الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

مسلم بريطاني يوضح أهمية الاحتفاء بذكرى الهولوكوست

كيوبوست- ترجمات

هراس رفيق♦

عندما كنتُ شابًا في المدرسة في فترة السبعينيات، أتذكر أن أحد أكثر الدروس المروعة كانت في حصة مادة التاريخ، عن ألمانيا النازية: أيديولوجيتها المشوهة، وطموحاتها الاستعمارية، وجرائمها ضد الإنسانية، وكان أكثرها إزعاجًا الإبادة الجماعية لليهود الأوروبيين، التي يشار إليها باسم الهولوكوست أو المحرقة. عذَّبت وقتلت ألمانيا النازية، والمتعاونون معها، قرابة ستة ملايين يهودي في جميع أنحاء أوروبا المحتلة من قبل ألمانيا. ونُفِّذت جرائم قتل في مذابح وعمليات إطلاق نار جماعي؛ من خلال سياسة الإبادة في معسكرات الاعتقال؛ وفي غرف الغاز وعربات الغاز في معسكرات الاعتقال الألمانية.

لم أستطع استيعاب كيف يمكن للبشر أن يكونوا أشرارًا لهذا الحد، وكيف سمح العالم بحدوث ذلك.

غير أن مزيدًا من القراءة، عندما كنتُ شابًا بالغًا، أوضح لي أن معاداة السامية ليست ظاهرة جديدة في القرن العشرين، ولكنها موجودة منذ آلاف السنين، وربما كانت واحدة من أقدم أشكال كراهية الأجانب التي لا تزال قائمة. في وقتٍ لاحق من حياتي، أدركت أنها بدأت بكراهية اليهود، لكنها لم تنته عند هذا الحد. إنها مقياس جيد لصحة المجتمع، وكانت ألمانيا النازية أحدث مثال على ذلك. بدأ هتلر باليهود ولكن لم ينته هناك، حيث مضى في ارتكاب العديد من الفظائع ضد العديد من الجماعات الأخرى، مع غزوه لأوروبا بالكامل تقريبًا.

اقرأ أيضًا: لماذا لا يزال الهولوكوست حدثاً مهماً؟

دعونا نقفز بسرعة إلى عام 2022. كمسلم بريطاني، أجد أن معاداة السامية وصلت مرة أخرى إلى كتلة حرجة، ولكن هذه المرة لا يقودها النازيون بل الإسلامويون، بقيادة جماعة الإخوان المسلمين التي تعتقد أنها مكلفة “بمهمة إلهية”، ويساعدها في ذلك اليسار السياسي المتطرف. ولكن هذه ليست مشكلة للمملكة المتحدة فحسب، إذ يستنسخ هذا التوجه في جميع أنحاء العالم.

لنأخذ الحادثة الأخيرة لمالك فيصل أكرم، الإرهابي الإسلاموي البريطاني الذي قرر ترك عائلته وأصدقائه في المملكة المتحدة، والسفر إلى الولايات المتحدة، وفرض حصار على معبدٍ يهودي في محاولة لإجبار الحكومة الأمريكية على إطلاق سراح إرهابية إسلاموية مدانة، وترتبط بتنظيم القاعدة، هي عافية صديقي. ذكرتُ في مقالٍ افتتاحي إن اختياره للكنيس كهدف مشروع كان مدفوعًا بمعاداة السامية التي ترسخت في العديد من المجتمعات المسلمة التي تحركها الإسلاموية، وقد ثبت في وقتٍ لاحق صدق تحليلي هذا من خلال نشر آخر مكالمة هاتفية له مع أسرته، التي حاولت إقناعه بالعدول عما ينوي فعله. كان يكره اليهود، ويصدق نظريات المؤامرة المعادية للسامية.

الهولوكوست مأساة تاريخية- (فرانس برس)

لقد أشرتُ إلى اليسار المتطرف، ولكن السوس الذي ينخر في المجتمعات أعمق من ذلك، لقد وصل إلى اليسار “التقدمي” الأوسع. من الأمثلة على ذلك حزب العمال البريطاني تحت قيادة زعيمه السابق جيريمي كوربين، عندما كانت تمارس منظمة تدعى “الزخم” الكثيرَ من النفوذ. كانت هناك شكاوى عديدة من معاداة السامية، وحدَّد تحقيقٌ أجرته لجنة المساواة وحقوق الإنسان أوجه قصور خطيرة في القيادة وعدم كفاية عملية معالجة الشكاوى المتعلقة بمعاداة السامية. ووجد تقرير صادر عن هيئة مراقبة حقوق الإنسان في المملكة المتحدة أن حزب العمال مسؤول عن أعمالٍ “غير قانونية” من التحرش والتمييز خلال فترة ولاية كوربين كزعيم للحزب. وجادل العديد من المعلقين، بمن فيهم اللورد كلايف سولي، وهو ونائب سابق في حزب العمل ورئيس الحزب في إحدى الدورات البرلمانية، بأن يسار الوسط في حزب العمال أصبح معاديًا للسامية بشكلٍ مؤسسي.

لا غرابة في ذلك. فقد التقى كوربين بمسؤولين من حماس في إسرائيل وفلسطين في عام 2010، وترأس حلقة نقاشية في فعالية في قطر مع رئيس حماس خالد مشعل في أبريل 2012؛ ثم دعا نشطاء وأنصار حماس البارزين إلى اجتماع في مجلس العموم في مارس 2015. كما أن شيموس ميلن، المدير التنفيذي لقسم الاستراتيجية والاتصالات في حزب العمال آنذاك، كان مؤيدًا للإسلاموية لفترة طويلة، وجادل بأن “الحرب على “الإسلاموية لا تؤدي إلا إلى تأجيج الكراهية والعنف”، مشيدًا في الوقت نفسه بحماس المعادية للسامية.

اقرأ أيضاً: معرض لمأساة الهولوكوست في دبي

تواجه مجتمعاتنا الآن ما أطلقنا عليه أنا وبعض زملائي السابقين “التهديد الثلاثي“: هجوم أيديولوجي ثلاثي المحاور من الإسلاموية، واليمين المتطرف، واليسار المتطرف. وقد ارتبط الثلاثة الآن بالتطلعات الاستعمارية (داعش هو المظهر الإسلاموي الأحدث)، وتنفيذ جرائم شنيعة ضد الإنسانية، والثلاثة لديهم شيء واحد مشترك: جميعهم يكرهون اليهود. وتستخدم هذه الاستراتيجيات الثلاث معاداة السامية كاستراتيجيةٍ للتجنيد، وقد أصبحتِ الوقود الذي يحرِّك هذه الأيديولوجيات. وقد أدَّت الإسلاموية وتقدمها غير المقيد حتى الآن في المجتمعات المسلمة، وكذلك اليسار، دورًا محوريًا في ذلك. لقد انتشر هذا التغلغل الأيديولوجي في جميع جوانب مجتمعنا المدني، في جميع المجالات، من السياسة إلى الجامعات، ومن عناصر وسائل الإعلام الرئيسة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، والدين، والمنظمات ذات القواعد الجماهيرية.

ولكن مكافحة هذه الآفة تحديدًا قد تبلور في الشرق الأوسط مع توقيع دولٍ مثل الإمارات والبحرين على اتفاقيات أبراهام، وطبَّعت أربع دول أخرى علاقاتها مع إسرائيل. وأدّى ذلك إلى تغيير في العلاقات بين الشعوب في البلدان الموقعة، والمبادرات الثنائية داخل القطاع الخاص والمجتمع المدني. وأضحى من الأصعب النظر إلى الناس على أنهم “الآخرون” وكرههم عندما يتعاونون في هذه الأنواع من المبادرات.

من ضحايا الهولوكوست – أرشيف

يوم ذكرى الهولوكوست أو يوم إحياء ذكرى الهولوكوست هو احتفال سنوي لإحياء ذكرى ضحايا المحرقة. وقد اختارت غالبية الدول في جميع أنحاء العالم 27 يناير، الذكرى السنوية للسيطرة النازية على معسكر الاعتقال في أوشفيتز في عام 1945، في حين اختارت دولٌ أخرى تواريخ أخرى، كثيرًا ما تتعلق بأحداثٍ وطنية خلال المحرقة.

لقد حان الوقت لتذكر الموتى والتأمل والسعي إلى تعلم دروس الماضي والاعتراف بأن الإبادة الجماعية لا تحدث فقط من تلقاء نفسها، إنها عملية ثابتة، سوف تستمر ما لم يتم كبح التمييز والعنصرية والكراهية ومنعها.

لقد كان أمرًا مشجعًا أن نرى الإمارات العربية المتحدة والبحرين وهما ينظمان في عام 2021 فعاليات لإحياء ذكرى الهولوكوست، حيث أضاء اليهود والمسلمون ست شموع تخليدًا لذكرى ستة ملايين شخص لقوا حتفهم في تلك المحرقة، وأعلنوا أنهم يقفون معًا ضد التطرف، وأننا “لن ننسى”. وفي العام نفسه، افتتحت دولة الإمارات معرضًا تذكاريًا للهولوكوست، وهو الأول من نوعه في الشرق الأوسط.

اقرأ أيضًا: إيخمان في القدس!

يهدف المعرض إلى زيادة الوعي بين سكان دبي والسياح بأهوال إبادة ألمانيا النازية لليهود والأقليات الأخرى، ويستكشف سلسلة الأحداث التي أدّت إلى الهولوكوست، ويتضمن إشادة خاصة بالعرب الذين دافعوا عن اليهود وأنقذوهم. نعم، هناك أمل في منطقة الشرق الأوسط.

في اللغة العربية، تستخدم كلمة “إنسان” للتعبير عن البشر. يقول اللغويون إن الكلمة لها جذران: الأولى هي “النسيان”، والثانية “أُنس” بضم الألف، التي تعني “التواصل”، “الحب”، “أن تكون محبوبًا”، أو “أن تصبح قريبًا” من الآخرين. ومن ثم يمكن ترجمة “إنسان” إلى “يحب أن ينسى”. والكثير من البشر في جميع أنحاء العالم ما زالوا ينسون دروس المحرقة.

لهذا السبب، فإن يوم إحياء ذكرى المحرقة مهم جدًا، حتى لا ننسى (مرارًا وتكرارًا) الشرَّ الذي سبقنا، وما زلنا نسمح له بأن يتفاقم، ويعاود الظهور.

♦المدير بالإنابة المؤقت لمعهد دراسة معاداة السامية والسياسة العالمية، وأمين جمعية المسلمين ضد معاداة السامية الخيرية في المملكة المتحدة، وخبير في مكافحة التطرف والإرهاب منذ عام 2004.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة