الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

مسرحية طالبان: الأمر كله يتعلق بـ “الشمول”

كيوبوست- ترجمات

ماتيو جيمولو♦

تطلُّ علينا محطات تليفزيونية مختلفة، يومًا بعد يوم، وبصورةٍ منتظمة كالساعة، بدءًا من احتلال كابول بسلسلةٍ من المقابلات الأقرب للسريالية، حيث تظهر قيادات النسخة الجديدة من حركة طالبان، بلحيةٍ أنيقة ولغة إنجليزية جيدة، إن لم تكن ممتازة. تنقل المقابلات للقارة العجوز والأمريكيين شعار إمارة أفغانستان الإسلامية الجديدة سيكون: “الشمول”؛ بمعنى دولة تتسع لجميع المواطنين.


وكما هو الحال في مشاهدة الحلقة البائسة من برنامج “ساوث بارك”، يشرح عبد القهار بلخي لقناة الجزيرة كيف أن الحكومة التي تتشكل في كابول ستكون “جامعة” لكافة أطياف المجتمع، وكيف أن الهستيريا التي ترسّخت بين الأفغان الفارّين بسبب ما تم تصويره عن الحكومة الدينية لا أساس له من الصحة على الإطلاق.

اقرأ أيضًا: هل هناك طالبان “جديدة” في أفغانستان؟

في الوقتِ نفسه، سعَت عناصر أخرى من طالبان لطمأنة العالم الحرِّ، على قناة بي بي سي الليبرالية، بأن الحركة “تحقق” في المذبحةِ التي راح ضحيتها تسعة من رجال الهزارة في مقاطعة جازني؛ بعد الشكوى التي قدمتها منظمة العفو الدولية… يمكننا جميعًا أن نتصوّر مجموعة من البدو جالسين على سجادة في ظلِّ شجرة لوز مزدهرة ينظرون بعناية لطائر البجع في السماء بحثًا عن علاماتٍ تبعث عن الطمأنينة في نهاية المطاف: سيتم تبرئة طالبان دون قيد أو شرط.

لكن من المهم التحذير من أن الحديث عن قضايا مثل الاتجار بالبشر، واضطهاد النساء والمثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي، ومغايري الهوية الجنسانية، والتعذيب والعنف ضد المدنيين، والقيود المفروضة على التعليم الحديث، وحظر الأنشطة الترفيهية، واختطاف المعارضين السياسيين، والإبادة الجماعية الثقافية، ستكون من القضايا المسكوت عنها في أي حديثٍ مع طالبان حتى بالنسخة الجديدة.

قيادات حركة طالبان داخل القصر الرئاسي الأفغاني- وكالات

عندما تسنحُ لهيئة “بي بي سي” فرصة إجراء مقابلةٍ مع أحد عناصر طالبان، فلن تطرح أيًّا من القضايا السابقة، بل كل شيء عن “الحكومة الجامعة” لكافة أطياف المجتمع لكن بالمنظور الطالباني فقط. في الأول من سبتمبر، تصدى صحفي آخر في “بي بي سي” لشير محمد عباس ستانيكزاي؛ نائب رئيس المكتب السياسي لحركة طالبان في قطر، بسؤالٍ أكثر إلحاحًا حول توزيع الحقائب الوزارية بين الجنسين: هل ستكون هناك سيدات في حكومة طالبان الجديدة؟

فندع جانبًا مؤقتًا القضايا الإشكالية الخاصة بعدم المساواة ولنبدأ من الأساسيات؟ مثل السؤال عما حدث للكوميديان خاشا زوان، الذي تعرّض للصفع والمضايقة تحت تهديد السلاح من قِبل مجموعة من الرجال المسلحين قبيل مقتله بسبب إلقاء نكاتٍ عن الإسلام، رغبة منهم في أن يكونوا عين طالبان الساهرة “التي تسعى للشمول”؟ وإذا كنا نريد الحديث عن قضايا المرأة، فماذا عن التحقيق فيما إذا كانت المرأة ستظل تحصل على التعليم وحقوقها الإنسانية الأساسية في ظلِّ حكومة طالبان، قبل أن نسأل عن تمثيلها في السياسة؟

