الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

مسلسل “رشاش”.. تجربة جريئة لا تخلو من العيوب

قصص الجريمة نادرة في التليفزيون السعودي نظراً لصعوبة إنتاجها وصعوبة خلق حبكة يتفاعل معها المشاهد

كيوبوست- عبيد التميمي

بعد تأجيله عدة أشهر، أخيراً يتم عرض المسلسل المنتظر “رشاش”، الذي يتحدث عن المجرم “رشاش العتيبي” في عقد الثمانينيات الماضي، ومحاولة رجال الشرطة للقبض عليه. الفيلم من إخراج البريطاني كولن تيغ، وكتابة ريتشارد بيلامي، وسهى آل خليفة، وتوني جوردان. يتصدر بطولة المسلسل يعقوب الفرحان، بدور “رشاش”، ونايف الظفيري، بدور “الضابط فهد”، ومحمد القس، وفايز بن جريس، وخالد يسلم، وحكيم جمعة، وإبراهيم الحجاج.

يمكن اعتبار هذا المسلسل صناعة بريطانية؛ فأكبر اسمَين في الفريق وأكثرهما خبرة هما المخرج كولن تيغ، والكاتب توني جوردان، عملا على العديد من الأعمال التليفزيونية في أمريكا وبريطانيا، وهناك انتفاع واضح من هذه الخبرة في المسلسل؛ لأنه رغم جميع العيوب الواضحة في أكثر من ناحية؛ فإن بعض العيوب المعتادة، مثل تشتت القصة وبطء السرد، غائبة تقريباً.

اعتقدت أن المسلسل سوف يتبع أسلوب قصص السير الذاتية، متناولاً قصة “رشاش” منذ منشأه، مروراً بمرحلة ما قبل دخوله عالم الإجرام، ومنتهياً بالفصل الأخير من حياته، لكن المسلسل يختار أن يتبنى أسلوب الجريمة والإثارة بشكل كامل، وتقريباً هناك محركان أساسيان للقصة؛ شخصية “رشاش” المجرم، و”فهد” الضابط الذي يحاول القبض عليه، وفي كل جانب هناك شخصيات مساعدة تؤثر على قرارات هاتين الشخصيتَين؛ لكن إجمالاً “رشاش” و”فهد” هما قطبا القصة الرئيسيان.

منذ بدايته، التزم المسلسل بسرعة مناسبة للسرد؛ وهو أمر إيجابي في قصص الجريمة؛ لأن ليس هنالك أسوأ من قصة بوليسية بطيئة دون سبب مقنع. هناك استكشاف درامي في كل حلقة لشخصيتَي “فهد” و”رشاش”؛ مما يجعلهما محركَين جيدَين للقصة، يفهم المشاهد الشخصيتَين بشكلٍ واضح، وبالتالي يفهم سبب تحرك القصة في الاتجاه الذي تتجه فيه.

مشهد من المسلسل

احترام البيئة

المخرج كولن تيغ، والمصور السينمائي لوك براينت، قاما بعملٍ رائع من ناحية تصوير المسلسل، تتنقل الكاميرا بين الزوايا الضيقة والواسعة، بين الشخصيات وملامحها وبين البيئة المحيطة بها، وبالحديث عن هذا الأمر؛ فهناك إدراك واحترام حقيقي للبيئة، ويظهر التصوير في أفضل حالاته حينما يكون المشهد صحراوياً أو أن تتخلله إضاءة طبيعية على الأقل.

للأسف، ما يكتسبه المسلسل في التصوير يفتقده في الحوارات والشخصيات؛ هناك خلل واضح في الحوارات من عدة نواحٍ. كبداية، اللهجة تعاني خللاً واضحاً لدى أغلب الممثلين، نشاهد التزاماً باللهجة في مشهد، ومن ثم تخلياً كاملاً عنها في مشهد آخر، ولا أعتقد أن غياب العنصر السعودي من ناحية الكتابة والإخراج هو عذر حقيقي، فأي باحث أو مدقق لغوي مختص سوف يكون قادراً على إضافة مصداقية حقيقية للحوارات.

اقرأ أيضًا: The misfits””.. عن جزيرستان والإخوان المسلمين واليد القذرة لأمريكا

اللهجة ليست هي الأمر الوحيد الذي يعيب الحوارات؛ جودة الحوارات نفسها تعاني للغاية، لأن هناك رغبة حقيقية محسوسة في تحويل أغلب الحوارات إلى اقتباساتٍ رنانة تثبت في ذهن المشاهد كحِكم أو شعارات، وينسى كتَّاب المسلسل هنا أن الحوارات في الأساس هي وسيلة تواصل بين الشخصيات وطريقة لبنائها وتطويرها، وإذا أردت كمشاهد أن أحصل على حِكم وشعارات، فأسهل بحث في “جوجل” كفيل بحصولي على كل ما أريد.

الحوارات التي تعاني فرط الحكمة بهذا الشكل، تنزع الصبغة الإنسانية من الشخصيات، وعوضاً عن تفاعل المشاهد مع هذه الشخصيات كشخصياتٍ حقيقية مستقلة، فهي تذكره بأن ما يحصل أمامه هو حوار مكتوب، وأن الممثلين قاموا بحفظ هذا الحوار وتأديته. يكتب الكاتب الحوارات لأجل شخصياته في المقام الأول، وليس بهدف إيصال رسائل وشعارات مثالية للمشاهد. أحد أسوأ المشاهد المكتوبة بالنسبة إليَّ كان مشهد حديث فهد مع أخيه عن طموحهما ورغباتهما المستقبلية؛ لأنه كان محشواً بالاقتباسات والأفكار المثالية بشكلٍ يجعل من المستحيل أن نصدق أن ما يحصل أمامنا هو حوار عفوي بين أخوَين.

مشهد من المسلسل

الأثر الثالث الذي يخلفه ضعف الحوارات، هو ضعف تطوير الشخصيات؛ باستثناء شخصيتَي “رشاش” و”عمر”، وبدرجةٍ أقل “فهد”، ليس هناك تطوير درامي حقيقي لأي شخصية أخرى في المسلسل؛ خصوصاً الشخصيات المرتبطة بشخصيتَي رشاش وفهد بشكل رئيسي، ونتيجة لانعدام هذا التطوير؛ فالأداءات التمثيلية الضعيفة بالأساس تظهر بشكل صارخ، لأنه ليس هناك أساس يعتمد عليه الممثل في تأدية شخصيته.

“يعقوب الفرحان” ورغم الخلل الواضح في كتابة حواراته الذي يتضخم تدريجياً مع استمرار المسلسل؛ فإنه يقدم أفضل أداء في المسلسل حتى الآن، ويليه فايز بن جريس ونايف الظفيري ومحمد القس؛ لكن للأسف هناك أداءات عديدة سيئة في المسلسل، وهو أمر مستغرب؛ لأن الاختيار الذكي لوجوه شابة مثل الفرحان وابن جريس، لا يجب أن يتوافق مع اختيارات أخرى سيئة.

اقرأ أيضًا: Pieces of a Woman.. عن تراجيديا الفقد

بالطبع ليس من المنطقي إلقاء اللوم بالكامل على الممثلين؛ لأنه كما ذكرت هناك ضعف واضح في تطوير الشخصيات، بل هناك خلل أكبر في مفهوم كتَّاب المسلسل لخلق الصراع بين الشخصيات؛ فنحن نتفاجأ بصراخ الممثلين على بعضهم البعض دون سابق إنذار، ودون وجود سبب مقنع للوصول إلى هذه الحدة من درجة الصراع.

قصص الجريمة نادرة في التليفزيون السعودي؛ وهو أمر ليس بالمستغرب نظراً لصعوبة إنتاجها وصعوبة خلق حبكة يتفاعل معها المشاهدون، لذلك اعتُبر مسلسل “رشاش” تجربة جديدة وجريئة كلياً؛ لكن كحال العديد من التجارب الجديدة والجريئة، هي تجربة لا تخلو من العيوب.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبيد التميمي

كاتب سعودي