الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دوليةمقالات

مصطلح “الحضارة الفارسية” حقيقة أم وهم؟!

كيوبوست

تيسير خلف

من الذرائع المتداولة التي يسوِّقها سياسيو وبعض مثقفي الغرب لتبرير انحيازهم لإيران الخمينية في مواجهة العرب، أن الإيرانيين لديهم حضارة فارسية، بينما العرب لا يمتلكون أية حضارة. ورغم تهافت هذا الادعاء؛ فإنه أصبح مسلمة من المسلمات غير القابلة للدحض عند الكثيرين، وربما كان الاقتراب منه مجازفة يتحمل بموجبها المجازف شتى الاتهامات، من عنصرية وشوفينية، علماً بأن هذه المعضلة هي إحدى المعضلات العلمية التي ما انفكت الأكاديميا الغربية تناقشها منذ عقود طويلة، والمقصود هنا دقة مصطلح “الحضارة الفارسية” ومدى انطباق التعريفات المعيارية لمفهوم الحضارة على تاريخ الإمبراطوريات التي عرفتها إيران القديمة.

والحضارة في أبسط تعريفاتها: مجموع ما تراكم من أعمال، ومنتجات فكرية، وثقافية، ومادية، لأمة من الأمم خلال حقبة زمنية طالت أو قصرت، ولذلك؛ لا تعد القلاع والحصون والمشيدات وحدها كافية لمنح صفة الحضارة لشعب أو أمة، كما أن إقامة الإمبراطوريات والسلالات الحاكمة لا تخول إطلاق صفة الحضارة عليها، وإنما إذا اقترنت بالنتاج الفكري، والثقافي، المميز الذي يمتلك صفة الأصالة.

فلا حضارة إذن من دون فلسفة، وأدب، وكشوف جغرافية، وبحوث علمية، ومدارس فنية. وهذا ما ينطبق تماماً على المصطلح الإشكالي السائد المتعلق بمسمى “الحضارة الفارسية”. وعلى الرغم من وجود مشيدات، وسلالتَين حاكمتَين لإمبراطوريتَين كبيرتَين، هما السلالة الإخمينية (550- 330 ق.م)، والسلالة الساسانية (226 – 651 م)؛ فلا يمكن بأي شكل من الأشكال إسقاط مفهوم الحضارة على هذين العنصرين فقط.

اقرأ أيضًا: الإمبراطوريات الإسلامية.. مدن الحضارة من مكة إلى دبي 2-2

رد الجاحظ

ربما كان الجاحظ (775- 869 م) من أوائل مَن ناقشوا هذه القضية، رداً على هجمات المثقفين الفرس الذين شكلوا ما اصطلح على تسميته “الحركة الشعوبية”؛ وهي حركة كانت ترى أن الفرس أفضل من العرب، باعتبار الفرس من الشعوب، بينما العرب من القبائل، وأن رب العالمين قدم الشعوب على القبائل في الآية الكريمة: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} (الحجرات- 13).

لقد استند المثقفون الفرس، من الناطقين بالعربية والمقيمين في بغداد والبصرة والكوفة، في دعاواهم التي تنتقص من شأن العرب وتعلي شأن الفرس، إلى فكرة السلالة الحاكمة؛ بل إنهم لفقوا تواريخ ومؤلفات زعموا أنها قديمة تعود إلى حقبة الساسانيين؛ لإثبات أفكارهم، وتأصيل الصراع الفكري الذي كان سائداً في عصرهم، وجعله صراعاً قديماً بين حضارة فارسية من جهة، وبربرية عربية متغلبة، حتى وصل الأمر بمؤلف الشاه نامة الفردوسي (935– 1020م) في عصر لاحق، إلى نسبة الشخصية الأكثر شراً في الملحمة، وهي ازدهاك (الضحاك) إلى الجنس العربي، بعد أن كانت قبل ذلك تُنسب إلى البابليين.

غلاف كتاب “البيان والتبيين” للجاحظ

وقد تنبه الجاحظ إلى الخلل العلمي الكبير في النصوص التي يُعتمد عليها في تدوين التواريخ والأخبار الفارسية؛ حيث قال عنها في الجزء الثالث من كتابه “البيان والتبيين”، إنه لا يعلم “إن كانت صحيحة غير مصنوعة أو قديمة غير مولّدة؛ إذ كان ابن المقفع، وسهل بن هارون، وأبو عبيد الله، وعبدالحميد الكاتب، وغيلان الدمشقي، يستطيعون أن يولِّدوا مثل تلك الرسائل، ويصنعوا مثل تلك السير”. وحجة الجاحظ صاحب المنهج الصارم، المعروف بتقصي الحقائق، أن الأصل المكتوب بالفارسية غير موجود ولم يره أحد.

ويحتل موضوع اللغة حيزاً مهماً في رد عربي آخر على الهجمة الشعوبية، وهو الأصمعي (741- 831م)، الذي كان يرى أن اللغة هي وعاء الفكر، ولذلك لم يكن يرى أن اللغة الفارسية قادرة على أن تكون الوعاء الذي استوعب العلوم والآداب التي يزعمونها، وهي فكرة جد نابهة، لم يستطع أحد من الشعوبيين في زمنه الرد عليها، أو إثبات عكسها، سوى بالمزاعم غير المعززة بالوثائق.

بعد صعود نجم الأتراك في الدولة العباسية، على حساب الفرس، اعتباراً من عصر المعتصم بن هارون الرشيد (796- 842 م)، لجأ الفرس إلى معاقلهم الأصلية في إيران القديمة، وطوروا أبجدية من الحروف العربية دونوا بها آدابهم، وهي المرحلة الوحيدة الموثقة لكتابة آداب وفنون الفرس، وبهذه الأبجدية وضعوا الكثير من التواريخ المخصصة للساسانيين، من دون أن نتحقق من المصادر التي اعتمدوها؛ حيث ثمة مزاعم بأنهم ترجموها عن كتب مؤلفة باللغة الفهلوية- الساسانية، لم يعثر على أي منها، بينما عثر الآثاريون في القرن التاسع عشر على نقوش ملكية ساسانية مكتوبة بهذه الأبجدية المشتقة من الآرامية، وربما بعض الصلوات الزرادشتية المكتوبة في القرن الرابع عشر الميلادي.

التفوق الآري

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ومع انتشار ورواج نظرية داروين في النشوء والارتقاء، وكتابَيه “أصل الأنواع” و”أصل الإنسان” في الغرب، عاد الاهتمام بالتاريخ الفارسي بالتزامن مع ظهور نزعات المركزية الأوروبية، والتفوق العرقي الآري. وبما أن الأصل المفترض للآريين هو الهضبة الإيرانية، كان لا بد أن تكون المنطقة مركزاً حضارياً، حسب اعتقادهم؛ فبدأ المستشرقون الألمان جهوداً بحثية مضنية، بحثاً عن عناصر هذه الحضارة، فعثروا على المشيدات والنقوش، ولم يعثروا على مخطوطات تتضمن آداباً وفنوناً وتواريخ وكشوفات، وهنا وقعوا في مأزق حاولوا أن يخرجوا منه بتضخيم شخصيات دينية؛ مثل زرادشت وماني وغيرهما من رجال الدين المذكورين في المصادر القديمة؛ لإثبات وجود حضارة فارسية.

غلاف كتاب “أصل الأنواع” لداروين

ومن أجل ذلك تجد أن زرادشت، الذي لا نعلم عنه إلا نبذاً مبتسرة مبثوثة في المصادر القديمة؛ مثل تاريخ هيرودوت (عاش في القرن الخامس قبل الميلاد) على وجه الخصوص، قائد ثورة فكرية، ورائد فكرة التوحيد والتنزيه للذات الإلهية، وبناء على ذلك يستنتج بأن هذه الفكرة المتطورة لا بد أنها نتيجة تفاعل حضاري عميق، وربما كانت هذه الفكرة هي التي ألهمت الفيلسوف الألماني نيتشة، لأن يضع كتاباً فلسفياً باسم “هكذا تكلم زرادشت”. إذ على الرغم من أنه كتاب خاص بأفكار نيتشة الفلسفية وتأملاته، فيعتقد الكثيرون أنه كتاب من تأليف زرادشت نفسه، ويبرز هذا الكتاب على رأس أولويات المدافعين الجهلة عن مصطلح “الحضارة الفارسية”.

غلاف كتاب “هكذا تكلم زرادشت” لنيتشه

والحق أن الأكاديميا الغربية، رغم انحيازها لفكرة “الحضارة الفارسية”، لم تنفك تظهر فيها دراسات وكتب تضع هذه الحضارة ومصادرها موضع التشكيك، ومن ذلك دراسة ممتازة للأكاديمي الأميركي “ديك ديفيس” المنشورة في مجلة “الجمعية الشرقية الأمريكية”، المجلد 116 (يناير- مارس 1996)، والتي يضع فيها مصادر ملحمة الفردوسي “الشاه نامة” تحت مبضع البحث والتقصي، ليصل إلى نتيجة تنفي ادعاء الفردوسي أنه نقل هذه الملحمة عن أصل مكتوب يرجع إلى الفترة الساسانية، مؤكداً أنها انتقلت للفردوسي شفاهياً، وربما كان هناك نص شعري ما يعود إلى عهد كسرى أنوشروان؛ لكنْ لا دليل مادي عليه.

ومع ذلك؛ هل يكفي وجود نص ديني يتضمن أدعية للخالق منسوب إلى زرادشت هو كتاب الأفيستا، والذي لا يتجاوز من حيث قيمته وبلاغته كتب طوائف صغيرة في الشرق؛ مثل “كنزا ربا” الخاص بالمندائيين، و”مصحف رش” الخاص باليزيديين، أو وجود نص شعري شفاهي حول نشأة شعب معين، والمقصود “الشاه نامة”، لأن نمنح مملكة أو إمبراطورية معينة صفة الحضارة؟ وإن كان الأمر كذلك لماذا لا نمنح هذه الصفة للإمبراطورية المنغولية التي تعد أكبر إمبراطوريات العالم القديم؟

♦كاتب سوري

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

تيسير خلف

كاتب سوري

مقالات ذات صلة