الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

مظفر النّواب.. رحيل شاعر العراق الثائر

كيوبوست

كطيرٍ متعب لا بيت له ولا وطن، وصف الشاعر العراقي مظفر النواب الذي رحل عن عالمنا يوم الجمعة، نفسه، قائلاً:

“أُقفِلَتْ الحانَةُ

أَينَ سيذهبُ مَن لا بيتَ لهُ

ولا امرأةً وطناً؟!

سُبحانَكَ مهما بَلَغَ الطائرُ

يتعَبُ مِن دونِ مطار”.

ولأنه طائر، والطائر حر، استخدم النواب موهبته الشعرية للتعبير عن معارضته للأنظمة السياسية العراقية، واستبداد وانهزام الأنظمة السياسية العربية الأخرى، عبر قصائد نقدية، وبعضها هجائية لاذعة، والتي عكست شخصيته غير القابلة للترويض، فدفع ثمن تمرده بأن عاش أكثر من نصف عمره منفيًا ومطاردًا بين عدة دول.

من مراسم تشييع جنازة مظفر النواب- وكالات

نشأة أرستقراطية

من عائلة أرستقراطية حطّت رحالها في بغداد، بعد أن نفيت من الهند نتيجة مقاومتها الانتداب البريطاني، انحدر مظفر النواب الذي ولد في بغداد عام 1934م، فقد حكم أحد أجداده واحدة من الولايات الهندية.

وعاش النواب طفولته في رخاء في قصر والده الثري، وجده الذي اهتم بالشعر والفنون، فيما اكتشف أستاذه موهبته الشعرية، وهو في الصف الثالث الابتدائي، وفي المرحلة الإعدادية كان ينشر قصائده في مجلات مدرسته الحائطية.

اقرأ أيضاً: فائق عبدالجليل.. الشاعر الذي اختار اسمه وقضيته

ولكن حياة الرخاء التي عرفها النواب لم تدُمْ، فقد تعرّض والده للإفلاس، فأنهى النواب دراسته الجامعية في كلية الآداب ببغداد، في ظروفٍ اقتصادية صعبة، والتحق حينها بالحزب الشيوعي العراقي، وتعرّض للتعذيب على يد الحكومة الهاشمية الملكية، وبعد تخرجه حصل على وظيفته الأولى؛ كمدرس، ولكن سرعان ما طرد منها عام 1955م لأسبابٍ سياسية.

جنازة عسكرية لمظفر النواب- وكالات

النشاط السياسي

لم تكن حياة النواب هادئة ومستقرة، كحال أبناء الطبقة الأرستقراطية، إنما عاش متمرداً، منحازاً للفقراء والمضطهدين، معارضاً شرساً للأنظمة، فبعد انخراطه بالحزب الشيوعي خلال دراسته الجامعية، لم ينسلخ النواب عن نشاطه السياسي للحظة، وبقي منضوياً بالحزب الذي أطاح بالنظام الملكي العراقي عام 1958م، ضمن ما عُرف بالثورة العراقية، وعليه تم تعيين النواب مفتشاً فنياً بوزارة التربية في بغداد، بعد أن بقي عاطلاً عن العمل لثلاث سنوات.

كما أنه طوال فترة دراسته وعمله ونشاطه السياسي، لم يتوقف عن كتابة الشعر باللغة العربية الفصحى، واللهجة العامّية العراقية، مسلطاً الضوء على عيوب الأنظمة العربية وفشلها.

اقرأ أيضاً: مرايا الشعر مع سهام الشعشاع.. محمود درويش

وبعد إسقاط الحكومة العراقية التي كان يرأسها عبد الكريم قاسم، على يد القوميين عام 1963م، وتعرُّض الشيوعيين للملاحقة والتنكيل في العراق، اضطر النواب لمغادرة العراق متجهاً إلى روسيا عبر إيران، إلا أن السلطات الإيرانية اعتقلته وسلمته للسلطات العراقية، فتعرض للسجن والتعذيب، ثم  حكمت محكمة عسكرية عليه بالإعدام، ولاحقاً خفِّف الحكم إلى السجن المؤبد.

ولكن نزوعه للحرية دفعه للهرب من سجن “المثنى” جنوبي العراق، عبر حفره لنفق برفقة معتقلين سياسيين، استطاع بعدها الاختباء مدة ستة شهور في بغداد، ثم توجّه إلى منطقة “الأهوار” في جنوب العراق، التي قضى فيها نحو سنة.

قصيدة “مو حزن لكن حزين” للشاعر الراحل مظفر النواب

وانتهت مرحلة الاختفاء تلك في عام 1969م، عندما صدر عفو عن المعارضين، فرجع النواب إلى مهنة التدريس، لكنه غادر بغداد إلى بيروت، ثم انتقل إلى دمشق، وبقي في حالة من الشتات متنقلاً بين عدة بلدان، كسوريا ومصر ولبنان والسودان والجزائر وإريتريا، وغيرها، بسبب قصائده الثورية اللاذعة والساخرة من الحالة السياسية العربية، حتى أنه تعرض لمحاولة اغتيال في اليونان في العام 1981م.

وأخيراً عاد النواب إلى العراق عام 2011م، واستقبله حينها الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، فيما قضى النواب آخر سنين حياته في دولة الإمارات العربية، وتوفي فيها عن عمر ناهز 88  عاماً.

غلاف الأعمال الشعرية الكاملة لمظفر النواب

“الشاعر الثوري”

ومع أن مشواره الشعري بدأ بعمرٍ مبكر، فإن أول طبعة صدرت لأعمال النواب كاملة باللغة العربية كانت في عام 1996م عن دار قنبر في لندن. ولعل قصيدة “قراءة في دفتر المطر” كانت واحدة من أبرز قصائده التي عبر من خلالها عن شعوره بالهزيمة السياسية.

قصيدة “قراءة في دفتر المطر” للراحل مظفر النواب

ولم يعتمد النواب اللغة الفصحى في نظم الشعر، إنما استخدم لهجة جنوب العراق في بداياته، ومن القصائد التي كتبها بالعامية العراقية: “مو حزن.. لكن حزين”، و”مشتاك يا ديرة هلي”، و”حسن الشموس”… كما أنه لم يتطرق للمواضيع السياسية فقط، والتي وفرت له انتشارًا كبيرًا، إنما كتب شعراً عاطفياً “شكو أطيب من أذيتك”، و”بعدك أنت كل شي”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة