ثقافة ومعرفةشؤون عربية

مسلسل الواق واق: الهروب من الواقع لمحاولة تجسيده

مسلسلات تجسد الواقع العربي تحظى بانتشار واسع

كيو بوست – 

لعل الملفت في أعمال المسلسلات التلفزيونية التي غزت شاشة المواطن العربي في رمضان هذا العام أنها جاءت ضخمة الإنتاج، مكتظة بالمؤثرات البصرية والسمعية من جهة، ومن جهة أخرى، تناوبت ما بين محاولة تجسيد الواقع والهروب منه.

ويعتبر مسلسل الواق واق لمخرجه الليث حجو من أبرز المسلسلات التي وظفت “الكوميديا السوداء” في خدمة تمثيل واقع المجتمعات العربية وأنظمتها السياسية، دون أن يحمل المسلسل أية دلالات قصدية تجاه إحدى البلدان العربية. وبذلك، نجح المسلسل في الهروب من واقع الحال المباشر والمعاش بطريقة جديدة ومبتكرة، علمًا أن هذا الأسلوب ليس جديدًا على مؤلف هذا العمل “ممدوح حمادة”، الذي سبق أن كتب مسلسل “الخربة” و”ضيعة ضايعة”.

تدور أحداث المسلسل حول مجموعة من الشخصيات التي لا يمكن أن تلتقي، ولكن تشاء الظروف أن يجتمعوا في مكان واحد هو “جزيرة الواق واق”، وذلك بعد غرق السفينة التي أبحروا فيها بحثًا عن حياة أفضل من تلك التي عاشوها في بلدانهم. 17 رجلًا وامرأة فرّوا من مجتمعاتهم، هرب كلُّ فرد منهم من شيء مختلف، فمنهم من فرَّ هاربًا من الفساد، أو الاستبداد، أو الاعتقال، أو ظلم المرأة، أو الثقافة المترهلة، أو غيرها.

وبعد أن يستقروا على الجزيرة، تفرض الظروف الجديدة معادلاتها، فتبدأ الشخصيات بالتكيف مع الواقع الجديد، ويعملوا سويًا تحقيقًا لذلك. وفي كل خطوة في بناء المجتمع الجديد، نجد أنهم يعيدون إنتاج ما هربوا منه، إذ تم إعادة إنتاج الفساد، والاستغلال، والاستبداد، والمعتقلات.

اقرأ أيضًا: دراما نبذ “الإرهاب” في رمضان: بين إيصال الفكرة ونقيضها

إذًا، أيديولوجيا المجتمع الذي نجوا منه يُعاد إنتاجها في بناء المجتمع الجديد، ومن الصفر، فالـ17 رجلًا وامرأة لم ينجوا فعلًا، وإنما هربوا وهم مُحمَّلون بالمجتمع ذاته الذي قرروا الهروب منه.

وتأخذ الاختلافات على نطاقات أوسع ما بين الشخوص، وهي منبثقة من الأيديولوجيا والتأثير الاجتماعي السابق، وهذه الاختلافات تنعكس وتنصب في عملية بناء المجتمع الجديد؛ المتدين يريده مجتمعًا دينيًا محافظًا، الماركسي يسعى لبناء كومونة، أما ذو الخلفية العسكرية فيسعى إلى إنشاء جيش ودولة بوليسية. وفي ظل ذلك، كيف يمكن أن يكون شكل المجتمع الفاضل الذي فرّوا من بلدانهم لأجله؟ كيف يمكن أن يتفقوا جميعًا على شكل المجتمع الفاضل، في ظل هذا التباين والتناقض في المرجعيات والأفكار؟

لم تكن عملية الهروب من “الوطن”، ولا من حادثة عابرة، ولا من فشل ذريع في أحد أشكال الحكم؛ إنها ببساطة محاولة للنجاة من المنظومة نفسها، ولكن كيف ينجون منها وقد تحمَّلوا وتشبعوا بكل أدواتها وأيديولوجياتها وسياساتها وتأثيرها عليهم؟

ربما لو تخيلنا مجموعة من الأطفال بدلًا من شخوصهم في هذا الموقف لاستطاعوا بسهولة تحديد شكل المجتمع الجديد، ولأقام الأطفال المجتمع على التسامح والفرح والمحبة، ذلك أن الأيديولوجيا لم تتمكن منهم بعد، وسيتصرفون على سجيتهم الطبيعية، أما الشخوص البالغون فحتمًا سيختلفون ما إذا كانت دولة أم خلافة، أم جمهورية أم مملكة.

جاءت بعض الشخصيات محملة بالكثير من واقعنا، الذي حاول المؤلف الهروب منه إلى مجتمعه المتخيل “الواق واق”. على سبيل المثال، يشبه سعي المارشال إلى بناء دولة الأمن، ورغبته في تنظيم جيش من أجل الاستعداد لهزيمة عدو متخيل، نظام الطوارئ في العديد من البلدان العربية، رغم عدم وجود حرب مع إسرائيل، كل ما في الأمر أن هذه البلدان تبقى في حالة طوارئ، تمامًا كالمارشال الذي يسعى لدولة الأمن خوفًا من العدو المتخيل.

ومع نهاية المسلسل، تبقى جزيرة الواق واق كما عهدناها في كتب التراث العربي، ليست معروفة؛ حقيقة هي أم خيال، ومثلما هي بعيدة كذلك يكون المجتمع الفاضل الذي بحث عنه شخوص المسلسل. ومثلما هربوا من أوطانهم بحثًا عن شيء ينقصهم، كان هنالك بالضرورة من يبحث فيهم عن شيء يكمله، فالحل لا يكمن في الهروب كما صورتها لنا كوميديا الواق واق المباشرة، وإنما في البقاء والمواجهة التي أشارت لها رمزية المؤلف ولو بالقليل.

يذكر أنه تم تصوير المسلسل في تونس، كما شارك فيه كوكبة من نجوم الدراما السورية، على رأسهم باسم ياخور، ورشيد عساف، وجرجيس جبارة، وشكران مرتجى، وغيرهم.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة