الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

مسلسل “فتح الأندلس” يؤجج جدل الهوية وتزوير التاريخ

بعد بث الحلقات الأولى من المسلسل اندلعت معركة كلامية في كل من المغرب والجزائر بخصوص نسب القائد الإسلامي طارق بن زياد

المغرب- حسن الأشرف

لم يكد تمر من مسلسل “فتح الأندلس”، الذي يبث في شهر رمضان على القناة التليفزيونية الحكومية بالمغرب، سوى بضع حلقات؛ حتى تفجر جدلاً وسجالاً واسعاً، بشأن الأحداث التاريخية لهذا العمل الدرامي، حتى إن الكثيرين اتهموه بتحريف تاريخ البلاد، وبلغ السجال حد التراشق بين المعلقين المغاربة والجزائريين حول نسب طارق بن زياد؛ هل هو مغربي أم جزائري؟ والذي يروي المسلسل بعض ملاحمه البطولية التاريخية؛ وعلى رأسها فتح الأندلس عام 711 ميلادي.

وأخرج مسلسل “فتح الأندلس” الكويتي محمد العنزي، وكتب القصة والسيناريو 6 كتاب عرب؛ هم: الكويتي مدين الرشيدي، والسوريون صالح السلتي وإبراهيم كوكي ومحمد اليساري، والمصريان أبو المكارم محمد وصابر محمد، ويلعب أدوار البطولة الفنان السوري سهيل جباعي في دور طارق بن زياد، والممثل اللبناني رفيق علي أحمد، في دور موسى بن نصير، والممثل الأردني عاكف نجم، في دور أبو بصير شيخ طارق بن زياد، وممثلون عرب آخرون؛ من بينهم الفنان المغربي هشام بهلول.

اقرأ أيضاً: في المغرب العربي.. الحضارة الأمازيغية تتحدى الزمن والسلطة

القناة التليفزيونة الرسمية التي تبث هذا المسلسل في رمضان الحالي اعتبرت أن “أحداث مسلسل (فتح الأندلس) تقدم للمشاهد دروساً في الشجاعة والتضحية والإخلاص، وقيم التسامح والتعايش التي كانت ضمن أولويات الفتوحات الإسلامية”، بينما وصفه نقاد وكتاب كثيرون بأنه مسلسل فاشل يحرف تاريخ المغرب ويهمشه على حساب تمجيد تاريخ المشرق العربي، مقابل آراء أخرى ترى أنه لا يتعين الهجوم على المسلسل لأنه عمل فني قابل للنقاش، وأن شخصية قيادية من حجم طارق بن زياد (في مسلسل تليفزيوني) يتعين أن توحد العرب والمسلمين لا أن تقسمهم.

معركة الهوية

ومباشرة بعد بث الحلقات الأولى من مسلسل “فتح الأندلس” اندعت معركة بين معلقي ورواد مواقع التواصل الاجتماعي في كل من المغرب والجزائر، بخصوص نَسب القائد الإسلامي طارق بن زياد؛ فالجزائريون يقولون إنه ينحدر من منطقة تلمسان، والمغاربة يعتبرونه أمازيغياً من منطقة الريف، فانحرف النقاش إلى نفس المعارك التي تدور بين الطرفَين بشأن نسبة عدد من الوجبات والملابس وغيرها.

معركة الهوية حول أصل أكلة الكسكس بين المغرب والجزائر

وتدور معارك طاحنة بين المغاربة والجزائريين بخصوص هوية وجبة الكسكس مثلاً؛ فالمغاربة يؤكدون أنها أكلة محلية لها جذور في بلادهم، والجزائريون يزعمون أنها تعود لهم، وهو الشيء ذاته الذي حصل مع موسيقى الراي، فكل طرف يدعي أنها ملك له، علاوةً على لباس “القفطان” النسائي الذي لا تزال معركة الهوية حامية الوطيس بين البلدَين الجارَين حوله، بالإضافة إلى هوية وأصل بعض الحلويات أيضاً.

رواد مواقع التواصل الاجتماعي في الجزائر يتهمون المسلسل بكونه “سرق” تاريخهم، ولم ينسب طارق بن زياد إلى بلدهم، وبلغ الأمر إلى حد مطالبة وزيرة الثقافة مليكة بن دودة، بالتدخل ضد ما سموه “أيادي خارجية تحاول طمس وتشويه وتزوير تاريخ الجزائر”، بينما تعالت أصوات نقاد جزائريين باتهام المسلسل بكونه “يحتوي على خزعبلات تاريخية مشرقية استعلائية على أهل شمال إفريقيا”.

اقرأ أيضاً: من يدفع إلى الحرب بين الجزائر والمغرب؟

المغاربة من جانبهم يؤكدون أن فاتح الأندلس هو طارق بن زياد الأمازيغي ذو الأصول المغربية، وأن المسلسل تضمن افتراءات على التاريخ، بل “احتقر” بطولات رجالات هذا البلد، وطالب بعضهم بوقف ما سموه “المهزلة” و”الجريمة” في حق تاريخ المغرب والمغاربة، بينما اكتفى مخرج المسلسل درءاً لفتنة هوية ونسب طارق بن زياد، بتسميته بالقائد المسلم، واعتبر الدافع لإنجاز العمل هو “إبراز قيمة تاريخ الأندلس الزاهر والثري جداً”.

في البرلمان

والراصد لمتابعات وانتقادات المسلسل يجد سيلاً عارماً من “الاحتجاجات والاتهامات” التي تمزج بين ما هو فني وما هو سياسي وتاريخي أيضاً؛ لكنها تكاد تلتقي كلها في كون هذا العمل “منتجاً رديئاً لا هو بتاريخ الأندلس ولا هو بمواصفات المسلسل التليفزيوني الدرامي الجيد”، وفق تدوينة الإعلامي والشاعر المغربي محمد بلمو.

سجال المسلسل وصل إلى قبة البرلمان المغربي

الجدل والاتهامات تجاوزت الجمهور والنقاد لتصل إلى البرلمان المغربي؛ حيث وجه النائب المهدي الفاطمي، سؤالاً كتابياً إلى وزير الثقافة محمد المهدي بنسعيد، حول مسلسل “فتح الأندلس”، مطالباً إياه بالتدخل لصيانة تاريخ المملكة عن المغالطات وتزوير الحقائق التاريخية للبلاد؛ خصوصاً أن هذا العمل الدرامي تبثه القناة التليفزيونية الحكومية.

وأورد البرلماني ذاته أن “فتح الأندلس يعد حدثاً مغربياً بامتياز؛ حيث تم الفتح عبر شمال المغرب وبجيوش شمال إفريقيا قوامها المغاربة بالأساس، لكن المسلسل يجعل المغرب الكبير مجرد طريق جغرافي لجيوش المشرق الأموية، والمغاربة مجرد “كومبارس” تحت قيادة شخصيات شامية”، وَفق تعبيره.

اقرأ أيضاً: هل وصلت العلاقات الجزائرية- المغربية إلى نقطة اللا عودة؟

ووفق المساءلة البرلمانية، فإن “المسلسل يضج بالمغالطات المعرفية، ويحمل في كثير من حلقاته تزويراً لكل ما تتفق عليه المصادر التاريخية الموثوقة”، منتقداً عدم استناد الواقفين وراء هذا العمل الدرامي التاريخي إلى مغاربة في الكتابة والتأليف، وعدم التشاور مع مؤرخين مغاربة؛ لتدقيق تفاصيل العمل الفني الدرامي.

لا لتأجيج النعرات

من جانبه، يعلق الكاتب والأديب المغربي مصطفى لغتيري، على هذا الموضوع بالقول إنه كباقي الجمهور العربي من المحيط إلى الخليج تتبع الضجة التي رافقت عرض مسلسل طارق بن زياد على شاشات بعض القنوات العربية، مبرزاً ضرورة الوعي بالحدود الفارقة ما بين العمل التوثيقي المحض والعمل الفني، فإذا كان الأول تتحكم فيه الحقيقة التاريخية والواقعية، فإن العمل الفني تتحكم فيه رؤية المخرج، بما يعني حضور البعد الجمالي التخييلي بالخصوص.

مصطفى لغتيري

ويسجل لغتيري، في حديث مع “كيوبوست”، عدداً من الملاحظات الرئيسية؛ أبرزها الجدل بين  الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والمتعلقة تحديداً بأصل طارق بن زياد، مشيراً إلى أن “هناك مَن ينسبه إلى العرب وتحديداً شبه الجزيرة العربية، بينما يذهب فريق ثانٍ إلى أن أصوله أمازيغية، وشط الخيال بالبعض فنسبوه إلى الفرس، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ بل نجد أن هناك تنافساً ما بين المغرب والجزائر حول انتساب طارق بن زياد إلى كل منهما”.

ويرى لغتيري أن “هذا الخلاف حول أصل طارق بن زياد غير ذي معنى؛ لا يسهم إلا في تأجيج النعرات القومية والقبلية”، مبيناً أن “المخرج انتبه إلى هذا المأزق؛ لهذا ركز في بداية المسلسل على طارق بن زياد، في مرحلة متقدمة من حياته وهو حاكم لمدينة طنجة، دون الخوض في مشكلة أصوله هل هي عربية أم أمازيغية أم فارسية”.

ويستطرد المتحدث بأنه “إذا كانت هذه الشخصية بهذا البعد الرمزي الكبير، الأَولى أن توحدنا بدلاً من أن تقسمنا إلى فئات وتحيي في النفوس نعرات تزيد من الفرقة والتشرذم بدل جمع الشمل واستلهام العبر من التاريخ، الذي لو أن صانعيه القدامى انشغلوا بهذه الخلافات لما استطاعوا أن يخلقوا لنا شخصية نعتز بها مثل شخصية طارق بن زياد”.

وخلص لغتيري إلى أن “المخرج أنجز المسلسل بما يتفق وإمكاناته المادية والمعرفية وتصوره لعمله الفني، ومَن يعارضه في ذلك فليبادر إلى إنتاج مسلسل آخر عن طارق بن زياد برؤية مختلفة”، مؤكداً أن “هذه الشخصية أصبحت ملكاً للإنسانية جمعاء، ولا يجب أن تحتكرها قومية معينة، ولعل هذا ما انتبهت إليه بريطانيا حين وضعت صورته على الجنيه الإسترليني”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة