ولغة وثقافة واحدة، وجد الأحفاد أنفسهم منتشرين في بلدان أوروبا، وخصوصاً فرنسا، والكثير منهم فقد ذاك الحبل السري الذي كان يجمع أجدادهم معا”.

هنا يأتي دور هذا المعرض ومثله، يردف زويريق، لتذكيرِ هؤلاء الأحفاد بأصلهم ومدى ارتباطهم التاريخي ببعضهم البعض، وكذا التعريف بتاريخهم المشترك في فرنسا، كما في شمال إفريقيا، مما يعزِّز السلام والتعايش بينهما في وطنهم الجديد/ فرنسا تماماً، كما كان من قبل بين أجدادهم في وطنهم الأم.

فيديوغراف: يهودا باور لـ”كيوبوست”: الحرب العالمية الثانية كانت وراءها رغبة ألمانيا النازية في هزيمة اليهودية العالمية

وزاد الكاتب المغربي بأن “مثل هذه المعارض مهمة بكل تأكيد، إذ تساهم في تغيير الصورة النمطية التي يكونها البعض عن العلاقة بين المسلمين واليهود، فهي لا تدغدغ مشاعرهم بل تجعلهم يقفون على حقائق تاريخية مهمة بالصور والوثائق والمعلومات، تلك التي ينقلونها إلى أبنائهم وأصدقائهم والقريبين منهم، فتعم المعلومة وتنتشر ومعها الحقيقة التي قد تعكس الصورة الملتبسة لدى الكثيرين، ويجعلهم أكثر تقبلاً وتسامحاً مع الآخر أيا كان انتماؤه العرقي والديني.

واعتبر زويريق بأن ما يعرضه المعرض من وثائق سيكون بمثابة أدوات تعريفية، يستطيع من خلالها المهتم والزائر تحليل العلاقات المتجذرة والمتعددة والمختلفة التي تربط المجموعتين معاً، وبهذا يتمكن من رسم صورةٍ أخرى مغايرة قائمة على أسسٍ صلبة نواتها الحقيقة المجردة التي لا علاقة لها بالإعلام أو بالإشاعات المنتشرة هنا وهناك، خصوصاً تلك التي تحاول خلق تصدعاتٍ في جدار العلاقات التاريخية المتينة بين الطرفين، قبل أن يخلص إلى أن “المعرض في الأساس هو بمثابة مدرسة تلقِّن بطريقةٍ غير مباشرة دروساً في التاريخ المشترك، وهو أيضاً أداة لتكريس السلام والمحبة بين اليهود والمسلمين”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة