الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

مسلسل Designated Survivor.. وكسل الصورة النمطية

علاقة التليفزيون والسينما الأمريكية مع الدول العربية محفوفة بالغرابة مع قدر كافٍ من الكسل لإنجاز الحد الأدنى من البحث والتقصي لتجسيد الشخصيات العربية

كيوبوست- عبيد التميمي

 “Designated Survivor“، هو مسلسل جريمة سياسي يتحدث عن نظامٍ في الدستور الأمريكي ينصّ على عزل أحد أفراد الحكومة وقت خطاب الرئيس الأمريكي السنوي في مبنى الكابيتول؛ حيث في حالة الهجوم على الرئيس ووفاته، يكون “الناجي المحدد” الذي عُزل في مكان مجهول، رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية بالنيابة حتى الانتخابات القادمة. المسلسل من كتابة ديفيد غوغنهايم، ومن بطولة كيفر سيذرلاند وكال بين وآيدن كانتو وإيتاليا ريتشي.

قبل كونه مسلسل غموض وجريمة سياسياً، يتحدث عن هجومٍ إرهابي على مبنى الكابيتول، يعادل في ضخامته أحداث11  سبتمبر؛ هو مسلسل درامي ونفسي عن شخصية توم كيركمان، وزير الإسكان، الذي تم إبلاغه بالتخلي عن خدماته في صباح يوم الهجوم، قبل أن يجد نفسه رئيساً للدولة في نفس الليلة.

اقرأ أيضًا: Pieces of a Woman.. عن تراجيديا الفقد

يسلط المسلسل الضوء على حالة كيركمان النفسية في أولى الحلقات، ومقدار الضياع والقلق اللذين يواجهانه بشكل يومي في وظيفته الجديدة. ولعل أكبر تحول حقيقي في حياته هو محاولة موازنة الخيارات المتعددة التي يمتلكها كرئيس، فبعد أن كان وزير الإسكان ويستطيع تركيز كل جهوده على قضايا الإسكان، وما يعقتده مناسباً؛ فهو الآن يواجه مفترق طرق حقيقياً مع كل قرار يتخذه؛ لأنه لا يوجد قرار جيد أو سيئ بشكل مطلق، بل جميع القرارات تمتلك نقاطاً سلبية وإيجابية، وسوف تُسعد البعض، وتُغضب البعض الآخر.

مشهد من الفيلم

حين يركز المسلسل على بطله، وكيفية تأقلمه مع حياته الجديدة، فهو يكون في أفضل حالاته؛ فهو يركز على الدراما الشخصية والصراع الذي يخوضه كيركمان في محاولة اتخاذ قرارات تغيِّر شكلَ الدولة بشكل كامل، لكن يعاني المسلسل بشدة حينما يبدأ بصبِّ كم هائل من المعلومات على المشاهدين عن طريق تلقينها للرئيس الجديد على المنصب.

وعوضاً عن تطوير الشخصيات وبناء علاقاتها، يتحول المسلسل إلى عرضٍ تقديمي يلقيه الممثلون على بعضهم بعضاً بالحرف الواحد. وهذه المشكلة تواجهها جميع الأعمال التي تتناول موضوعات تكون غائبة عن عامة الجمهور أو بأفكار جديدة كلياً من صناع العمل -مثل أفلام الخيال العلمي- فهنا تأتي المهمة الصعبة في الموازنة ما بين شرح الحبكة للمتلقي ودراما الشخصيات التي هي أساس القصة.

اقرأ أيضًا: The misfits””.. عن جزيرستان والإخوان المسلمين واليد القذرة لأمريكا

ورغم دقة الكثير من المعلومات المتعلقة بطريقة عمل البيت الأبيض وإدارة أموره؛ فإن صناع المسلسل يقعون في فخ الكليشيهات السياسية المتكررة، التي تظهر جميع السياسيين بمظهر المفكرين الأذكياء الحذقين، والقادة العسكريين بمظهر مجانين الحرب الذين لا يعرفون حلاً لأية مشكلة إلا إعلان الحرب والضربات الجوية. متجاهلين حقيقة أن العديد من السياسيين ينجحون بسبب علاقاتهم والدعم الذي يحصلون عليه وليس بسبب ذكائهم “الحاد”؛ لكن المشكلة الحقيقية تظهر عندما تمتد فروع هذه الصور النمطية إلى خارج حدود أمريكا.

في ثانية حلقات الموسم الثالث، كانت الحلقة تتحدث عن متبرع سعودي يطلب صورة مع الرئيس الأمريكي كثمن لأجل تبرعه السخي، ويكتشف الرئيس أن هذا المتبرع متزوج من فتاة عمرها14  عاماً فقط، وهنا تبدأ نبرة الوعظ الأمريكية المتكررة والتي تطالب بنصرة المظلومين، والحفاظ على حقوق الإنسان، متجاهلةً التجاوزات الأخلاقية والإنسانية التي ترتكبها الحكومة داخل الدولة وخارجها.

مشهد من الفيلم

ومن الجميل أن المسلسل يعترف بهذه العيوب؛ بل كانت هناك رغبة حقيقية محسوسة في تمثيل السعودية بشكلٍ مناسب من حيث مناقشة موضوعات جديدة تعالجها الحكومة السعودية، لكن هذه الرغبة تفشل مع أول تحدٍّ بسيط؛ وهو إتقان الزي السعودي، ناهيك بالفكرة السخيفة التي تتمثل في أن الرئيس الأمريكي يجد في جدوله المزحوم وقتاً لأخذ صورة مع متبرع واحد فقط، ويكون هذا المتبرع -الذي من المفترض أنه رجعي بسبب زواجه بفتاة قاصر- متفتحاً بما يكفي لإحضار زوجته القاصر في هذه الزيارة.

خط سير الأحداث بالكامل كان عذراً لإقحام القضايا السعودية في المسلسل بشكل سطحي؛ فحتى بافتراض جهل المتابع والناقد الأمريكي بعادات وتقاليد المملكة، فلا يمكن بأي شكلٍ من الأشكال إيجاد عذرٍ منطقي للجهود الهزيلة المبذولة في إيجاد حجة منطقية لإقحام السعودية وقضاياها المعاصرة في مسلسل سياسي أمريكي.

اقرأ أيضًا: مسلسل “رشاش”.. تجربة جريئة لا تخلو من العيوب

إن علاقة التليفزيون والسينما الأمريكية مع المملكة العربية السعودية، والدول الخليجية، والعربية بشكل عام، علاقة محفوفة بالغرابة؛ فهناك قدر كافٍ من الصواب السياسي لاحترام العادات والتقاليد والأديان، وتجنب الصور العنصرية المهينة، وفي نفس الوقت هناك قدر كافٍ من الكسل لإنجاز الحد الأدنى من البحث والتقصي لتجسيد الشخصيات العربية؛ فجميع سكان الدول العربية يحاولون تحدث الفصحى بشكل كارثي دون أي إدراك أن لكل دولة لهجتها الخاصة، ناهيك بلهجات المدن فيها، والخليجي دائماً يرتدي الثوب والشماغ، حتى لو كان خارج دولته، وهذا الكسل يجعل من اللحظات البسيطة القليلة التي نشاهد فيها مجهوداً حقيقياً لتجسيد شخصيات عربية والاستعانة بعرب لتأدية هذه الأدوار، لحظات منعشة للغاية، وهنا نتذكر مشهد استجواب العاملين على سفينة ناقلة للبضائع في مسلسل “The Wire“.

إن تنفيذ هذا الأمر ليس بالصعب أو المستحيل إطلاقاً؛ فنحن نعلم بوجود مستشارين متخصصين للأفلام والمسلسلات يتخصصون في تنقيح النص من الأخطاء المتعلقة بمجالهم، سواءً أكان ذلك المجال سياسياً أم علمياً أم مالياً. وبالتالي، فإن وجود مستشار متخصص من نفس الدولة المراد تمثيلها سوف يكون كفيلاً بحل جميع هذه الأخطاء؛ لكن يبقى أساس المشكلة هو أن هذه الأخطاء على الغالب تظهر لنا كمتابعين عرب فحسب، ولا تظهر إلا ما ندر للجمهور الأمريكي المستهدف.

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبيد التميمي

كاتب سعودي