الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربيةمعاوية بن أبي سفيانمقالات

معاوية بن أبي سفيان نظرة أخرى (3)

المصادر العباسية تجرِّد معاوية من انتصاراته الكبرى وتطعن في شرعيته

كيوبوست

تيسير خلف♦

تتقصَّد المصادر التاريخية الإسلامية؛ حذف أو تبهيت أي حضور لمعاوية بن أبي سفيان في معارك فتوح الشام، بدءاً بمعركة الداثنة، الانتصار الأول للمسلمين على الروم أواخر عام 12 للهجرة، وانتهاءً بفتح قيسارية الذي يمر عليه مؤرخو بني العباس مرور الكرام، وكأنه حدث عابر يعدل فتح مدن صغيرة كمدينة أرسوف أو بيسان أو طبقة فحل، وليس فتحاً مفصلياً شكَّل الضربة القاصمة للوجود البيزنطي في منطقة شرقي المتوسط برمتها. ومن حسن حظنا أن المصادر السريانية، والبيزنطية، وحتى الصحائف الخاصة بحاخامات الطائفة السامرية، تكشف عن تفاصيل هذا الفتح العظيم، وتحدد قائده من دون أدنى لبس؛ وهو معاوية بن أبي سفيان.

تجاهل

كان معاوية مساعداً لأخيه يزيد الذي كلفه أبو بكر الصديق بقيادة واحد من الجيوش الأربعة التي دشنت فتوح الشام والعراق؛ ولكن لا أحد من المؤرخين يتطرق إلى نوع تلك المساعدة؛ باستثناء ما ذكره أبو مخنف لوط بن يحيى، بأنه كان حامل لواء أخيه. وحتى معركة الداثنة فقد نُسبت إلى أبي أمامة الباهلي؛ وهي الانتصار الأول للمسلمين على الروم قرب مدينة غزة، وكأن أبا أمامة كان يتحرك وحده من دون جيش يقوده يزيد بن أبي سفيان.

ويغيب ذكر معاوية عن معركة اليرموك، رغم أن المصادر العربية الإسلامية تؤكد مشاركة أخيه يزيد فيها، وكذلك والده أبي سفيان الذي فقد عينه الثانية، وأمه هند، ليظهر فجأة بوصفه كاتب العهدة العمرية لبطريرك القدس صفرونيوس، وأحد الشهود عليها، وربما لولا وجود اسمه كأحد الشهود على العهدة لتم تجاهله.

مبالغات ويهودي

ونصل إلى معركة قيسارية الفاصلة؛ فنقرأ جملة من المعلومات المضطربة عند شيخ المؤرخين أبي جرير الطبري؛ فهو حسب رواية سيف بن عمر التميمي، يجعل فتح قيسارية قبل معركة أجنادين وفتح بيسان، وهذا خطأ كبير؛ فمعركة أجنادين وفتح بيسان وقعا في السنة الثالثة عشرة للهجرة، بينما كانت قيسارية آخر فتوح الشام مطلع العام التاسع عشر للهجرة. وعلى الرغم من أنه يؤكد أن الخليفة عمر هو الذي استخلف معاوية على قيسارية؛ فإنه لم يتحدث عن حصار، بل عن معركة مكشوفة ذهب ضحيتها 100 ألف من الروم، وهو رقم مبالغ فيه كثيراً.

اقرأ أيضًا: معاوية بن أبي سفيان.. نظرة أخرى (1)

وينقل البلاذري، صاحب “فتوح البلدان”، وهو أوثق المصادر العباسية في موضوع الفتوح، حسب الدارسين، عن الواقدي قوله: “اختلف علينا في أمر قيسارية، فقال قائلون: فتحها معاوية، وقال آخرون: بل فتحها عياض بن غنم بعد وفاة أَبِي عُبَيْدة وهو خليفته، وقال قائلون: بل فتحها عَمْرو بن العاصي”. بينما ينقل محمد بن سعد، صاحب السيرة النبوية، عن الواقدي أيضاً أرقاماً غير منطقية حول سكانها؛ إذ يقول إن معاوية وجد فيها بعد فتحها “سبعمئة ألف من المرتزقة، ومن السامرة ثلاثين ألفاً، ومن اليهود مئتي ألف، ووجد فيها أيضاً ثلاثمئة سوق قائمة كلها، وكان يحرسها في كل ليلة على سورها مئة ألف”.

وبعد هذه المبالغة المقصودة على ما يبدو، يقول الواقدي: “كان سبب فتحها أن يهودياً يُقال له يوسف، أتى المسلمين ليلاً فدلهم على طريق في سرب فيه الماء إلى حقو الرجل عَلَى أن أمنوه وأهله، وأنفذ معاوية ذلك، ودخلها المسلمون في الليل وكبروا فيها، فأراد الروم أن يهربوا من السرب، فوجدوا المسلمين عليه، وفتح المسلمون الباب فدخل معاوية ومن معه، وكان بها خلق من العرب…”.

غلاف كتاب “فتوح البلدان”

مصدر سرياني

في مقابل هذا الغموض والتشكيك في دور معاوية؛ نقرأ في مصدر سرياني في تاريخ البطريرك ديونيسيوس التلمحري المعاصر لهارون الرشيد، ما يلي: “لقد دمر المسلمون قيسارية فلسطين، فصح أن تُقال في جمالها وكنوزها المراثي التي قيلت في أورشليم؛ لأن حكامها لم يعرفوا الرب، ولم يفهم الشيوخ القضاء، فامتلأت شوارعها وأزقتها إثماً، ودنس الشباب والشابات بعضهم البعض، ووصل صراخ المظلومين إلى مسامع الرب، فسلط عليها غضب المسلمين. فجاء معاوية وحاصرها براً وبحراً، وشن عليها حرباً، بدءاً من كانون الأول حتى أيار، دون انقطاع ليل نهار، ولم يحصلوا على تعهد للإبقاء على حياتهم؛ فلم يهدأ 72 منجنيقاً من قذف الحجارة، غير أن السور لم يثلم لمتانته، وأخيراً فتحوا فجوة فدخل بعضهم منها، وتسلق البعض الآخر السور بالسلالم، فقتلوا وقُتل منهم مدة ثلاثة أيام، وأخيراً انتصر المسلمون، وهرب السبعة آلاف رومي الذين كانوا يحرسون السور بالسفن، فغنم معاوية مالاً وفيراً، وفرض جزية على سكانها”.

مصدر سامري

وبينما يكتفي المؤرخ المسيحي الرومي أغابيوس مطران منبج، بالقول إن معاوية فتح قيسارية سنة 19 للعرب، والمقصود للهجرة طبعاً، وإنه قتل من جنودها سبعة آلاف رومي، نجد أن المصادر السامرية تخص فتح قيسارية بخبر مفصل، وتكتفي بجملة واحدة عن أخبار فتوح الشام كلها.

ويقول المصدر السامري إن المسلمين أخذوا سائر مدن أرض كنعان وملكوها وسكنوا فيها، ولم يبق إلا قيسارية، فإنها عصت عليهم ولم تستسلم لهم؛ لأنها كما يُقال أم المدن ومقدمة عليها.

اقرأ أيضًا: معاوية بن أبي سفيان.. نظرة أخرى (2)

ويضيف القول إن المسلمين حاصروها ست سنين قبل أن يفتحوها، وإن الروم كانوا يستخدمون البحر للتزود بالمؤن وشحن المدينة بالرجال. ويشير إلى وجود باب سري في جهة شمال سور المدينة كان الروم يستخدمونه، والمسلمون لا يعلمون عنه شيئاً. وذات يوم نسي الروم الباب مفتوحاً فخرج منه كلب، وعند ذلك تنبهوا للباب ودخلوا منه وقتلوا الروم. ويقول المصدر السامري إن أهل السوق الأعلى لم يعلموا بمقتلة السوق الأسفل إلا بعد يوم كامل، لأن قيسارية مدينة مبنية مدينة فوق مدينة، كما يقول ويوضح. ويتحدث المصدر عن هروب مَن استطاع من الروم عن طريق البحر، ومَن لم يستطع استسلم، وهكذا فتحت المدينة وسكنها المسلمون.

ويؤكد المصدر السامري أن هيبة المسلمين من أبناء إسماعيل، حلت على سائر الأماكن بعد فتح قيسارية، ويقول إن الفاتحين رتبوا الجزية أربعة دراهم ومخلاة شعير سوى خراج الأرض. ويضيف أن محمداً، (المقصود معاوية) لم يسئ لأحد من أصحاب الشرائع، وأن مملكته   انتقلت إلى أقاربه بني أمية. ويقول إنهم هم أيضاً لم يسيئوا لأحد قط..”.

خلاصة

بمقارنة السردية الإسلامية، مع السرديات المسيحية والسامرية، نجد أن المؤرخين العباسيين، حاولوا قدر ما يستطيعون تجاهل أدوار معاوية قبل توليه “الخلافة”، وتخليصه من أي منجز عسكري؛ نظراً لأن الفروسية كانت الخصلة النبيلة التي يتفاخر بها العرب، كما تتفاخر بها باقي الأمم، وعند تجاهل هذه الخصلة وما رافقها من انتصارات كبرى؛ مثل فتح قيسارية، لا يبقى ثمة شيء من معاوية سوى صراعه مع علي بن أبي طالب، وتولية ابنه يزيد.

ويعدُّ هذا التجاهل، المقصود والواعي لمنجز معاوية العسكري؛ إحدى محاولات نزع مشروعيته كحاكم، فالمعلوم أن الانتصارات العسكرية هي واحدة من أهم عوامل تكريس شرعية الحكم في جميع الأنظمة السياسية التي وصلتنا أخبارها، منذ سرجون الآكادي قبل 4334 عاماً من الوقت الراهن وحتى اليوم.

لقراءة الحلقة السابقة: معاوية بن أبي سفيان.. نظرة أخرى (2)

♦كاتب سوري

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

تيسير خلف

كاتب سوري

مقالات ذات صلة