الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون دولية

مصطفى الزرعوني: نحتاج إلى رفع سقف الإعلام في مواجهة الخطابات المؤدلجة

رئيس تحرير صحيفة "خليج تايمز" الناطقة بالإنجليزية في حوار صريح مع "كيوبوست" حول الإعلام كجزء من القوة الناعمة

دبي- مروان البلوشي

سنوات من العمل الإعلامي المستمر في الصحافتَين الناطقة بالعربية والإنجليزية، بالإضافة إلى مشاركة مكثفة في كواليس صنع الإعلام ومادته وقراره وتوجهاته؛ كلها منحت مصطفى الزرعوني نظرةً شاملةً لما يعتري المشهد الإعلامي اليوم من مشكلات، وما الذي ينتظره من تحديات.

 

تحدثنا معه في “كيوبوست” عن ملفاتٍ مختلفة؛ من القوة الناعمة إلى المثلية، مروراً بالمواجهة بين الإعلام في الدول المعتدلة والإعلام المؤدلج.

♦ ما -في رأيكم- أبرزُ توجهات القوة الناعمة في المنطقة العربية في العقد القادم؟

– تعتمد القوة الناعمة على عدة أمور؛ وفي مقدمتها الآلة الإعلامية، ومن ثم التبادل التجاري والاستثماري والفكري، والقوة الناعمة الآن تعتمد أيضاً على التفاعل الحي للناس العاديين مع قصص النجاح أو الفشل.. وغيرها.

الملفات المهمة اليوم وغداً هي المنافسة الاقتصادية بين دول الإقليم، وجلب الاستثمار. كل ما مرَّ به العالم العربي في السنين الماضية لم يكن أيديولوجياً فحسب؛ بل كان أيضاً بحثاً عن الموارد لتأمين حياة كريمة، لذا فإن جلب الاستثمار، وطمأنة الشركات الدولية الكبرى، والمؤسسات الاقتصادية العالمية، بحاجة إلى عملٍ إعلامي جبار، سنراه يشتعل في الفترة القادمة.

اقرأ أيضًا: مؤشر القوة الناعمة 2021: تقدم عربي وتراجع أمريكي.. والإمارات ضمن العشرين الأوائل

♦ وما الأدواتُ والسياسات والحلول التي ستمكن أية دولة من الفوز بمعركة القوة الناعمة؟

– من المهم أولاً فهم النموذج السياسي الذي يحكم كل دولة، والنماذج عربياً ستختلف باختلاف الدول وأنظمتها وتشريعاتها، وتاريخ الممارسة الإعلامية بها. لنأخذ مثالًا مدينة دبي الإعلامية، التي أُطلقت في بداية الألفية، لماذا نجحت؟ ليس فقط لتوفر البنية التحتية من مكاتب وتكنولوجيا؛ بل أيضاً لأن القيادة هنا منحت سقفاً عالياً من الحرية لوسائل الإعلام الدولية. أتذكر التقارير التي كانت تنشرها صحيفة “دوون” الباكستانية، الناطقة بالإنجليزية، والتي كانت تنتقد دبي والإمارات بقسوة وبشكلٍ مستمر. وعلى الرغم من ذلك؛ فإنه لم يتعرض لها أحد، واستمرت وازدهرت في عملها. إذن من المهم أيضاً توافر سقف معقول من حرية الرأي والتعبير.

مدينة دبي الإعلامية

♦ كيف على مؤسسات الإعلام العربي أن تتعامل مع توقعات شرائح ضخمة وشابة من الجمهور ممن نشأوا على مواقع التواصل الاجتماعي كجزء من حياتهم؟

– أعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي هي مُقوية للإعلام التقليدي؛ لأنها منصات للترويج لأخبارها وقصصها. وبالتالي فنحن نحتاج إلى تطوير المحتوى ومعرفة ما نريد؛ المشكلة في العالم العربي لا تكمن فحسب في الإعلام، بل تكمن أيضاً في الرسائل التي تُصدرها الحكومات وكيفية التعامل معها. الشباب العربي من ناحيته يريد الشفافية قبل كل شيء آخر، لا يريد الوصاية ولا يريد التوجيه دون نقاش.

وهؤلاء الشباب والشابات يبحثون الآن عن عيش حرياتهم الفردية، لم يعد الخلاص بالنسبة إليهم عقائدياً وسياسياً؛ لكن هل الإعلام مواكب لرغباتهم؟ هذا سؤال بلا إجابة.

اقرأ أيضًا: فيديوغراف: الحضارات القديمة وأيام العرب.. القوة الناعمة المتجددة

♦ كيف يستطيع إعلامُ الدولة العربية المعتدلة أن يتعامل مع الإعلام المؤدلج؟

– أعتقد أن الفرق بين الإعلامَين هو نجاح الإعلام المؤدلج في المناطق والأقاليم التي تمتلك مستويات تعليم متدنية وتتجاوب شعوبها مع الخطابات الشعبوية، ولم يتم منح الناس فيها خيارات لعيش حياة جيدة؛ سواء أكان ذلك تنموياً أم حتى حقوقياً.

لكن في الدول المعتدلة؛ مثل الإمارات والسعودية، أرى أن خطاب الإعلام المؤدلج لا يـوثر فيه، فمن بعد اندلاع الربيع العربي تطورت خبرة هذه المجتمعات وأصبح “جلدها” أكثر خشونة في تحمل الهجمات الإعلامية، ولم نعد بحاجة إلى الاستماع بوجلٍ إلى كل التقارير الخارجية.

أرى أننا بحاجة إلى التركيز على مجتمعاتنا وتنميتها وتنويرها؛ فهي لا تتجاوب بكثافة مع خطاب قناة مثل “الجزيرة”.. سأعطي مثالاً: عندما تُبث فيها قصة عن انهيار أسعار العقارات في دبي بنسبة 10%، هل سيصدق أفراد المجتمع المحلي ذلك؟ لا.

ولا أرى أن من الحكمة أن نضخِّم من بصمة الإعلام المؤدلج والإخواني على الرأي العام في العديد من الدول العربية، وليس فقط في الخليج، وأستطيع القول إنه تم بنجاح احتواء أثر ذلك الإعلام بنسبةٍ كبيرة.

اقرأ أيضًا: سلطان القاسمي.. نخسر في الإمارات تاريخاً معمارياً مميزاً ينبغي الحفاظ عليه

♦ بعد سنوات طويلة من العمل في الإعلام الإماراتي، كيف تفسِّر شكوى الكثيرين من ضعف أدائه؟

– لطالما كان الإعلام في الإمارات خدمياً، يتناول ما يحتاج إليه الناس من خدماتٍ حكومية تُسهل الحياة اليومية، ولم يكن سياسياً إلا أثناء فترات قصيرة ومتباعدة، خلال أواخر السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، عندما تألقت مجلة “الأزمنة العربية”، وصحيفة “الخليج”، وكانتا تتمتعان بمقروئية عالية في أنحاء العالم العربي؛ ولكن منذ التسعينيات بدأت الإمارات في التحول الاقتصادي بقوة، وبالتالي لم يعد الجانب السياسي مغرياً للمواطن والمقيم.

ولكن الإعلام لم يواكب نقلة الدولة والمجتمع، ولذا قلّ اهتمام الرأي العام به، والمجتمع الإماراتي اليوم مُهتم بالثقافة المالية والاقتصادية أكثر مثلاً من السياسية، ولكن الاهتمام الإعلامي بتلك الجوانب لا يزال ضعيفاً، وهذه إحدى الشواهد -في نظري- على ضعف الإعلام المحلي.

متحف اللوفر في أبوظبي- دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي

ولدى اندلاع الربيع العربي، لم يكن الإعلام الإماراتي مستعداً لحدث بهذه الضخامة، من الجانب السياسي على الأقل.

وطغت ردة الفعل على الأداء، وبالذات ضد الهجمات الشعبوية والحملات المضادة، ونحن عشنا سنواتٍ قاسية من الهجوم المُمنهج ضد دول الاعتدال العربي، وكان الإعلام الإماراتي بحاجة إلى الكثير لاستيعاب ما حصل، ومنذ ذلك الوقت منح المجال لكفاءات جديدة من الأكاديميين والمتخصصين؛ ولكن هذا لم يحصل… لماذا؟

هناك العديد من الكفاءات المحلية التي لم تُعطَ حقها، كما أن البعض لم يبادر ويشارك؛ لأنهم لم يشهدوا عموماً أي نقاش مجتمعي يعطيهم الأمل بوجود وعي يتطلب ظهورهم، وفي بعض الأحيان كان هؤلاء يتحاشون المشاركة الإعلامية أساساً؛ لعدم فهمهم الواقع المحلي والعربي وعيشهم في فقاعة مغلقة.

اقرأ أيضًا: السعي نحو القوة والمكانة… الإمارات عضواً في مجلس الأمن

بالإضافة إلى كل ما سبق، أعتقد أنه من المهم رفع سقف حرية الرأي والتعبير إماراتياً، ولا داعي للخوف من ذلك؛ فالمجتمع لدينا يلتقي مع قيادته في أهدافها. ويجب علينا أن ندرس أسباب الانخفاض المستمر في هامش الحرية منذ الأزمة المالية العالمية مروراً بالربيع العربي للآن، وأعتقد أن هناك مهمة كبيرة تواجه وزيرة الثقافة نورة الكعبي، التي وضع ملف الإعلام لديها، في كيفية إنعاشه وتحرير طاقاته الإبداعية.

♦ كيف نتعامل إعلامياً مع المثلية في العالم العربي؟

أعتقد أن مسألة المثلية في العالم العربي لم تصبح حتى الآن مسألة حقوق لفئة مجتمعية وازنة وكبيرة، ما أراه أنها أضحت نوعاً من فرض نمطٍ ثقافي جديد بواسطة دول ومنظمات غربية، حرياتنا تختلف عن الحريات الغربية، وهناك إحساس مجتمعي بالصدمة من هذا الخطاب الغربي الضاغط؛ خصوصاً أن مجتمعاتنا لم تمارس ممارسات عُنفية شرسة ضد المثليين. ما أراه أننا بحاجة إلى الحوار المفتوح حول هذا الملف بثقة، بالذات الحضارية، وبلا تشنج أو خوف مبالغ به، مع الاستماع إلى كل الأصوات أياً كانت وبلا إقصاء.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مروان البلوشي

باحث إماراتي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة إدنبرة.

مقالات ذات صلة