اقرأ أيضًا: من هم أعضاء الحكومة الأفغانية الجديدة؟

قريبًا على الهواء مباشرة على شاشة التليفزيون من استوديوهات “ذا ديلي شو”، سيشرح لنا أحد قادة طالبان، مع كوب من مقهى ستاربكس في اليد، أن الأخبار حول مزارعي الأفيون السفاحين من صحراء مارجو، التي اعتدنا على سماعها على مدى السنوات العشرين الماضية كانت كلها “أخبار زائفة”. في الواقع، لماذا يستمرون في بيع الأفيون في حين أن مادة الليثيوم ستنقذ العالم من الاحترار العالمي، لتصبح واحدة من أهم السلع الحلال التي ستقاتل من أجلها عناصر طالبان في السنوات القادمة؟ ولماذا يصرون على استخدام السواطير في الوقت الحاضر ويخاطرون بالظهور بمظهر المجانين البرابرة، في حين أن الديمقراطيين الأمريكيين الهاربين أقرضوا بسخاء 83 مليار دولار أمريكي في الأسلحة “لأقلية طالبان المضطهدة”، بما في ذلك خمسين طائرة، و100 ألف دبابة وشاحنة وغيرها من المركبات الأخرى، وقرابة ستين مروحية، وأكثر من 300 ألف بندقية هجومية، ومئات الآلاف من البنادق الأخرى، والمسدسات، وغيرها من الأسلحة، التي يمكن أن تستخدمها طالبان أخيرًا في إطلاق النار على الحشود الأفغانية بطريقةٍ أكثر شمولًا؟

أحد عناصر “طالبان” يلتقط صورة لزميله مع طائرة من طراز “إم دي-530 إف” الأمريكية أغسطس 2021- “ديلي ميل”

فمن ناحيةٍ، يمكننا أن نتأكد من أننا في الغرب سوف نستمر وكأن شيئًا لم يحدث لنظهر بفخر لبقية العالم مدى تقدميتنا وشموليتنا، من خلال تطهير فيسبوك وتويتر، ومختلف وسائل الإعلام التي ندعي أنها ليبرالية، والصحف، من كل تلك الكلمات والصور والآراء المحرمة من السياسيين والكتاب والصحفيين والفنانين ورسامي الكاريكاتير الذين يسيئون للدين، الذين يصرون على جريمة تشويه سياسات الهوية، والتعددية الثقافية، واللغة الشاملة، واللياقة السياسية.

اقرأ أيضًا: جيرارد راسيل لـ”كيوبوست”: سندفع ثمناً باهظاً نتيجة سقوط النظام في أفغانستان

ماذا عن الأفغان في كل هذا؟ لقد بدأ الفقراء في الفرار. أو على الأقل يحاولون الفرار من بلد تعرّض للخيانة والتخلي بلا خجل من قبل حلفائه الغربيين. ولهؤلاء القلائل الذين سينجحون في عبورِ حدود ما لا يزال يُطلق عليه اسم العالم الحر، أودُّ أن أطلب معروفًا: بمجرد وجودكم هنا، هل يمكنكم أن تكونوا لطفاء جدًا لتنوير كتيبة المتحفزين ضد عدم المساواة حول كيفية إعادة تحديد أولوياتهم؟ ربما يمكنكم أن تبدأوا بطرح أسئلةٍ بسيطة؛ مثل: كيف يمكنكم أن تصفقوا لكبرى شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون لحظرها بصفةٍ دائمة رئيسًا سابقًا لأحد بلدانكم الحرة، في حين أنها لا تزال تسمح بأن يغرِّد المتحدثون باسم واحدة من أكثر الجماعات الإسلاموية محافظةً وعنفًا على هذا الكوكب “ما يدّعون أنها حقائق” بحرية ربما سيستمعون إليكم، وعلى الأرجح لا. لكن الأمر المؤكد أنهم سيخترعون لقبًا مُهينًا جديدًا لتشويه سمعتكم ووصفكم بأنكم تابعون دون وعي للغرب الرأسمالي الشرير.


♦مرشح لنيل درجة الدكتوراه في جامعة كارديف.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة