الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

مسلسل “الشيخة” في رمضان يثير جدل الفن والأخلاق بالمغرب

عمل درامي يتحدث عن مهنة قديمة في المغرب تقوم صاحبتها بإحياء الافراح والمناسبات لكنها تعرضت للظلم الاجتماعي

المغرب- حسن الأشرف

لم يفتر بعد الجدل العارم الذي اندلع في شهر رمضان بالمغرب، بسبب مسلسل درامي تقدمه القناة التلفزية الحكومية (دوزيم)، ويحكي قصة “شيخة”، والتي تعني في المجتمع المغربي مغنية وراقصة شعبية تُنشط حفلات الأعراس والمناسبات الاجتماعية والشخصية المختلفة، بعد أن انتقده داعية إسلامي معروف، لينقسم المغاربة بين مؤيدين لما قاله الداعية، وبين من هاجمه وانتصر لفكرة المسلسل، وآزر “الشيخة” جملة وتفصيلاً.

ويسرد مسلسل “المكتوب” قصة ومسار “شيخة” داخل أسرتها الصغيرة، وفي العلاقات داخل المجتمع المغربي، وكيف أن ابنة “المغنية الشعبية” هذه كانت تفاخر بأصلها وعمل أمها، وذلك كله في سياق أحداث درامية متسلسلة نالت مشاهدات كبيرة وقياسية، حتى أن البعض اعتبره بالمسلسل “الأكثر مشاهدة في تاريخ التلفزيون المغربي”، وهو من بطولة الممثلة دنيا بوتازوت، وهند بن جبارة، وأمين الناجي، ومريم الزعيمي، وآخرون.

اقرأ أيضاً: مسلسل “فتح الأندلس” يؤجج جدل الهوية وتزوير التاريخ

انتقادات لاذعة

وانطلق الجدل بعد أن تحدث فيه دعاة إسلاميون مغاربة، كان أولهم الدكتور رشد نافع، المقيم في هولندا، والذي تطرق في خطبة جمعة له إلى ما وصفها بمعاول الهدم التي تروم صرف الناس عن شهر رمضان الكريم، ليأتي بعده الداعية ياسين العمري الذي فجَّر السجال بعد أن انتقد المسلسل والقائمين عليه.

الداعية العمري، الذي كان يتحدث في درس أو محاضرة دينية، شدد على أن الرقعة بين أهل الحق وأهل الباطل هي رقعة واحدة، تتسم بالتدافع بين الجانبين، وبأن أهل الحق إذا توقفوا عن نشر الحق فإن أهل الباطل ينشرون باطلهم، مبرزا أن المسلسل المذكور يقدم “الشيخة” على أنها قدوة في المجتمع، قبل أن يعتبر أن ما يُبثُّ منكر يريدون للمغاربة أن يطبعوا معه”.

الداعية ياسين العمري في محاضرة له بإحدى الجامعات المغربية

وانقسم الرأي العام المغربي سريعاً إلى فئتين، الأولى تناصر ما ذهب إليه الداعية المعروف، حيث هب الناشط السلفي حسن الكتاني لتأييد زميله بالقول في تصريحاتٍ له، إن “شهر رمضان هو شهر الإيمان، ويجب عرض برامج ومسلسلات هادفة عوض بث مسلسل يمجد دور “الشيخة”، مستنكراً “العبث بشهر رمضان بإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا بنشر مسلسلات هابطة تنشر المفاهيم الفاسدة”، وفق تعبيره.

الباحث الإسلامي الدكتور إدريس الكنبوري من جهته قال في تدوينة فيسبوكية إن “جل أصحاب الردود لا يهمهم أمر الشيخة ولا هم يحزنون، وإنما قاموا لأن صاحب الرأي داعية إسلامي”، قبل أن يكمل: “لو كان هناك رمز إيجابي للفقيه في مسلسل لقام هؤلاء بالهجوم عليه بدعوى أن الدراما لا يجب أن تخدم إيديولوجيا معينة”.

اقرأ أيضاً: “فاتن أمل حربي”.. عمل متهم بنبش الموروث ونقد الفتوى الدينية

وبالمقابل، استنكرت الفئة الثانية الهجوم على المسلسل المذكور، باعتبار أنه عمل فني يخضع للذوق والتقييم الفني الذي له أدواته الخاصة، وليس للمواعظ الدينية، وقال في هذا الصدد الناشط المعروف أحمد عصيد في تصريحاتٍ صحفية، إن تشخيص دور “شيخة” في مسلسل تلفزي يشبه تشخيص دور تاجر وفلاح وفقيه مسجد، لكونها نماذج توجد في الواقع المعيش”، مردفاً أن “الشيخة تدخل بيوت المغاربة من أبوابها، وليس من المسلسلات، بالنظر إلى أنها من تقوم بإحياء حفلات الأسر بما فيها المتدينة”.

نقاش القيم والحرية

وأعاد المسلسل المذكور إلى الواجهة نقاشاً قديماً جديداً يتكرر كل مرة، وهو مدى علاقة الأعمال الفنية بالقيم داخل المجتمع المغربي، وهل العمل الفني مطالب بأن يجعل على نفسه “رقيبا أخلاقيا ودينيا” ليكون مقبولاً عند الجمهور، أم أنه عمل يستوجب الكثير من الحرية في الفكرة والطرح والتنفيذ، باعتباره أولاً وأخيراً عملاً تخييلياً، وإن كان يستمد موضوعه من المجتمع وقصصه بشكلٍ أو بآخر.

الشيخة الشهيرة خربوشة (صورة: أرشيف)

المنتقدون لما سموه “تطبيعا” مع “الشيخة” ينطلقون من مسألة أن هذه “الفنانة الشعبية” موسومة في الذاكرة والذهنية الاجتماعية بأوصاف غير أخلاقية، خاصة بالرقص الذي يعتمد على حركات جسدية مثيرة أمام الرجال، إذ أنها تحيي -بحسب هذا المنطلق- “الليالي الملاح” في العلب والنوادي الليلية، أو في حفلات الأعراس التي غالباً ما تتضمن سلوكات تتنافى مع القيم الدينية.

وبالمقابل المدافعون عن “الشيخة” ينطلقون من كونها تمارس فناً قائماً بذاته لا يمكن الخجل منه أو نبذه والتبرؤ منه، كما يندرج ضمن “الفن الشعبي” بالمغرب، وما تردده الشيخة في أغلبه هو عبارة عن “غناء العيطة”، الذي يعرفه أهل الاختصاص، ومنهم الدكتور حسن نجمي، بأنه “فن شعري وفن موسيقي غنائي، تمت صياغته اجتماعياً، شأنه شأن كل تعبير فني شفوي، وكل تعبير فولكلوري”، وبأن شيخات كثيرات -وفق هذا الطرح- حاربن الاستعمار الفرنسي وشكلن شوكة في حلق مسؤولين معروفين بالبطش والظلم في مغرب أمس، ولعل أشهرهن الشيخة “خربوشة”، واسمها الحقيقي “حادة الزيدية” التي اشتهرت في القرن 19 بمقاومتها لظلم السلطة ممثلة في القائد عيسى بن عمر، بواسطة قصائد “العيطة”.

اقرأ أيضاً: الدراما الأردنية في رمضان.. زخم الإنتاج التراثي

“الشيخة” مظلومة فنيا؟

ويطرح سؤال تبعاً لهذا التسلسل: “هل الشيخة مظلومة فنيا واجتماعيا في المجتمع المغربي”، ليجيب الناقد الفني فؤاد زويريق بالقول إن الشيخة مظلومة بالفعل لأنها ارتبطت في الذاكرة الشعبية لدى العامة بالدعارة، فمفهوم الشيخة في مجتمعنا يتحكم فيه المعيار الأخلاقي البعيد كل البعد عن المعيار الفني”، مضيفاً أن المجتمع تناسى أن الشيخة في الأصل هي مغنية، والغناء هو فن له جذوره وأصوله وآلياته”.

وشدد زويريق في حديثٍ مع كيوبوست على أنه “لا يمكن أبدا تجاوز هذا المفهوم الذي يعبّر عن الرقي والنبل ومحاكمته بالمطلق، وإلا حاكمنا أيضا باقي الأجناس الفنية، وأطلقنا عليها نفس الحكم الذي نطلقه الآن على ميدان ”تاشياخت”، ففي كل مجال الصالح والطالح، لكن للأسف الحكم الأخلاقي الجائر الذي التصق بالشيخة تبلور في فترة معينة من تاريخ المغرب، واستمر معها إلى اليوم”.

فؤاد زويريق

ويشرح الناقد المقيم في هولندا: “إبّان الاحتلال الفرنسي قرر المستعمر تنظيم المهن، فقام الباشا التهامي الكلاوي باشا مدينة مراكش بإلحاق الشيخة ببائعة الهوى وجمعهما في موقع أو مكان واحد، ونتيجة لهذا الخلط المعيب أصبح الناس لا يفرقون بينهما، فألصقوا بها صفة جارتها التي تشاركها نفس المكان بقرار السلطة، وحملته معها إلى اليوم مرغمة، فبائعة الهوى مهنة معروفة منذ الأزل، وشتان بينها وبين ماتؤديه الشيخة كفنانة شعبية مثلها مثل أية مغنية أو فنانة أخرى تحمل رسالة الفن والإبداع، وتسعى إلى نشرها بكل حب واحترام ورقي”.

التعميم غير صائب

وجواباً على سؤال كيوبوست بخصوص نماذج مسيئة للذوق والأخلاق من “الشيخات”، أفاد زويريق بأنه “حتى إن كانت هناك بعض العناصر التي لديها سلوكيات لا أخلاقية معينة في هذا المجال، فلا يجب إطلاقاً محاكمتهن جميعاً، ففي كل مجال أخياره وأشراره، ولا يصح أن نأخذ هذا المجال بجريرة بعض عناصره التي ارتأت أن تمارس مسائل وسلوكيات أخرى بعيدة عن الفن”.

اقرأ أيضاً: بعد عرض موسمه الثالث.. هل نجح مسلسل “المنصة”

وذهب المتحدث ذاته إلى أن “احتقار هذا النوع من الفن، خصوصا بعد إقحام الخطاب الديني في هذا الجدل من طرف بعض الشيوخ والدعاة، سيفتح الباب لبعض العامة بمحاكمة كل “شيخة” دون وجه حق، ومعاقبتها بدنيا بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” على حد تعبير الناقد الفني.

وهنا سنصبح، يتابع زويريق، أمام “حالة من التسيب وإرهاب فئة معينة من المجتمع المغربي”، قبل أن يستحضر في هذا السياق مثال الشيخة حادة الزيدية/خربوشة، التي ما زال المغاربة بملحمتها ضد الظلم والجور إلى الآن، وكذا الحاجة الحمداوية، والحاجة الحمونية، وخديجة البيضاوية، وفاطنة بنت الحسين وغيرهن كثير.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة