ثقافة ومعرفةملفات مميزة

كيف يمكن بناء دولة قوية؟ مشكلة الحكم في القرن الـ 21(3-3)

معاييرها وضوابطها في سياق المنظومة الدولية

يناقش فوكوياما في الفصل الثالث من كتابه “بناء الدولة- النظام العالمي ومشكلة الحكم والإدارة في القرن الحادي والعشرين” مشكلة تآكل مفهوم السيادة والأمة في النظام العالمي الجديد، الذي ابتدأ من اتفاقية “وستفاليا”*. وكثرة الأزمات العالمية والصراعات المقنّعة، نتيجة للتدخل الدولي في الدول الضعيفة ما بين فترتي انهيار سور برلين، وأحداث 11 سيبتمر.

حيث سلطت أحداث 11 سيبتمبر الضوء على دولة فاشلة مثل أفغانستان، استطاع فيها قطاع غير حكومي -تنظيم القاعدة- اختطاف الدولة وأخذها قاعدة لتنفيذ عمليات الإرهاب الدولي.

وسبب آخر يؤدي أيضًا لزعزعة الاستقرار الدولي، هو ضعف الإدارة ومشاكل الحكم. ويشير برنامج الأمم المتحدة للتنمية، أن الدول العربية مشمولة بغياب الديمقراطية والتعددية والمشاركة الشعبية الفاعلة في الحياة السياسية.

كما ويتحدّث عن بعد إداري للصراع العربي الإسرائيلي، فإحدى نقاط الخلل الرئيسية في إتفاقية أوسلو، حسبما يرى، عدم حثها للسلطة الفلسطينية على إجراء المساءلة الديمقراطية داخل أطرها، وعجزها عن منع المستويات العليا من الفساد واستغلال النفوذ.

إقرأ أيضاً: كيف يمكن بناء دولة قوية ؟ هذه هي أفكار فوكوياما في كتابه” بناء الدولة” (1-3)

وفي طرحه حول بروز معالم الأمبراطورية الجديدة يقول: بعد أحداث 11 سيبتمبر، صار منطق السياسة الخارجية للولايات المتحدة، يدفع نحو حكمها للدول الضعيفة، كما فعلت حين أطاحت بالنظام العراقي، ومحاولة تحويل العراق لدولة ديمقراطية. أو أن تلقي المشكلة برمتها في أحضان المجتمع الدولي.

ويُرجع فوكوياما مفهوم تآكل السيادة الوطنية، بأنه ناتج عن مشاكل الإدارة وضعف الحكم، القائم عليه النظام العالمي الجديد، وكثرة المشاكل التي تنتجها الدولة الضعيفة لنفسها ولغيرها من الدول، مما يزيد من احتمالية تدخل الدول الكبرى في شؤونها ضد مشيئتها، لحل تلك المشاكل بالقوة. ويشير إلى أن مفهوم السيادة في دول فاشلة مثل الصومال وأفغانستان انحدرتا إلى حكم أمراء الحرب.. ما هو إلا وهم كاذب.

ومن دون أن يبرر الكاتب غزو العراق، يستعرض التدخلات الإنسانية في فترة التسعينات، التي حولّت أجزاءً من الدول الفاشلة إلى “إمبريالية دولية”، وفي ذات الوقت يؤكد أن المشاكل التي تولّدت عن النظم الفاشلة أدت لانتشار الإرهاب، وطموح الإرهابيين هناك لامتلاك الأسلحة المحرمة.

إقرأ أيضاً: كيف يمكن بناء دولة قوية ؟ هذه هي أفكار فوكوياما في كتابه” بناء الدولة” (2-3)

ويضيف أن معالجة مشكلة التدخل لأسباب أمنية تقودنا إلى النتيجة نفسها في التدخل الإنساني: ضرورة الوصول إلى داخل تلك الدول والاستيلاء على حكمها لإزالة مثل هذه التهديدات ومنع ظهورها ثانية في المستقبل.

ومن ثم يتطرق فوكوياما في كتابه إلى مفهوم بناء الأمة: وهي الرغبة في إعادة بناء المجتمعات التي مزقتها الحروب والصراعات، أو الرغبة في القضاء على منابع الإرهاب. ويشير إلى ثلاث مراحل لبناء الأمة، يتعلق الأول بـ”إعادة الإعمار” في فترة ما بعد النزاعات المسلحة، بتحقيق قدر من الاستقرار بمساعدة الدول الأجنبية، (كما هو الحال في البوسنة).

أما المرحلة الثانية: يتركز الهدف الرئيسي فيها على إقامة مؤسسات حكومية قادرة على البقاء والاكتفاء الذاتي، حتى في حال انسحاب قوى التدخل الأجنبية.

وفي المرحلة الثالثة: يرتبط الهدف بتقوية الدول الضعيفة التي لا تزال سلطة الدولة فيها قائمة، ومتماسكة إلى حد معقول، ولكنها غير قادرة على القيام بمهامها الضرورية، مثل حماية الملكية الفكرية أو توفير التعليم.

ويضرب أمثلة بدولتي أفغانستان والعراق، فهما برأيه دولتان شديدتا التباين، فأفغانستان لم تشهد تاريخيًا قيام دولة حديثة، أما العراق فكان دولة أكثر تطورًا، وتوفرت فيه موارد بشرية ومادية أكثر بكثير. والمشكلة أن مؤسساتها دُمرت بعد الحرب، وأصبحت بحاجة لإعادة بناء، وهو وضع شبيه بحالتي ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وحالات الدول الشيوعية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث تتعرقل عمليات إعادة بناء الدولة العراقية، بسبب الحاجة لمنع عناصر النظام السابق من الظهور مجدداً، كما ويعزى فشل إدارة جورج بوش في إعادة الإعمار، بسبب تفردها في قرار دخول العراق، وخسارتها لشراكة الدول الكبرى، بالإضافة للصراعات البيروقراطية الداخلية.

ومن ثم يكمل فوكوياما البحث في الشرعية الديمقراطية على الصعيد الدولي: ويؤكد أن ضعف الحكم والإدارة يسهمان في فقدان المجتمع الدولي احترامه لسيادة بلد ما، حيث يتركز جدل المجتمع الدولي على من يقرر سيادة الدول التي من الممكن انتهاكها.

فقد تحوّل التضامن الأوروبي مع الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر، إلى انتقادات حادة، بسبب الأحادية الأمريكية، خاصة في المجال الأمني، ونهج إدارة بوش للمبدأ الاستباقي، كما ويشكّكون في ادعاءاتها بإقامة نظام دولي قائم على القواعد والقوانين. وعلى الرغم من المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تقر بأحقية الدول في القيام بأعمال عسكرية بشكل أحادي دفاعاً عن النّفس، الأمر الذي يمكن تأويله على أنه يتضمن حالات الحرب الاستباقية. وهو ما لا يمكن تطبيقه على حالة العراق، فإدارة بوش لم تحاول تبرير أعمالها استنادًا إلى هذه المادة، كما أن العراق لم يشكل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة، والحرب التي وقعت ضده تصنّف ضمن الحرب الوقائية، لا الاستباقية! بالإضافة إلى أنه لم ترق للأوروبيين مصطلحات دينية متشددة استخدمتها إدارة بوش مثل “محور الشر”.

كما وناقش الكاتب خلافات تحتية أخرى بين الولايات المتحدة والأوروبيين، نتجت حول مصدر الشرعية الديمقراطية على الصعيد الدولي، وجاء فيه: يحصر الأمريكيون مصدر الديمقراطية من شرعية الدولة- الأمة، بينما يميل الأوروبيون للاعتقاد بأن الشرعية الديمقراطية تصدر عن إرادة المجتمع الدولي الأعلى من إرادة وسلطة أي دولة. فينزع الأوروبيون لمنح الهيئات الدولية سلطة أكبر في تحديد المصالح المشتركة. لكن وعلى النقيض من ذلك، يبقى تفويض السلطة في الولايات المتحدة على المستويين الوطني والعالمي، أكثر تحديداً، فإذا لم تخدم مؤسسة دولية ما مصالح الدولة- الأمة المتعينة ديمقراطياً، يحق للأخيرة تحديد أو تعليق أو سحب مشاركتها فيها**.

ويحيل الكاتب هذا الشعور الأمريكي بالاستثناء، إلى أن الولايات المتحدة أنشِئت على أساس فكرة سياسية، إذ لم يكن هناك أمة أمريكية أو شعب أمريكي قبل قيام الدولة، ولذلك تبقى الهوية القومية الأمريكية مدنية أكثر منها دينية أو ثقافية أو عرقية أو إثنية، أما أوروبا والمجتمعات الآسيوية المتطورة، فقد كانوا شعوباً تشترك بتواريخ طويلة قبل أن تصبح ديمقراطيات بأمد بعيد.

ومن ثم يناقش فوكوياما ما بعد الدولة –الأمة: حيث يرى أن المشكلة في الموقف الأوروبي أنه في حين يتواجد مثل هذا الحيز الأسمى للقيم الليبرالية والديمقراطية، فإنه لا يتجسد عملياً إلّا بشكل منقوص في الهيئات الدولية. والمشكلة العملية الثانية تتجسد في أسلوب الفرض والتنفيذ على الصعيد الدولي؛ حيث يبقى (المجتمع الدولي) وهماً زائفاً إلى الحد الذي يعتمد في مقدرته على الفرض والتنفيذ على العمل الفردي للدول. ومشاكل العمل الجماعي الذي تنتابه، بحيث تصبح المؤسسات الدولية مشلولة القدرة. بينما كان العمل الجماعي الوحيد الناجح في فترة حرب الخليج الأولى، والتدخل في إقليم كوسوفو. ويعزو الكاتب ذلك النجاح لقيادة الولايات المتحدة وتحشيدها. ويستشهد فوكوياما برأي روبرت كينغ القائل: الأوروبيون نصف محقين، فقد أوجدوا لأنفسهم بالفعل عالم نهاية التاريخ داخل الاتحاد الأوروبي، إذ حلت المنظمات فوق الدولية محل السيادة الوطنية، لكن ما لا يفهمونه هو أن سلام وأمن فقاعاتهم الأوروبية تضمنها بالنهاية القوة العسكرية الأمريكية.

الفصل الرابع: أصغر ولكن أقوى

في الفصل الأخير يناقش فوكوياما تآكل سيادة واستقلالية الدول في الجيل الأخير، ويحيل ذلك إلى عوامل مثل: نمو الاقتصاد العالمي، وما رافقه من ازدياد حركية المعلومات وحراك رأس المال، وبدرجة أقل اليد العاملة. بالإضافة للنزعة السائدة في السياسة العالمية، وخاصة بعد 11 سبتمبر، والتي أثّرت في سيادة الدول. وتحوّل النظرة العالمية ليس إلى كيفية تحجيم الدول، بل إلى كيفية بنائها في النظام الدولي.

ويجزم فوكوياما أن القوة العسكرية، رغم حاجة الدول إليها، لم تعد كافية للحفاظ على السيادة. يتحتم على تلك البلدان أن تكون قادرة على بناء مؤسسات دولة قوية، وتقوية مؤسساتها القائمة، وبناء مؤسسات جديدة فاعلة وقادرة على البقاء، ليس فقط داخل حدودها، بل أيضاً في البلدان الأخرى الأكثر اضطراباً وخطورة في العالم.

وفي الختام يؤكد فوكوياما على تعزيز الديمقراطية وحكم الذات، وحقوق الإنسان، معتبراً أن أي محاولة لحكم الشعوب الأخرى تبقى عملية محض انتقالية، وليست طموحاً استعماريًا.

 

* وقّعت اتفاقية ويستفاليا في مدينتي أوزنابروك ومونستر بشمال ألمانيا، عام 1648، وأنهت الحرب الدينية في أوروبا المعروفة باسم “حرب الثلاثين سنة”، وأنهت الحرب بين المذهبين  البروتستانتي والكاثولويكي، وأسست بنود الاتفاقية لمفهوم السيادة التي بنيت عليه الدولة الحديثة في أوروبا.

** في 10 أكتوبر 2017 أعلنت الولايات المتحدة انسحابها من منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) اعتباراً من 31 ديسمبر، وذلك لمعاداتها لإسرائيل، بحسب ما جاء في بيان لوزارة الخارجية الأمريكية.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة