الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون خليجية

مشاري الذايدي يطرح أسئلة حول هوية إنسان الجزيرة العربية

الأهم في المرحلة السعودية الحالية هو تثبيت دور الحاكم المدني وليس الديني.. حسب الكاتب والباحث السعودي

كيوبوست

من البديهي أنه لكل ثقافة مهما كانت صغيرة، خصوصية تميزها، شكَّلت هويتها عبر الزمن، مكوِّنةً عبر التاريخ وبالتراكم أبعادها المادية وغير المادية، متحديةً في زماننا هذا عصف العولمة، والانصهار، وقراءة الآخر لها؛ ولكنها، حسب الكاتب والصحفي والسياسي السعودي مشاري الذايدي، تحتاج دوماً إلى إعادة قراءة بعيون أصحابها، لإنقاذها من التحريف، ووضع الأمة على مسار الحاضر المنطلق نحو المستقبل.

جاءت مداخلة الذايدي، خلال محاضرة عُقدت في “مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث”، في دولة البحرين، بعنوان “من نحن؟ أسئلة حول هوية إنسان الجزيرة العربية”.

وشدد الذايدي، خلال الندوة التي تابعها “كيوبوست”، على أن البحث عن خصوصية أية ثقافة للشعوب (بما فيها السعودية) لا يعني عزلها، إنما هي حاجة ملحة للشعوب، لتعريف ذاتها، وبالتالي انفتاحها ومقدرتها على قراءة غيرها.

اقرأ أيضاً: شبه الجزيرة العربية كانت ممراً للهجرات البشرية المبكرة من إفريقيا

كيف تُبنى الأمة؟

قبل الدخول إلى موضوع “هوية إنسان الجزيرة العربية”، ناقش الذايدي كيفية بناء الأمة بشكل عام، معتقداً أن الفرد ينشأ نشأة اجتماعية، ويتم تشييد هويته على مراحل من خلال صيرورة، تبدأ من الولادة حتى النضج، ثم يربط نفسه بتلك الهوية عن رغبة واختيار، عبر ما يُسمى بأدوات التنشئة التي تعمل على إشعار الفرد بذاته.

وفي ما يتعلق بنشأة الأمم في التاريخ، فقد أشار الذايدي إلى أن النزعة القومية المعاصرة ظهرت في أوروبا بالقرن التاسع عشر، وانتقلت إلى إفريقيا وآسيا في القرن العشرين، علماً بأن الأقوام الأوروبية كانت موجودة بالفعل قبل تشكل النزعة القومية؛ لكن إشعارهم بأن لهم هوية وتحوصلهم حول الأمة، هذا ما كان جديداً.

خريطة شبه الجزيرة العربية تعود إلى عام 1909م- مكتبة خرائط جامعة ألاباما

وفي سياق حديثه عن بناء الأمة، تطرق الذايدي إلى دور المثقفين والفنانين في إشعار الشعوب بهويتهم، مشيراً إلى دورهم السابق في تكوين الوعي القومي العربي؛ كالثورة في فنون اللغة التي قام بها رواد من عائلة البساتنة والمعلوف، وغيرهم في لبنان؛ لتطوير اللغة والنسخة الحديثة منها، لخدمة بناء الهوية العربية الجامعة، وهذا يدلل على أهمية البعد اللغوي في بناء الأمم.

أما عن علاقة الدين والعلمانية بالأمة، فقد تناول التجربة الفرنسية التي حيَّدت الكنيسة الكاثوليكية عن الدولة تدريجياً؛ لتتحول هذه التجربة إلى معيار في المخاض الأوروبي، يُراد له السيادة والمبدئية المطلقة.

إنسان شبه الجزيرة العربية

وتمهيداً للموضوع المحوري (ما هوية إنسان شبه الجزيرة العربية؟)، أجاب الذايدي عن سؤال جوهري “مَن هم العرب؟”، واعتبر أن عرب شبه الجزيرة العربية وبلاد ما بين الرافدين وبلاد الشام ينبثقون من أرومة (جذر) واحدة؛ لكنهم انتشروا انطلاقاً من شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام بكثير.

اقرأ أيضاً: أدلة جديدة على أن شبه الجزيرة العربية كانت خضراء ذات يوم

وفي محاولة لتثبيت الفرق بين عرب شبه الجزيرة، أشار إلى أن العرب الذين خرجوا منها، استقروا عند ضفاف الأنهار وشيدوا حضارات يُسميها بعض العلماء بالحضارات “النهرية المستبدة”؛ لأنها تعتمد على نهر في بلاد ليست مطيرة، وبالتالي لكي تستمر فهي بحاجة إلى نخبة مستبدة يحكمها الفرعون الذي يجبر الناس على العمل لفتح القنوات وبناء السدود وغيرها. وعبر هذه المركزية، جاءت نظرية الاستبداد الشرقي؛ وهي نظرية يخالفها البعض وفقاً للذايدي. أما سكان شبه الجزيرة العربية فقد كانوا معزولين؛ فطوروا نظاماً خاصاً للتعايش مع ظروف البيئة والتجارة.

ولفهم تركيبة إنسان شبه الجزيرة العربية أكثر، تطرق الذايدي إلى ثنائية “البداوة والحضارة”، مشيراً إلى أن شبه الجزيرة العربية ضمَّت بدواً عملوا في رعي الماشية؛ جرت محاولات لتوطينهم في عهد الدولة السعودية الأولى، وحضراً سكنوا الواحات وعملوا بالزراعة؛ كقبيلتَي طسم وجديس اللتين امتهن أفرادهما الزراعة.

وصار الطرفان (البدوي والحضري) مكملَين لبعضهما البعض ضمن نظام تكاملي، وأن الذي جسَّر الفجوة بينهما؛ تجارة “العقيلات”، التي نشأت في شبه الجزيرة العربية، عندما كان تجار حضر يشترون من البدو سلعهم ويتاجرون بها، ويوفرون لهم “الوظائف”. بالمقابل، كانت العلاقة تنافسية أحياناً على المراعي والمياه في أوقات الشح.

لحظة التأسيس كانت لحظة مفصلية في بناء الهوية السعودية

تاريخ السعودية المكتوب

وعلى الرغم من أن شبه الجزيرة العربية كانت مأهولة بحضارات موغلة بالقدم؛ فإن ذلك لم يؤدِّ إلى تشكُّل إمارات سياسية كبيرة. ويرجع الذايدي السبب في ذلك إلى مرحلة ما بعد الإسلام، نتيجة خروج الخلافة منها بعد مقتل ثالث الخلفاء الراشدين؛ عثمان بن عفان.

واعتبر أن خروج الخلافة من شبه الجزيرة العربية كان بمثابة ضربة قاصمة؛ فقد ضمر الاهتمام بها، وسُميت تلك الفترة بالمظلمة أو الغامضة حتى القرن الثامن الهجري. أما تاريخ السعودية فقد كُتب، وفقاً للذايدي، على يد الشيوخ وبرؤيتهم، وليس على يد الحكام، وكان جزءاً من التاريخ وليس كله.

وبالحديث عن تاريخ السعودية المكتوب على يد الشيوخ؛ ومنهم الإمام محمد بن عبدالوهاب، أشار الذايدي إلى تصريح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في إحدى المقابلات التليفزيونية، التي أكد فيها أنه لا يستطيع الالتزم بذلك التاريخ؛ فالسعودية تضم عدة مذاهب كالسُّنة والشيعة وصوفيين…

وأضاف أن الأمير محمد بن سلمان يولي تركيزاً ملحوظاً على التاريخ؛ لشغفه به، لكنه طوره بشكل عصري، عنوانه الأبرز اعتماد يوم التأسيس، الذي تولَّى فيه مؤسس الأسرة محمد بن سعود، إمارة الدرعية عام 1727م، والأهم صيغة نص القرار الملكي، التي ركَّزت على الشرعية السياسية إلى جانب الشرعية الدينية.

اقرأ أيضاً: المملكة العربية السعودية في عهد ابن سعود: الأسس الاقتصادية والمالية للدولة

وأشار الذايدي إلى أنه في السابق كانت الرواية السردية التي قام عليها الحركيون؛ كالإخوان المسلمين وغيرهم أو المشايخ التقليدين، تفيد أن الدولة قامت على دعوة دينية؛ في حين توقع الذايدي أن التاريخ سيكون عرضةً لإعادة التشكيل والقراءة عبر جيل إلى جيلَين، وهنا تساءل مستنكراً: “كيف بالإمكان إقامة دولة متجهة إلى العصر والحضارة وتقبل الآخر، وهي مؤسسة على بُعد ديني؟!”.

في الجزء الأخير من محاضرته، شدد الذايدي على ما اعتبره “الأهم” في المرحلة السعودية الحالية؛ تثبيت الدور للحاكم المدني، كشخصية ولي العهد محمد بن سلمان، وليس للديني؛ علماً بأنه من الطبيعي أن الدولة قامت على القرآن والسُّنة كون مواطنيها مسلمين، لكن السكان في شبه الجزيرة العربية كانوا يفتقدون الأمن والوحدة السياسية اللذين يوفرهما الحاكم، وليس الشيخ، ومن هنا فإن لحظة التأسيس كانت لحظة مفصلية في بناء الهوية السعودية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة