الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

معادلة المؤلف والمترجم

كيوبوست- ترجمات

تيم باركس♦

“المترجم هو مؤلف”، و”المؤلف هو مترجم”. كثيراً ما سمعت هذين التأكيدَين.

في حوارٍ بين مجموعة من المترجمين الذين يحتجون على عدم إدراجهم في فهرس المؤلفين أو في أعمال المنظرين الأدبيين وحتى بين الشعراء. يقول أوكتافيو باث (شاعر ودبلوماسي مكسيكي حائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1990- المترجم): “إن كل نص هو عمل فريد بحد ذاته، وفي الوقت نفسه هو ترجمة لنص آخر”، ويرى آخرون أن أي نص مكتوب هو ترجمة للعالم الذي يشير إليه.

أوكتافيو باث

في الأشهر الأخيرة، كنت أقسِّم عملي بين الكتابة في الصباح والترجمة بعد الظهر؛ وربما تكون المقارنة بين العملَين طريقة جيدة لاختبار معادلة المؤلف- المترجم.

بدأت فكرتان غامضتان تدوران في رأسي ووجدت فيهما نواة لرواية؛ الأولى: أديب بارز متقدم في السن قرر الانسحاب من الحياة العامة والانقطاع عن أصدقائه وعن متابعة وسائل الإعلام وانقطع عن العالم بشكل كامل. والثانية: رجل يتلقى فجأة دعوة للسفر إلى بلد أجنبي لحضور جنازة زميل وصديق قديم. ومع انتشار وباء “كوفيد-19” خطر لي ماذا لو أن الدعوة وصلت لصديقنا المسن وتزامنت مع أزمة مشابهة في ذلك البلد الأجنبي وصديقنا المنقطع عن العالم لا يعلم عنها شيئاً.

اقرأ أيضاً: هل تكفي ترجمة الكلاسيكيات بين الأدبَين العربي والروسي؟

في غضون ذلك كنت أعمل على ترجمة كتاب للمؤلف الإيطالي روبيرتو كالاسو، بعنوان “Il libro di tutti i libri” (كتـاب جميع الكتب). ترددت في البداية في قبول العمل فهو يقع في 473 صفحة، وكتابات كالاسو ليست سهلة. لكنني بعد أن قرأت نحو مئة صفحة قررت أن أوقع العقد لترجمة الكتاب؛ فهو يضم إعادة سرد رائعة لكتاب العهد القديم، وأنا نشأت في أسرة متدينة، وكان الكتاب المقدس يُقرأ في بيتنا كل يوم. وقَّعت العقد، وكنت أعرف تماماً عدد الصفحات التي يجب أن أترجمها كل أسبوع لأنجز العمل ضمن الزمن المتاح، وأعلم ما سأتقاضاه لقاء عملي هذا، ومتى سأستلم أجري. وهذا أمر مطمئن.

تيم باركس روائي ومترجم بريطاني مقيم في إيطاليا.. اشتهر بترجمته لأعمال الكاتب الإيطالي روبرتو كالاسو

لم أوقِّع أي عقد لكتابة الرواية، ولا توجد مهلة محددة لإنجازها، ولست متأكداً أنني سأنهيها أو أنها سوف تُنشر إذا أنهيتها. ليس لديَّ أدنى فكرة كم سأتقاضى إذا نشرت روايتي، ولا فكرة واضحة عمّا ستحتويه أو كم ستطول. لا شيء مؤكداً، قد يكون هذا أمراً فيه شيء من الإثارة، ولكنة غير مطمئن.

إذا لم أكتب هذه الرواية فلن يكتبها أحد غيري، ولن يعلم أحد أنها لم تكتب، وإذا لم أترجم الكتاب فمن المؤكد أن أحداً ما سيفعل.

روبرتو كالاسو

عندما أترجم أجلس مع شريكي المترجم الإيطالي ونتبادل الأسئلة والإجابات، وأحياناً النكات والقهوة أو الشاي. ولكن عندما أكتب، فإنني أنزوي في غرفتي الخاصة بعيداً عن الهاتف والإنترنت، وأحرص على توفير جوٍّ هادئ يسمح بالتركيز العميق، ويمكنني من الكتابة بغزارة حيناً، ويشعرني بالفراغ والإحباط أحياناً أخرى.

يكتب كالاسو ملاحظاته على ترجمتي على هوامش الصفحات التي أرسلها إليه، فهو يتقن الإنجليزية ويمكنه التمييز بين الزلة الدلالية وبين مسألة الأسلوب، ودائماً ما تكون ملاحظاته مفيدة لي؛ فهو يذعن لي في الخيارات الأسلوبية، وأنا أذعن له في المسائل الدلالية.

اقرأ أيضاً: رواية «الصقر» لجيلبير سينويه تستلهم حياة مؤسس اتحاد الإمارات العربية

وفي المقابل، فلن يرى أحد فصول روايتي عند ما أنهي كل واحد منها؛ فأنا لا أريد وجهات نظر الآخرين أو آراءهم في أحداثها. يجب أن أضع كل ذلك من بنات أفكاري.

حدَّد لي كالاسو أية ترجمة إنجليزية للكتاب المقدس يجب أن أستخدمها مرجعاً لأسماء الأشخاص والأماكن، ولديَّ هذا الكتاب على خلفية كمبيوتري، بالإضافة إلى قاموس ثنائي اللغة وقاموسَين أحاديي اللغة، وإلى جانبي نحو 300 صفحة مصورة من المراجع التي اقتبس منها كالاسو. باختصار، لديَّ كل ما أحتاج إليه.

وعندما أعمل على روايتي، ربما ألجأ إلى الإنترنت لأبحث عن بعض التفاصيل التي أحتاج إليها، دون أن تكون لديَّ أدنى فكرة عما يمكن أن تكون. وربما أضيِّع الكثير من الوقت بالتسلية والتلهِّي على الإنترنت.

بينما في الترجمة لا يضيع أي وقت. أفتح ملف كالاسو الأصلي، وأنسخ وألصق فقرتَين أو ثلاثاً وأشرع ترجمتها، أتنقل بين النصوص المرجعية وأعتصر لغتي الإيطالية ولغتي الإنجليزية إلى أقصى حد؛ إذ يجب عليَّ أن أحافظ على نضارة النص وأن أتأكد من تهجئة بعض الأسماء، مثل الملك مَنَسَّى وحفيده يوشع (مَنَسَّى بن يوسف ويوشع بن نون من ملوك بني إسرائيل- المترجم). من الضروري أن أحافظ تماماً على روح النص الأصلي؛ فهذه رؤية كالاسو للكتاب المقدس وليست رؤيتي. إنه عمل مضنٍ، لا أقدر على الاستمرار فيه أكثر من ساعتَين متواصلتَين؛ ولكن يجب أن أخصص هاتين الساعتين للترجمة، للوفاء بالموعد النهائي؛ فقد تم تحديد تاريخ النشر.

اقرأ أيضاً: كتاب “المؤمن الصادق” للكاتب الأمريكي إيريك هوفر

في كتابة “روايتي”، ربما أتوقف بعد نصف الساعة عندما تستعصي الأفكار، وأحياناً أمضي ساعات طويلة دون أن أشعر بالوقت.

في كثيرٍ من الأحيان لا تأتي الأفكار إلا بعد أن أتوقف عن الكتابة، ربما أكون في المتجر أو أقود سيارتي عندما تحضرني الاختراقات. ماذا لو كان ذلك الزميل المتوفى عشيق زوجته السابقة؟ أو أنه اشتبه في ذلك؟ هل ستكون رواية عن التنافس في الحب؟

اقرأ أيضاً: قراءة “هلع الجسد”

عندما أتوقف عن الترجمة ينتهي العمل، ولا شيء من الرواية يمكن أن يفيد الترجمة. أما الترجمة فقد تثري الرواية التي أكتبها. يقول كالاسو إن إبراهيم وموسى لم يشرعا في العمل القيادي قبل بلوغهما الخامسة والسبعين والثمانين عاماً، وبطل روايتي في السبعين من عمره؛ فهل تكون هذه بداية المرحلة الأساسية في حياته؟

في الرواية، أكتب في فترة الصباح؛ لأن ساعاته تمنحني شعوراً بالانفتاح والقدرة، فاليوم لا يزال أمامك، وذهنك صافٍ غير مثقل بالمشكلات اليومية، والصفحة بيضاء، والطريق بعيد المنال. أنا أحتاج إلى هذه الساعات الحرة النقية.

تساؤلات كثيرة حول عملية القراءة والترجمة

أما الترجمة، مهما كانت صعبة، فليست محفوفة بالمخاطر. في الحقيقة هي ذلك النوع من التحدي الذي يستحوذ على ذهني بسهولة. وعندما أقرأ الفقرة التي ترجمتها للتوِّ، أشعر بالرضا. كالاسو كاتبٌ جيد، أفكاره وملاحظاته لاذعة، ترجِمْها بشكل جيد وستشعر أنك قُمت بعملٍ رائع. وقد فعلت ذلك كثيراً بعد كآبة وبؤس أخبار الساعة الواحدة أو بعد وجبة غداء ثقيلة أو مع فنجان إسبريسو.

عندما أترجم فأنا أجهد في البحث عن التعبير والأسلوب، فالمضمون موجود أصلاً. وعندما أكتب فأنا أفكر في ما أكتبه، ويأتي الأسلوب معه.

اقرأ أيضاً: الكتاب الصوتي ينافس الورقي.. ولكلٍّ جمهوره

ثم يأتي وقت المراجعة، أقرأ كل ما ترجمته، وأقوم ببعض التصحيحات. وفي نهاية كل فصل أضع ترجمتي على يسار الشاشة والنص الأصلي على يمينها وأراجعهما معاً، كلمة فكلمة وسطراً فسطراً؛ لأتأكد أنني لم أفقد شيئاً من المعنى أو من روح النص. ثم أضع النص الأصلي جانباً وأقرأ ترجمتي؛ للنظر في الأسلوب، وربما أغيِّر بعض التراكيب أو إيقاع الجمل أو صياغتها.

كلما كتبت بضع صفحات من روايتي أنقلها إلى الكمبيوتر، ربما أحذف أجزاءً أو أضيف أخرى، أغيِّر، أُعيد كتابة فقرات، وأحياناً أجدني أكتب شيئاً مختلفاً تماماً عما كتبته على الورق. في الصباح التالي، وقبل أن أبدأ في الكتابة، أقرأ ما كتبته على الكمبيوتر في اليوم السابق، وأغرق في إيقاع النص وأحاسيسه، وأبحث عن الزخم الذي سيطلقني في الصفحات المجهولة التي تنتظرني. وربما أثناء ذلك أقوم ببعض التغييرات التي تقلب كل شيء رأساً على عقب

اقرأ أيضاً: أفضل 100 كتاب في القرن الحادي والعشرين

إذن، إذا كانت الرواية حتماً، كما يزعم باث، ترجمةً لنصوص أخرى، أو كما يرى غيره، ترجمةً للعالم؛ فليست لديَّ أية فكرة وأنا أنجز روايتي عما سيكون عليه شكلها أو عما سيكون عليه عالمها. وعلى النقيضِ من ذلك، فإن ما ستكون عليه ترجمتي لكتاب “Il libro di tutti i libri” هو أمر واضح في جوهره، بغض النظر عن كون عملي جيداً أم

عندما انتصف عملي على كتاب كالاسو، أرسلت رسالة إلكترونية إلى الناشر، أؤكد له فيها أنني سألتزم بالموعد المحدد. وفي مساء اليوم نفسه، وبينما كنت أشرب قهوتي في أحد مقاهي ميلانو، يمر بجانبي زوجان شابان يدفعان عربة طفلهما، ربما سوف يغيران كل شيء في حياة بطل روايتي.

♦روائي ومترجم

المصدر: نيويورك ريفيو

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة